حوار| الفنانة المسرحية نادية لامارتي: لا ينبغي أن تجبر النساء على الاختيار بين أحلامهنّ ومسؤولياتهنّ

حظي العرض المسرحي “حياتي، تحدياتي وبناتي” بإقبال لافت وتفاعل واسع من الجمهور، في تجربة إنسانية صادقة تلامس تفاصيل الحياة اليومية للنساء، حيث تمتزج الذاكرة بالبوح، وتتحول الخشبة إلى مساحة اعتراف وأسئلة أكثر مما هي مساحة عرض.

في هذا العمل، عادت الفنانة نادية لمارتي إلى خشبة المسرح عبر “مونودراما” ذات طابع سيري، تستلهم فيها محطات من حياتها، بين طفولة حالمة، أمومة مثقلة بالمسؤوليات، ورحلة بحث دؤوبة عن التوازن والذات، في تقاطع رقيق بين الخاص والإنساني.

نادية لمارتي، فنانة مغربية مقيمة ببلجيكا، تحمل معها منذ طفولتها شغف المسرح، فكان أول مساحة للبوح والتجربة، قبل أن تتشكل مسيرتها الفنية عبر أعمال وتجارب متعددة، وصولا إلى هذا العمل الذي يزاوج بين السيرة الذاتية والكتابة المسرحية.

عن كل ذلك، أجرت منصة “هنَّ”، حوارا مع الفنانة، يفتح نافذة على رؤيتها للفن بوصفه مساحة للتحرر الداخلي أكثر منه خطابا مباشرا، يكمن في القدرة على احتضان الأدوار المتعددة دون فقدان الذات، في تحويل التجربة الشخصية إلى سؤال إنساني مفتوح للتأمل.

كما أبرزت نادية، في هذا الحوار، ومن خلال عملها المسرحي، أن الحياة ليست قدرا ثابتا أو مسارات محتومة، بل إمكانية دائمة لإعادة الكتابة والتجاوز، حيث يمكن كسر القيود غير المرئية ليس بدافع الرفض، بل بدافع الحب والوعي الذي يدفع الإنسان إلى أن يصبح نسخة أكثر نضجا وإدراكا لذاته.

عفراء: يحمل عنوان المسرحية «حياتي، تحدياتي وبناتي» بعدا شخصيا قويا. ما الذي دفعك إلى تحويل جزء من مسارك الحياتي وتجاربك الشخصية إلى عمل مسرحي؟

نادية: أعتقد أن هذا العمل المسرحي ولد، في جوهره، من حاجة عميقة إلى فهم مساري الشخصي. ففي مرحلة من حياتي، عدت لأتأمل قصتي واكتشفت أنني عشت حيوات عديدة في حياة واحدة. كنت طفلة مفعمة بالأحلام، ثم مراهقة تبحث عن معالم تهتدي بها، فشابة تسعى إلى إيجاد معنى لحياتها. كما كنت وما زلت امرأة مؤمنة، وكنت زوجة وأما ومهنية أيضا. وفي أحيان كثيرة، كنت امرأة تائهة وسط كل هذه الهويات المتعددة.

لذلك شعرت بالحاجة إلى جمع هذه الأجزاء المتناثرة وفهم ما الذي يربط بينها، وما الدروس التي تحملها لي. ووجدت في المسرح أجمل فضاء لتحقيق ذلك، لأنه يتيح للإنسان أن يروي قصته من دون فرضها على الآخرين أو تقديمها بطريقة قسرية. أنا لا أعتلي الخشبة لأملي على الناس كيف يعيشون أو كيف يفكرون، بل لأشاركهم رحلة إنسانية بكل ما تحمله من هشاشة وتناقضات وتساؤلات.

ثم هناك بناتي، اللواتي يشكلن جزءا أساسيا من هذا العمل. إذ فكرت في أنهن قد يتساءلن مستقبلا عن المرأة التي كنتها قبل أن أصبح أمهن، ومن هنا جاء هذا العرض كوسيلة لنقل هذه الحكاية إليهن، ليس بهدف أن أحدد لهن ما ينبغي أن يصبحن عليه، بل لأبين لهن أن الحياة ليست شيئا ثابتا أو جامدا، وأن الإنسان قادر دائما على التطور، ومراجعة ذاته، وإعادة اكتشاف نفسه، من دون أن يتنكر لما كان عليه في الماضي.

عفراء: تضع المسرحية تجربتك كأم في صلب الحدث. إلى أي حد شكلت الأمومة نقطة تحول في حياتك الشخصية ومساركِ الفني؟

نادية: الأمومة ليست محور الحكاية بالمعنى الضيق للكلمة، فهي لم تمنحني جميع الأجوبة، لكنها علمتني كيف أطرح الأسئلة الصحيحة. لا شك أن تجربة الأمومة غيرت بشكل عميق نظرتي إلى نفسي وإلى قصتي الشخصية. قبل أن أصبح أما، كنت أتساءل كثيرا عما ينتظره الآخرون مني، أما بعد ولادة بناتي فقد أصبحت أتساءل عما أريد حقا أن أنقل إليهن.

لقد تحولت بناتي إلى مرآة أرى فيها نفسي، كبوصلة تهديني في رحلتي، وهذا ما أحاول التعبير عنه في المسرحية. فقد دفعنني إلى إعادة النظر في مساري، وفي قناعاتي ومخاوفي وجراحي، وكذلك في الإرث العائلي الذي نحمله أحيانا من دون أن ننتبه إلى ثقله وتأثيره علينا.

أدركت أن كثيرا منا يرث قصصا بدأت قبل ولادته بوقت طويل، ويتلقى قيما ونقاط قوة، لكنه يتلقى أيضا مخاوف وصمتا وجراحا وأنماطا من التفكير والسلوك ينتهي به الأمر إلى اعتبارها قدرا محتوما. عندما أصبحت أماً، شعرت بحاجة عميقة إلى مساءلة هذا الإرث، ليس من أجل التنكر لمن سبقونا، بل من أجل أن أختار بوعي ما أريد نقله إلى بناتي.

أتمنى أن يدركن أن لا شيء ثابت أو محتوم، وأن الإنسان ليس محكوما بتكرار القصص نفسها جيلا بعد جيل. وهذا العمل المسرحي يتحدث أيضا عن الرغبة في كسر بعض القيود غير المرئية، لا بدافع الغضب أو الرفض، بل بدافع الحب، الحب الذي نحمله لأطفالنا، والذي دفعني أنا شخصيا إلى أن أصبح نسخة أكثر وعيا من نفسي.

أتمنى من خلال هذه الحكاية أن تعرف بناتي أنهن لسن أسيرات لخياراتي أو أخطائي أو جراحي، وأن من حقهن أن يكتبن قصتهن الخاصة بأنفسهن. فالحياة في جوهرها ليست شيئا جامدا، بل هي حركة دائمة؛ نتطور ونتعثر ثم ننهض من جديد، ونتغير باستمرار. وربما تكون هذه أجمل الدروس التي تعلمتها.

عفراء: هل ما تروينهُ من خلال عملك الفني يندرج ضمن تجربة شخصية وفردية، أم أنه يعكس واقعا تعيشه العديد من النساء؟

نادية: أروي قصتي الشخصية، لكن المشاعر التي تحملها هذه القصة لا تخصني وحدي، بل هي مشاعر إنسانية يتقاسمها كثير من الناس. وهذا ما ألاحظه في كل مرة أقدم فيها هذا العمل على الخشبة. فرغم أنني أتحدث عن تجربتي الخاصة، إلا أنني أتأثر دائما بمدى صداها لدى الآخرين.

صحيح أن العديد من النساء يجدن أنفسهن في بعض محطات هذه الرحلة؛ في الشكوك التي عشتها، وفي الضغوط والتوقعات الاجتماعية التي واجهتها، وفي تجربة الأمومة، والبحث عن الهوية، ومحاولة التوفيق بين مختلف جوانب الحياة. لكن أكثر ما يلامسني هو ردود فعل الرجال. فكثير منهم يأتون بعد العروض للحديث عن أمهاتهم أو بناتهم أو أخواتهم أو زوجاتهم، وعندها أدرك أن هذا العمل يتجاوز قصتي الشخصية، بل ويتجاوز حتى كونه عملا يتناول قضايا النساء فقط.

من خلال هذه الحكاية، أستحضر وجوها متعددة: الطفلة التي كنتها، والأخت، والحبيبة، والزوجة، والأم، والمرأة المؤمنة، والمرأة التي تشك وتتساءل، والمرأة التي تبني نفسها، وتلك التي تضيع أحيانا في الطريق. وفي النهاية، لا يكاد يوجد شخص إلا ويعرف أو يحب واحدة من هذه النساء، على الأقل.

لهذا لا أعتبر أن هذا العرض موجه للنساء وحدهن، لأنه يتناول موضوعات مثل انتقال التجارب بين الأجيال، والحب، والصمود، والبحث عن الذات، والروابط العائلية، وهي كلها قضايا إنسانية وعالمية تمس الجميع. 

عفراء: تخوضين تجربة الوقوف وحيدة على خشبة المسرح في عمل من نوع المونودراما. ما أبرز الصعوبات والتحديات التي واجهتك في حمل هذا العرض بمفردكِ أمام الجمهور؟

نادية: أعتقد أن التحدي الحقيقي لم يكن مواجهة الجمهور، بل مواجهة نفسي. فالصعوبة الأكبر لم تكن في الصعود إلى الخشبة بمفردي، لأنني في العمق لم أكن وحيدة تماما. لقد اخترت أن أستحضر حضورا آخر في العمل، هو حضور الضمير أو الصوت الداخلي، الذي جسدته الفنانة فوزية بلوندي بكل ما تتمتع به من موهبة وحساسية فنية أضفتا على العرض عمقا خاصا.

تمثل فوزية ذلك الصوت الذي يسكن داخل كل واحد منا؛ الصوت الذي يدفعنا إلى مواجهة أنفسنا، ويجبرنا على النظر إلى جراحنا وتناقضاتنا ونقاط ضعفنا وصمتنا، بل وحتى إلى الحقائق التي نحاول أحيانا تجاهلها أو الهروب منها.

في هذا العمل المسرحي، يستعيد ذلك الصوت مكانته كاملة من خلال حضور فوزية، التي تواجهني بخياراتي وتنازلاتي وتحولاتي، وتذكرني بأن التقدم في الحياة لا يمكن أن يتحقق من دون مواجهة صادقة مع الذات، ومن دون الاعتراف بما نحمله في أعماقنا.

وهكذا تحولت الخشبة إلى فضاء للحوار بين المرأة التي أنا عليها اليوم، وكل النساء اللواتي كنتهن في مراحل مختلفة من حياتي. ولذلك أشعر بامتنان عميق لفوزية، التي جسدت هذا الضمير الداخلي وساعدتني على الذهاب بعيدا في اكتشاف نفسي.

عفراء: هل تعتبرين “حياتي، تحدياتي وبناتي” مجرد عمل فني، أم أنه يشكل نوعا من المصالحة مع الذات لاستعادة الذاكرة الشخصية؟

نادية: نعم، يمكن اعتبار هذا العمل شكلا من أشكال المصالحة مع الذات، فكثيرا ما ننظر إلى بعض فصول حياتنا بشيء من الندم أو الشعور بالذنب أو عدم الفهم، وأحيانا بقسوة أكبر مما نستحق. 

لقد أتاح لي هذا العرض المسرحي فرصة التراجع خطوة إلى الوراء والنظر إلى مساري الشخصي بقدر أكبر من الهدوء والرحمة. لقد أصبحت أكثر تسامحا مع نفسي وأكثر تفهما لما عشته.

اليوم لا أتنكر لأي امرأة كنتها في الماضي؛ لا للمرأة الواثقة المليئة باليقين، ولا لتلك التي كانت تعيش الشك والتساؤل. لا للمرأة التي كانت تبحث عن مكانها في الحياة، ولا لتلك التي اعتقدت أنها وجدته. ولا للمرأة التي كانت تمضي بثقة نحو أهدافها، ولا لتلك التي شعرت في مرحلة ما بأنها ضائعة تماما.

أدرك الآن أن كل واحدة من هذه النسخ المختلفة من نفسي كانت تحمل درسا مهما، وأنها ساهمت في تشكيل المرأة التي أنا عليها اليوم. 

عفراء: غالبا ما ينظر إلى النساء من خلال أدوارهن العائلية فقط. هل تسعى المسرحية إلى تقديم المرأة بوصفها كيانا مستقلا له أحلامه وطموحاته الخاصة، بعيدا عن الأدوار التقليدية التي تحصر فيها؟

نادية: أعتقد أن الاستقلالية لا تعني العزلة أو الانفصال عن الآخرين، بل تعني قدرة الإنسان على الحفاظ على ذاته وهويته داخل علاقاته المختلفة. لذلك أجيب بنعم، ولكن من دون الوقوع في فكرة التعارض بين المرأة والأدوار التي تؤديها في حياتها.

أنا مؤمنة بأن المرأة تستطيع أن تكون أما وزوجة وابنة وموظفة ناجحة وفنانة، وفي الوقت نفسه، تظل وفية لذاتها. المشكلة ليست في تعدد الأدوار، بل تظهر عندما تذوب المرأة داخل هذه الأدوار إلى حد تفقد معه نفسها وصوتها الخاص.

هذا ما ينطلق منه العمل المسرحي بالأساس؛ فهو رحلة بحث عن التوازن. اعتقدت لفترة طويلة أن علي الاختيار بين جوانب مختلفة من شخصيتي، كنت أظن أنني لا أستطيع أن أكون نادية الفنانة والأم في الوقت نفسه، أو أن أوفق بين حياتي المهنية ودوري كأم.

أما اليوم، فأرى الأمر بشكل مختلف تماما. أعتبر أن هذا التعدد مصدر غنى وقوة، وأن ثراء الحياة يكمن في القدرة على التوفيق بين مختلف أبعاد الشخصية وجعلها تتعايش في انسجام. 

لذلك أؤمن بأنه لا ينبغي أن تجبر النساء على الاختيار بين أحلامهن ومسؤولياتهنَّ، فمن حقهنَّ العيش من خلال المزج بين هذه الأمور بكل ما فيها من اكتمال وتوازن وتناقض أيضا.

عفراء: هل تسعين من خلال هذا العمل إلى تحويل تجربتك الشخصية إلى فن يحمل رسالة توعوية، ويساهم في مواجهة أشكال التمييز والصور النمطية السائدة؟ 

نادية: لا أعتقد أن هدفي هو إقناع الناس أو دفعهم إلى تبني مواقف معينة، بل أسعى بالأساس إلى فتح مساحات للتفكير والتأمل. كما أنني لا أعتبر نفسي ناشطة بالمعنى التقليدي للكلمة، فأنا أؤمن بقوة الشهادة والتجربة الإنسانية أكثر مما أؤمن بالشعارات والخطابات الجاهزة.

هذا العمل المسرحي لا يقدم أجوبة نهائية أو وصفات جاهزة، بل يطرح مجموعة من الأسئلة. وأعتقد أن أهم ما يمكن أن يحققه الفن هو أن يدفعنا إلى مساءلة أنفسنا ونظرتنا إلى العالم. فإذا غادر بعض المتفرجين القاعة وهم يفكرون بطريقة مختلفة، فسيكون العرض قد حقق جزءا مهما من رسالته.

أنا مؤمنة بأن التغييرات الأكثر عمقا لا تولد من المواجهة المباشرة أو من فرض الأفكار، بل من التأمل والتفكير الهادئ. والفن يمتلك قدرة استثنائية على مقاربة القضايا الحساسة والإنسانية بطريقة تفتح باب الحوار والفهم المتبادل، بعيدا عن الأحكام المسبقة والانقسامات.

عفراء: هل تعتقدين أن النساء ما زلن مضطرات لبذل جهد أكبر لإثبات مكانتهنّ على المستويين المهني والاجتماعي مقارنة بالرجال؟

نادية: أميل إلى الإيمان أكثر بفكرة التكامل بدل المواجهة أو الصراع. نعم، من الواضح أن هناك حالات لا تزال فيها بعض النساء مضطرات لبذل جهد أكبر من أجل أن يعترف بهن ويقدر عملهن. لكنني أفضل التعامل مع هذا السؤال بنظرة أكثر توازنا وبدون تعميم.

أعتقد أننا بحاجة أكبر إلى أن نصغي لبعضنا البعض بدل أن نقف في مواجهة بعضنا. صحيح أن تحديات النساء موجودة بلا شك، وكذلك تحديات الرجال أيضا. لكن بالنسبة لي، المسألة ليست في من يعاني أكثر، بل في كيفية أن نفهم بعضنا بشكل أفضل، وأن نكون أكثر انفتاحا واحتراما وتقبلا للآخر.

عفراء: تتطرق المسرحية إلى التحديات التي واجهتك في حياتك. ما هي أشكال الأحكام المسبقة أو الصور النمطية التي أثرت فيك أكثر كامرأة؟

نادية: تم الحكم علي لأنني كنت أرتدي الحجاب، وتم الحكم علي أيضا عندما توقفت عن ارتدائه، وهذا أمر عشته بعمق وترك أثرا في نفسي.

أكثر الصور النمطية التي أثرت في هي تلك التي تختزل الإنسان في هوية واحدة فقط، وتحصره داخلها. فقد تم التعامل معي في مراحل مختلفة باعتباري مجرد امرأة، ثم مغربية، ثم مسلمة، ثم امرأة محجبة، ثم امرأة لم تعد محجبة…

ومن هنا أدركت أن هناك ميلا لدى البعض إلى اختزال الأشخاص في صفة واحدة، رغم أن الإنسان أكثر تعقيدا وتعددا، وخاصة نحن النساء.

ومسرحيتي في جوهرها رفض لهذا الاختزال والتصنيف الضيق. وفي النهاية، أرى أنه من المستحيل اختزال النساء في هوية واحدة فقط، لأنهن كيان متعدد ومتغير لا يمكن حصره في تعريف واحد ثابت.

عفراء: كيف ترين تطور وضع المرأة اليوم؟ وهل تعتقدين أن المكتسبات المحققة كافية أم أن الطريق لا يزال طويلا؟

نادية: نحن نتحدث كثيرا عن “الحرية”، لكنني أفضل استخدام كلمة “التحرر”، أعتقد أن هناك بالفعل العديد من المكتسبات التي تحققت، ومن المهم الاعتراف بها. لكن في نظري، التحدي الحقيقي أحيانا يكون داخليا أكثر منه خارجيا.

أفضل التحرر من نظرة الآخرين، من الإملاءات المجتمعية، من الخوف من خيبة توقعات الناس، من الشعور بالذنب، وأحيانا حتى من الصورة التي نبنيها عن أنفسنا.

بالنسبة لي، هذا هو الطريق الحقيقي الذي يخص النساء والرجال معا. أعتقد أننا قطعنا شوطا مهما، ولا يزال هناك طريق آخر، لكنني أميل إلى رؤية الكأس نصف ممتلئ وليس نصف فارغ. هذه طريقتي في التفكير؛ أنا متفائلة دائما، ولكن مع قدر من الواقعية.

عفراء: ما الدور الذي يمكن أن يلعبه المسرح والفن عموما في الدفاع عن قضايا النساء وفي مواجهة التمييز والصور النمطية؟

نادية: الفن في نظري لا يغير العالم بالقوة، بل يغيره عبر العاطفة. والمسرح يمتلك قدرة فريدة على خلق التعاطف؛ فعندما يتأثر الشخص بقصة ما، يتوقف عن رؤية الآخر كفكرة أو تصنيف، ويبدأ في رؤيته كإنسان. وهذه هي قوة الفن الحقيقية.

أرى أن المسرح مساحة حوار ممتازة، لأنه يسمح بطرح القضايا المعقدة دون عنف أو أحكام مسبقة. كما أنه يبني جسورا حيث توجد أحيانا جدران، وقد يكون نظرة واحدة كافية لتغيير البداية وفتح مسار أعمق من الفهم والتغيير. 

عفراء: بعد هذا العمل الذي يحمل الكثير من الصدق والحميمية، هل تفكرين في مواصلة المسرح السيري الذاتي، أم أنك تميلين إلى خوض تجارب فنية أخرى في المستقبل؟

نادية: أعتقد أن أي عرض مسرحي لا يكتمل إلا عندما يلتقي بجمهوره. وبصراحة، أنا ما زلت في قلب هذه التجربة.

حاليا، رغبتي الأساسية هي أن أبقي هذا العمل حيا، وأن أقدمه في فضاءات مختلفة مثل الجمعيات الثقافية، المراكز الثقافية، المهرجانات، والمسارح، وكل مكان يمكن أن يلتقي فيه بالجمهور ويخلق نقاشا وتفاعلا. لذلك أنا منفتحة على كل الفرص.

أؤمن أن العرض يكبر مع كل تقديم جديد؛ فكلما عرض أكثر، ازداد وجوده قوة وتأثيرا، وخلق تفاعلات ومشاعر ونقاشات قد تستمر حتى بعد انتهاء العرض.

أما بالنسبة للمستقبل، فأفضل ألا أستعجله. أريد أن أواصل التعمق في هذا العمل، لأنه ما يزال يحمل الكثير، وبعض الأعمال تحتاج وقتا لتكشف كل ما بداخلها. 

اقرأ أيضا

  • قضايا النفقة في موريتانيا.. بين النصوص القانونية ومعاناة النساء 

    تتصدر قضايا النفقة أجندة المحاكم والمنظمات الحقوقية في موريتانيا، إذ تمثل إحدى أكثر القضايا إثارة للنزاعات داخل الأسرة، ما يجعلها عاملًا أساسيًا في استقرارها أو تفككها. ومع أن الشرع والقانون يلزمان الزوج بالإنفاق على زوجته وأبنائه بمجرد إبرام عقد الزواج الصحيح، إلا أن ضعف آليات التنفيذ والتهرب من المسؤوليات يزيدان معاناة النساء والأطفال. صعوبة اقتطاع…

    مريم إسحاق إبراهيم|

  •  مطرقة الجريمة وسندان الاتهام.. واقع الناجيات من الاغتصاب في موريتانيا

    في مجتمع يجرّم الكلام عن العنف الجنسي والجسدي ويعتبره وصمة عار، سواء داخل المنزل أو في المحيط الاجتماعي، تواجه الناجيات عقبات كبرى تحول دون حصولهن على حقوقهن. “سأفضح العائلة” تروي فاطمة (اسم مستعار)، وهي شابة موريتانية، قصتها قائلة: “عشت لحظة رعب عندما تعرضت للاغتصاب من قبل ابن خالي الذي كان يقيم معنا في المنزل. بعد…

    مريم إسحاق إبراهيم|

  • قانون الأسرة في الجزائر: 40 عامًا من الجدل ..  هل يبقى مستقبل المساواة معلقا؟ 

    واحد وأربعون سنة تمر على سن قانون الأسرة في الجزائر ، معركة نضالية  امتدت منذ سنة 1984 ،تراوحت بين مطالب الإلغاء أو التعديل ، عرفت انفراجا سنة 2005 عبر تغييرات اعتبرها البعض غير كافية والبعض الآخر خطوة ايجابية نحو تحقيق المساواة وضد التمييز في ظل سياق اجتماعي تتصادم فيه المطالب الحقوقية مع التقاليد والأعراف في…

    ماجدة زوين|

  • ممنوعات من الإغاثة.. كيف تُستخدم السيادة لقمع النساء والمهاجرات؟

    أعلنت السلطات الليبية مؤخرًا عن إغلاق عدد من المنظمات غير الحكومية الدولية (ONG) العاملة في مجال دعم اللاجئين والمهاجرين في ليبيا، من دون تقديم مبررات واضحة أو إجراءات قانونية شفافة.  ويأتي هذا القرار في وقت حرج، حيث تزداد أوضاع المهاجرين واللاجئين تدهورًا وسط تصاعد العنف، وانعدام الحماية القانونية، وتواطؤ أجهزة الدولة مع شبكات الاتجار بالبشر. …

    رتاج ابراهيم|