حماية المدافعات عن حقوق الإنسان شرط أساسي لاستدامة الديمقراطية

سارة سوجار

في الوقت الذي يحتفي فيه العالم بنضال النساء ضد العنف وبصمودهن في مواجهة التحديات، تتكشف في المغرب مفارقات مؤلمة. فبينما تتغنى الخطابات الرسمية بالتمكين والمساواة، تكشف تجارب العديد من النساء—صحافيات وحقوقيات وناشطات وشابات—عن واقع مغاير: الفضاء العمومي مازال محفوفا بالعنف الرمزي والمادي، وبالمضايقات المرتبطة بحرية التعبير والمشاركة والمطالبة بالحقوق.

الحالات التي وثقتها تقارير حقوقية، سواء المتعلقة بمدافعات مثل سعيدة العلمي وابتسام لشكر، أو بالشابات اللواتي شاركن في احتجاجات “جيل زيد”، لا يمكن اختزالها في وقائع فردية؛ فالقاسم المشترك بينها هو أن النساء يتعرضن لمستويات متعددة من الضغط والتشهير والمتابعة بسبب وجودهن في الفضاء العام وتمسكهن بآرائهن ومواقفهن، وهو ما يعكس بوضوح ثغرة كبيرة بين النصوص القانونية والممارسة العملية.

وهنا يبرز التحليل التقاطعي. فالمدافعات عن حقوق الإنسان يواجهن شكلين من العنف متداخلة الأبعاد: عنف سياسي لأنه يتعلق بحرية التعبير والمشاركة، وعنف اجتماعي وجندري لأنه مرتبط بصور نمطية تحدد للنساء “مكانهن” في المجتمع.

إن هذا التقاطع يضاعف هشاشة المرأة ويزيد من كلفة وجودها في الشارع أو المنصات العامة، مقارنة بالرجل، ويجعل الدفاع عن حقوق الإنسان عندها مخاطرة أكبر. الفعل نفسه، أي التعبير عن الرأي، أو المشاركة في احتجاج، أو ممارسة الرصد الحقوقي، يتحول في بعض السياقات، إلى سبب للتشهير أو المتابعة، أو حتى لتعرض المرأة لعنف رمزي. وهذا ليس مجرد اعتداء على الشخص، بل يشكل هجوما على حرية النساء في الفضاء العمومي كحق أساسي، وعلى قدرتهن على ممارسة المواطنة الكاملة دون تمييز أو وصاية. إن التجارب التي عاشتها شابات “جيل زيد”، اللواتي تعرضن للتضييق أو العنف أو المتابعة بسبب مشاركتهن في الاحتجاجات، تعكس تماما هذا الواقع؛ فهن لم يخرجن عن القانون، بل مارسن حقهن في الاحتجاج السلمي، غير أن وجودهن وحده كان عرضةً لإعادة تأويله بوصفه “انتهاكا” أو “خروجا عن الدور الاجتماعي”، بما يعكس آليات التنميط الجندري وتقليص مساحة النساء في المجال العام. وهنا، من المهم الإشارة إلى أن حماية المدافعات عن حقوق النساء ليست مجرد واجب وطني، بل التزام دولي، يكرسه إعلان حماية المدافعين عن حقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو). هذه المعايير تؤكد أن الدولة مسؤولة عن توفير بيئة آمنة للمدافعات، وضمان عدم تعرضهن للمضايقات أو المتابعات بسبب آرائهن أو نشاطهن، وأن العنف الممارس ضدهن هو شكل من أشكال العنف المبني على النوع الاجتماعي ويجب مناهضته بكل الوسائل. إن الاحتفاء الرسمي بالمدافعات يصبح فارغا من محتواه، إذا لم يترجم إلى حماية فعلية، وإلى سياسات تؤكد أن النساء يتمتعن بحقوق متساوية في التعبير والاحتجاج والرصد والمشاركة في الفضاء العام، دون وصاية أو تقييد أو تحجيم.

فالمرأة في المجتمع الديمقراطي يجب أن تكون حرة في التعبير، وأن يعترف بوجودها كمواطنة كاملة، دون أن يتحول صوتها أو جسدها إلى هدف للعقاب أو للتنميط. وفي النهاية، فإن حماية المدافعات عن حقوق الإنسان ليست مطلبا نسويا فقط، بل شرط أساسي لاستدامة الديمقراطية. فمجتمع يخنق صوت المرأة، أو يعتبر مشاركتها في الشأن العام خروجا عن القانون، هو مجتمع يعيد إنتاج التمييز ويحد من فرص بناء مؤسسات عادلة. ومن دون حماية النساء في الفضاء العام، لا يمكن لأي دولة أن تدعي التزامها بحقوق الإنسان أو تقدمها الديمقراطي! إن المغرب اليوم أمام فرصة حقيقية لتثبيت التوازن بين النصوص القانونية والواقع الاجتماعي، وضمان أن يكون للنساء الحق الكامل في الكلام، والاحتجاج، والرصد، والمشاركة، والوجود في الشارع كجزء من ممارسة المواطنة الكاملة، دون خوف أو وصاية، ودون تقييد هويتهن أو إمكانيتهن على التفاعل مع المجتمع بشكل متساو،آمن،و ضامن للحقرق والحريات.

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • حوار| المدربة لمياء بومهدي: لاعبات كرة القدم يواجهن أحكامًا مجتمعية قاسية وعليهن الصمود

    وهي في بداية مسارها، حين كانت متقدة بالحماس والشغف، لم يكن من السهل عليها أن تسير بثبات وخطى واثقة نحو تحقيق حلمها في ممارسة كرة القدم، لم يكن من السهل أن تواجه الصور النمطية والتقليدية، وتعانق هذا الحلم نحو التألق في إحدى الرياضات الأكثر شعبية في العالم.  قيل لها إن كرة القدم للرجال فقط، وقيل…

    Johan Seidenfaden|

  • ” أنا أمه وأنا وليُّه”.. أمهات مطلقات يدافعن عن حقهن في الولاية القانونية على أبنائهن 

    "أنا وأبنائي تحت وصاية هذا الرجل حتى بعد الطلاق"، هكذا باختصار، تصف خديجة وضعها بعد مرور أزيد من أربع سنوات على طلاقها من زوجها "المعنّف"، وتحملها المسؤولية الكاملة على ابنيها في غياب الأب. تحكي خديجة (31 سنة)، في حديث لمنصة "هنَّ" عن تجربتها مع هذا الزوج التي قالت أنها اختارته شريكا لحياتها بعد قصة حب…

    هاجر اعزة|

  • “لا إعاقتي ولا حزني أوقفاني”.. قصة موريتانية كسرت حدود العجز 

    في بلد لا تزال بعض العقول تحكمها صور نمطية عن المرأة، وتختزل الإعاقة في العجز، كانت فاطمة الجيد الشيخ استثناءً، لا لأنها فقط واجهت الإعاقة، بل لأنها واجهت مجتمعًا بكامله، وانتزعت منه حقّها في أن تكون امرأةً فاعلة، مؤثرة، ومؤمنة بأن العطاء لا يُقاس بالجسد، بل بالإرادة. وُلدت فاطمة في سبعينات القرن الماضي، في ولاية…

    لالتي عبد الفتاح|

  •  جيل Z.. هل يتحول الغضب الرقمي إلى حراك اجتماعي؟

    في الوقت الذي يعيش فيه المغرب موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات، بسبب ضعف الخدمات الصحية والاجتماعية وارتفاع الأسعار، ظهرت قبل أيام دعوات إلى النزول إلى الشارع يوم 27 سبتمبر، حيث تم إنشاء مجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي تعرف نفسها على أنها تمثل شباب جيل "زيد" باسم genz212.  هذا الجيل الذي  يعيش بين العولمة الرقمية، الضغوط…

    هاجر الريسوني|

  • الفيديوهات

  • “لم نتوصل بالدعم”..نساء الحوز يكشفن الوجه الآخر لإهمال ضحايا الزلزال

    يبدو أن بلدة مولاي إبراهيم بإقليم الحوز، جنوب مدينة مراكش، لن تتعافى قريبا من تبعات الزلزال الذي بعثر سبل العيش هناك، خاصة أن أغلب سكان البلدة كانوا يعيشون على نشاط السياحة الداخلية التي يجلبها ضريح مولاي إبراهيم، فالتجارة والإيواء وخدمات أخرى توفرها الساكنة، خاصة نسائها، توقفت اليوم بشكل كلي، ولا أمل يلوح في الأفق لعودة…

  • محاكمة عسكرية للمعارضة التونسية شيماء عيسى

    لم تغلق المحكمة العسكرية بعد، ملف محاكمة شيماء عيسى، المعارضة التونسية والقيادية في جبهة الخلاص الوطني، فقد تم تأجيل جلسة، محاكمتها إلى 10 أكتوبر، القادم.