“أن أصير أما، ولو لمرة واحدة، واستحالة ذلك رغم المسار الطويل في انتظار وقوع حمل طبيعي، ثم رحلة العلاج، جعلاني أفكر في هذه الفئة من النساء الحالمات بالأمومة فأسست صحبة بعضهن جمعية لإسماع صوت الأسر الراغبة في الإنجاب، والتعريف بالصعاب التي يواجهنها نفسيا اجتماعيا وماليا، ثم للترافع من أجل وقف التكلفة الباهظة للعلاج بواسطة تقنيات المساعدة الطبية على الإنجاب، وضد اللاعدالة في المساواة للوصول تقنيات المساعدة الطبية على الإنجاب بين القطاع العمومي والقطاع الخاص”، هكذا حملت الإعلامية والجمعوية عزيزة غلام هموم نساء صُدمن في بداية زواجهن بإكراهات الإنجاب.
هاته النسوة، منهنّ من استسلمت، ومنهنّ حالمات بالأمومة، أصررن على مواجهة التكاليف الباهظة، ضعف المعلومة، وغياب التغطية الصحية الشاملة الخاصة بمقاومة ضعف الخصوبة والإنجاب عن طريق تقنيات المساعدة الطبية للاخصاب الخارجي، خصوصا وأن ضعف الخصوبة لا يرتبط فقط بالسن، بل هناك عوامل طبية متداخلة، فيمكن أن تكون المرأة في العشرين من عمرها، ولديها موانع إنجاب.
في حديثها مع منصة “هنَّ” حكت عزيزة غلام عن بداياتها مع “التخصيب” بين سنتي “2004 و2012″، تتذكر ذلك قائلةً: “كأي شابة، كان حلمي الوحيد بعد الزواج، أن أحظى بأطفال يملؤون علينا البيت، إلا أن صدمتي كانت كبيرة بعد اكتشاف معاناتي من ضعف التبويض، وتسارع هبوط مخزوني من البويضات، فاخترت العلاج، وكلي أمل أن الأمر سيتكلل بالنجاح، لكن وبعد سنوات من المحاولات التي كلفتني وزوجي مصاريف جد باهظة، فشلت أن أصير أما، ولن أنسى يوم نصحني أحد الأطباء الذين زرتهم في نهاية مساري العلاجي بأفضلية إيقاف جميع محاولات الإنجاب بسبب إصابتي بضعف في المبيضين، وعدم تمكني من إعطاء بويضة ناضجة، وبالمعايير المطلوبة لأجل استكمال تقنيات مرحلة التخصيب الخارجي”.
وأضافت: “المعاناة التي واجهتها أولها كان ماديا، بسبب عجزي عن توفير الكلفة المالية للعلاج بسهولة في كل دورة شهرية، ثانيا معاناة نفسية لأنني لم أكن أظن أنني سأعيش مشكلة في الإنجاب، كنت أحسب أن الأمر في غاية السهولة، وبأن صغر سني يسمح لي بالإنجاب بل بتخطيط الإنجاب، هذا بالإضافة إلى معاناة ضعف المعلومة، فلم أكن أتوفر على معطيات حول كيفيات التعامل مع ضعف خصوبتي، لكن أكبر الإشكالات كانت مالية”.
مطاردة حلم الأمومة
في رحلة طويلة لمطاردة حلم الأمومة، عاشت خديجة التي تزوجت في 25 من العمر أيضا سنوات من المعاناة النفسية، الاجتماعية والمادية أيضا، فبالرغم من محاولات التخصيب إلا أن محاولاتها لم تكلل بالنجاح، فيما نجحت التكاليف الباهظة؛ في جعل والدتها وزوجها مديونين للبنك.
بألم كبير تحاول خديجة استرجاع ذكريات سيئة اضطرتها إلى اللجوء إلى طبيب نفساني من أجل استعادة حياة فكرت يوما أنها انتهت بانتهاء حلمها أن تصير أما، خصوصا وسط ضغط كبير من أسرة زوجها، مما جعل استمرار حياتها الزوجية أيضا مستحيلة بعد مسار طويل، ومصاريف أنهكت الجميع.
تقول في حديث لمنصة “هنَّ”: “لو عاد بي الزمن لقررت الاستسلام لنصيحة الطبيب النسائي الذي كنت أتعالج عنده، بعد أول تجربة فاشلة لتخصيب بويضتي، لكن حلمي الفطري، وضغط أسرة زوجي دفعاني لتغيير دكتوري المعالج، وتكرار المحاولات الفاشلة، فكانت النتيجة إنهاكٌ نفسيّ وجسديٌ وماديٌّ… وإنهاء لحياتي الزوجية أيضا”.
حالات كثيرة باءت محاولاتهن الإنجاب بالتخصيب بالفشل، لكن بعض النساء استطعن ربح تحدي الأمومة، مثلما حدث مع يسرا البالغة من العمر 34 سنة، والتي كلفها تحقيق هذا الحلم أزيد من 20 مليون سنتيم، بعد فشل ثلاث محاولات، ونجاح المحاولة الرابعة التي قررت حينها أن تكون الأخيرة.
تقول يسرا أن هناك من النساء من لم تنجح في الإنجاب من أول محاولة، كل حسب حالتها الطبية، بل حتى النفسية، والمادية، “التخصيب طريق وعرة، صعبة، غير آمنة، وغير مضمونة، لذلك من المفترض أن يصاحب طبيب نفساني كل امرأة تلجأ إلى التخصيب من أجل المواكبة النفسية… أمر أعتقد أنه جد أساسي”.
أمل في قاعة الانتظار
بعض الزوجات وبعد مضي سنة من الزواج، هي سنة بيضاء بدون حمل؛ يلجأن إلى التداوي الطبيعي بالأعشاب، بعضهن يستسلمن بعد فشل تلك المحاولات بسبب قلة ذات اليد، وصعوبة العلاج بسبب تكلفته الباهظة، فيما تتوجه أخريات مع خيبتهن بحثا عن حلول علمية، والتي من بينها التخصيب.
وفي هذا الإطار أبرزت عزيزة غلام، رئيسة “الجمعية المغربية للحالمين بالأمومة والأبوة”، في تصريح لمنصة “هنَّ” أن الزوجات اللواتي تعانين من مشكل في الإنجاب “تقدمن على جميع الخطوات المتاحة لأجل الكشف، والفحص الطبي، ثم الانخراط في العلاجات الموصوفة من قبل الأطباء، فقط حالة واحدة يستسلم فيها هؤلاء، حينما تنفذ جميع الجهود من أجل توفير الكلفة المالية الإجمالية التي تتطلبها المساعدة الطبية على الإنجاب، حيث تقدمن على تأجيل العلاجات، أو تتخلين عن حقهن في العلاج بسبب عدم توفرهن على الإمكانيات المالية اللازمة لذلك بسبب تجاوزها لقدرتهن على ادخارها”.
وشددت غلام على أن تكاليف العلاج باهظة، ناهيك عن عدم إدراج مجموعة من الأدوية، والمكملات الغذائية الطبية التي تدخل في علاج الخصوبة ضمن التغطية الصحية، كما أكدت على أنه رغم الجهود المبذولة على الصعيد الرسمي بإصدار لائحة من الأدوية المشمولة بالتغطية الصحية، فإن الأمر ما يزال غير كاف، ولا يلبي جميع الحاجيات، ولا يوفر إمكانات الولوج إلى تقنيات المساعدة الطبية على الإنجاب بسبب عدم خضوع تقنيات المساعدة الطبية على الإنجاب، ومجموعة أخرى من الأدوية، والمكملات الغذائية التي يصفها الأطباء للتغطية الصحية.
حلم الأمومة انتهى لدى عزيزة منذ سنة 2012، لكنها بدلا عنه، حققت حلم تأسيس إطار قانوني ينصف نساء أخريات يعانين نفس تلك المشاكل، “الحمد لله رغم أني لم أوفق في أن أكون أما، إلا أنني أشعر بذلك مع نجاح كل محاولة لعضو معي في الجمعية، وهكذا صرت أما، وجدّة لعدد من الأطفال، وجهت اهتمامي للدفاع عن الحالمات بالأمومة والأبوة أيضا، وانشغلت بالعودة من جديد للدراسة الجامعية قبل الالتحاق بمجال الأبحاث في إطار سلك الدكتوراه”.
حلم تجهضه التكاليف الباهظة
عزيزة التي تعتبر واحدة من النساء التي أنهكتها المصاريف المادية لتحقيق حلم الأمومة، توضح أنه في ظل عدم شمولية مجموعة من العمليات الطبية في نظام التغطية الصحية، فإنه يتعذر على الزوجين توفير المبلغ المالي الإجمالي، والذي يتراوح ما بين 30 ألف درهم، و50 ألف درهم للمحاولة الواحدة، خلال الدورة الشهرية الواحدة، حسب ما حالة مرضية، وتبعًا لخصوصية ونوع ضعف الخصوبة، وما يحتاجون إليه من أدوية، أو من عمليات جراحية.
الكلفة المذكورة، تضيف المتحدثة ذاتها، يندرج ضمنها أيضا “كلفة الفحوصات الطبية، والبيولوجية، وكلفة النفقات غير المباشرة المرتبطة بالمبيت، ومصاريف التنقل إلى مكان وجود المراكز المتخصصة في الخصوبة”.
وفي مرحلة البحث عن العلاج، ورغبتها في تقديم ظروف أفضل لنساء، ورجال سيعانون ضعف الخصوبة، وفي قاعات انتظار تمتص آلام، وآمال نساء من مختلف الأعمار، فكرت عزيزة غلام، بحسها الصحفي في تأسيس جمعية تدافع عن حقوق هذه الفئة المحرومة من الدعم العمومي، المادي منه، والنفسي، وقررت صحبة نساء في تأسيس إطار جمعوي يتحدث باسمهن، ويدافع عن حقوقهن، ويحاول تخفيف وطأة عدم الإنحاب نفسيا، من خلال الترافع للحصول على التغطية الصحية.
كانت البداية في صفحة بمواقع التواصل الاجتماعي لكسر جدار الصمت، لتتمكن الجمعية من خلق صوت لكل حالمة بالأمومة ولكل حالم بالأبوة، وهي “سلاح قوي لمواجهة القوانين المجحفة، والمقررات الحكومية غير المنصفة”.
تأسست الجمعية سنة 2012، خاضت معارك من أجل الاستفادة من التغطية الصحية، والمواكبة النفسية، كما تترافع لمطالبة الجهات المسؤولة بتسريع وتيرة توفير النصوص التنظيمية لقانون المساعدة الطبية على الإنجاب، وإصدار مخطط علاجي للمصابين بضعف الخصوبة، في إطار حق الزوجين في خدمات الصحة الإنجابية لرفع حظوظهم في الإنجاب، مع التأكيد على فتح مراكز ووحدات جهوية للعلاج وتقريب الخدمات من المواطنين في جميع مدن المغرب.
“الجمعية المغربية للحالمين بالأمومة والأبوة” (مابا”)، استطاعت بعد جولات من الحوار، والندوات العلمية بإشراك المختصين، والترافع الجدي من نزع حق التغطية الصحية سنة 2020، حيث تم نشر قائمة الأدوية المقبول إرجاع مصاريفها برسم نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض بالجريدة الرسمية، في العدد رقم 6946، وتضم الصفحة 8516 أدوية وهرمونات طبية تشمل منشطات التبويض التي تدخل في علاجات المساعدة الطبية على الإنجاب، وما هذه سوى البداية، فالطريق مازالت طويلة لتحقيق حلم الأمومة، ومن أجل ذلك لازالت الجمعية ترافع من أجل تخفيض تكاليف العلاج.














