“ما هو المستقبل الذي سيعيشهُ هذا الطفل وقد فتح عينيه في السجن؟” بهذه الكلمات أنهت سجينةٌ مدانة بجريمة قتل حياتها بعد أن وضعت مولودها داخل السجن بأيّام قليلة. وهي كلمات تختزل شعور الأمّهات اللواتي يلدن في السجن بتفاوت قضاياهن وبعيدا عن الجرائم التي اقترفنهَا.
تُسلب حريّات النساء خلف أسوار السجون بدرجات متفاوتة، تُنحت تجاربهن أيضا بأشكال مختلف، لكن مرارة وثقل وقسوة الاعتقال واحدة. إذ تُدفع السجينات إلى مواجهة أشكال متقاطعة من العزلة والخوف والقلق، والتي تتجاوز في كثير من الأحيان أثر العقوبة القضائية ذاتها. وتزداد هذه الهشاشة عندما تكون السجينة حاملاً أو أمّاً لطفل حديث الولادة، فتجد نفسها عالقة بين ثقل الملف القضائي من جهة، وأعباء الأمومة ومخاوف المستقبل من جهة أخرى.
ورغم أنّ الدراسات النفسية والسوسيولوجية تُشير إلى أنّ النساء السجينات، وخاصّة منهن الحوامل والوالدات حديثاً، يُعددن من الفئات الأكثر عُرضة للاكتئاب والاضطرابات النفسية، فإنّ مسألة الرعاية النفسية داخل السجون ما تزال تحظى باهتمام محدود مقارنة بالرعاية الصحية الجسدية أو بالجانب الأمني والإجرائي. ممّا يطرح إشكالا جوهرياً: إلى أيّ مدى تُدرك مؤسّسات الدولة خصوصية التجربة السجنية النسائية؟ وهل تتوفّر آليات فعلية لمرافقة النساء نفسياً خلال الحمل والولادة وبعدهما، أم أنّ الصحة النفسية تبقى الحلقة الأضعف داخل منظومة الرعاية السجنية؟
انطلاقاً من هذه الأسئلة، نحاول استكشاف التجارب السجنية للنساء من زاوية نفسية واجتماعية، مع التركيز على أوضاع الحوامل والأمّهات داخل السجون، وعلى التحديّات التي تفرضها الأمومة حين تُعاش خلف القضبان. كما يستعرض التقرير تقاطع تجربتين سجنيتين لا تجمع بينهما التهم ولا طبيعة الملفّ بقدر ما تلتقيانِ في تأثير التجربة السجنية على الصحة النفسية.
في السجن: بين الأمومة والعقاب
في إحدى القضايا الأكثر مأساوية على الإطلاق، وضعت السجينة سارة (اسم مستعار) مولودها داخل السجن قبل أن تُقدم لاحقاً على الانتحار. قد تبدو الحادثة مأساة فردية مرتبطة بملف جنائي معقّد، إلاّ أنّها تطرح أسئلة فعلية حول ما يحدث للنساء داخل المؤسّسات السجنية، وحول الخيط الرفيع بين العقوبة القانونية والعبء النفسي الذي قد يرافقها.
فالنساء اللواتي يخضن تجربة الحمل والولادة في السجن تعشن قلقاً دائماً بشأن المولود ومستقبله، وتُواجه مشاعر الذنب والخوف والوصم الاجتماعي، فضلاً عن الضغوط المرتبطة بالإجراءات القضائية ومآلاتها. وفي الحالات التي تكون فيها التُهم الموجّهة إليهن خطيرة أو التي يُدركن فيها أنّ سنوات طويلة من السجن قد تنتظرهن، تتضاعف هذه الضغوط لتتحوّل إلى عبء نفسي ثقيل قد يصعب احتماله وقد يؤدّي إلى الاجهاض أو الانتحار أو اكتئاب ما بعد الولادة في ألطف الحالات.
بدأت القضيّة حسب محامي أحد المتّهمين في الملف والذي رفض الكشف عن هويّته، عندما سرق زوج السجينة مبلغاً كبيراً تصل قيمته إلى 150 ألف يورو وخبّئه عندها عندما تمّ القبض عليه. وعندما شعُرت الزوجة بالخطر قامت بتخبئته عند شخص تثق فيه، غير أنّ هذا الشخص والذي ائتمنته على المبلغ، رفض إرجاع المال لاحقا.
بعد ذلك تواصلت مع شخص آخر وطلبت منه مساعدتها في استرجاع المال، مقابل أن تعطيه هو جزءاً كبيراً منه، ووعدت الطرف الآخر (الذي رفض ارجاعه) بنصف المبلغ تقريباً إذا أعاده إليها، لكنّه رفض ذلك أيضا، إلى أن تطوّرت الأحداث إلى قضيّة قتل.
“أخذوا الرجل الذي كان بحوزته المال حتى يدّلهم على مكانه، لكنّه رفض فقُتل ومات تحت التعذيب. وعندما أُلقي القبض عليهم، بعد فحص التسجيلات بالكاميرات، بدأت الشرطة تتتبّع الخيوط إلى أن تبيّن أنّ الزوجة هي الفاعلة الأصلية، أي أنّها كانت صاحبة التخطيط.” حسب المحامي.
بقيت الزوجة التي كانت حاملا، مدّة طويلة في السجن ثمّ وضعت مولودها هناك. وبعد الولادة بوقت غير طويل انتحرت، أمّا الطفل فقد تولّت عائلة الزوج رعايته.
“عندما نتحدّث عن الانتحار، فإنّنا لا نُدافع عن الجريمة التي ارتكبتها السجينة، لكنّنا نطرح مسؤولية المؤسّسة السجنية في مراعاة الصحّة النفسية للنساء الحوامل أو اللواتي وضعن المولود حديثا، فرغم وجود فضاءات مخصّصة للأمهات، حيث تبقى الأم مع طفلها في الأشهر الأولى بعد الولادة لتُرضعه وتعتني به. لكن تجدر الإشارة، إلى أنّ النساء بعد الولادة يُمكن أن تتعرّض إلى اكتئاب ما بعد الولادة وتستلزم مرافقة نفسية، وهذا غير متوفّر”، حسب رواية إحدى السجّانات رفضت الكشف عن هويّتها.
تُظهر الدراسات الطبية الجامعية في تونس، المعتمدة أساساً على عيّنات من مستشفيات جامعية أنّ اكتئاب ما بعد الولادة يُعدّ ظاهرة غير نادرة بين النساء بعد الإنجاب، إذ تراوحت نسب انتشارها في أكثر من دراسة بين حوالي 12.9 بالمائة و13.2 بالمائة، أي ما يعادل تقريباً امرأة من كل ثماني نساء بعد الولادة.
كما تُشير النتائج إلى وجود نسبة إضافية من الأعراض الاكتئابية المبكّرة أو ما يُعرف بـ”الكآبة النفاسية” قد تصل إلى حدود 19 بالمائة خلال الأيام الأولى بعد الولادة. ورغم أهميّة هذه المعطيات في إبراز حجم الاضطرابات النفسية المرتبطة بفترة ما بعد الولادة، فإنّها تبقى محدودة من حيث التغطية الوطنية، باعتبارها تعتمد على دراسات محلية بعينات صغيرة داخل المستشفيات، في غياب منظومة رصد وطنية شاملة ومستمرة. وهو ما يعكس أنّ الاكتئاب ما بعد الولادة في تونس مُثبت علمياً كاضطراب شائع نسبياً، لكنّه لا يزال غير مُقاس بشكل كافٍ على مستوى السياسات الصحية العمومية، فضلاً عن ضعف إدماج هذا البعد في النقاشات المتعلّقة بالنساء في وضعيات هشّة مثل السجينات أو من يعشن ظروفاً اجتماعية وقضائية قاسية.
كما أنّ المعطيات الإحصائية المُتاحة في علاقة بنسب انتحار النساء السجينات أو نسبة السجينات اللواتي يضعن مواليدهن في السجن غير مفصلة بما يكفي لرصد التجربة النسائية بشكل دقيق، خاصّة فيما يتعلق بالصحة النفسية والانتحار والحمل والولادة داخل المؤسسات العقابية. فالدراسات المتوفّرة حول الوفيات داخل السجون التونسية، ومنها دراسة تغطّي حالات الوفاة داخل أماكن الاحتجاز في شمال البلاد بين 2005 و2019 منشورة على موقع National Library of Midicine، تتناول الأسباب العامة للوفاة دون تقديم تفصيل واضح حسب الجنس يسمح بتحديد عدد النساء اللواتي أقدمن على الانتحار داخل السجون.
وبالمثل، لا تتوفّر إحصاءات رسمية منشورة بشكل منتظم حول عدد السجينات الحوامل أو اللواتي يلدن داخل السجون، رغم الإقرار بوجود حالات أمومة داخل الفضاء السجني، خصوصاً في سجن النساء بمنوبة حيث يُسمح للأطفال بالبقاء مع أمهاتهم إلى حدود سنّ السنتين. هذا الغياب في الأرقام يكشف محدودية إدماج البُعد الجندري في إنتاج الإحصاءات والسياسات السجنية، بما يجعل الصحة النفسية والأمومة داخل السجن من أكثر الجوانب غير المرئية داخل المنظومة العقابية.
جدران رمادية تُعيد تشكيل الوعي
“كانت تجربة قاسية ومريرة لأنّ أصعب ما يُمكن أن يواجهه صحفي أو صحفية هو أن تُسلب حريته بسبب عمله الصحفي لا غير. خلال فترة سجني، كان كلّ ما يحدث حولي وكأنّه يُحاول أن يقتل بداخلي كل رغبة في الاستمرار، بل وحتى قتل الرغبة في البقاء على قيد الحياة”، هكذا تبدأ الصحفية شذى الحاج مبارك سرد تجربتها السجنية، التجربة التي لم تكُن كغيرها من التجارب.
“تمسّكت بالصمود، لأنّني كنت أفكّر في الذين يحبونني خارج الفضاء الرمادي، أي السجن، وهم ينتظرون خروجي وعودتي إلى الحرية، فأجد فيهم سببا للبقاء. عامان ونصف مرّا كأنّهما عمر كامل، وتحوّلت فيهما من صحفية تجوب جهات الوطن الأربع لسرد القصص والحكايا، إلى صحفية تُحاصرها أربع جدران رمادية وشبابيك معدنية بالكاد تسمح بمرور كميات من الأكسجين كافية للبقاء حيًّا.” تُضيف شذى.
تُقدّم شهادة شذى الحاج مبارك سيرة ذاتية تكشف بها عن البنية النفسية التي يصنعها الاحتجاز في وعي الصحفية بوصفها الذات والموضوع في آن واحد، القصّة التي كانت تسردها شذى بوصفها صحفية أصبحت تقرؤها في عيون المحيطين بها بوصفها سجينة رأي.
تُواصل شذى “في السجن ينعدم شعورك بالاتجاهات كأنّك فقدت بوصلة المكان، وكذلك ينعدم إدراكك للزمن فلا تعلم ما اليوم وما الساعة فكل الأيام متشابهة وكل الساعات متشابهة، كأنّ الألم وحّدها لتُصبح لحظة انتظار طويلة ومملّة وكئيبة وحزينة جدّا. في السجن تُصبح الأحداث هي المعيار الزمني مثل موعد التعداد اليومي، موعد توزيع الطعام، موعد الزيارة، موعد مقابلة الطبيب، موعد مقابلة المحامي، ثم مواعيد الجلسات”.
تطرح هذه الكلمات كيفية إعادة التشكيل القسرية للوعي اليومي، أين تتحوّل الحياة إلى سلسلة من الانتظارات المعلّقة المرتبطة بمواعيد إدارية محددة. وبهذا المعنى، يُصبح الزمن تجربة شخصية تُجمّد الذاكرة ليحلّ مكانها زمناً مؤسّساتياً تتحكّم فيه آليات الضبط والرقابة.
وعن تقاطع تجارب السجينات تُفيد شذى “كنّا نشترك في لحظات الترقّب المريرة، لحظات ترقّب موعد الحرية. وكنّا نشترك أيضا في نمط الحياة، أي ظروف الإيداع داخل الفضاء الرمادي، كما نواجه معًا حالة نفسيةً تتعلّق بمرحلة -اللاحرية-، وهي مرحلة نفسية سيّئة تُصبح فيها الروح هشّة وحسّاسة، ويتعمّق خلالها الشعور بالألم والمعاناة. كنت أشارك بعض الموقوفات اهتماما بالمطالعة لأنّ الكتب أنقذتني من العزلة القاتلة .
وفي سجن بلي سُمح لنا بالمشاركة في ورشات تنشيط ثقافي بعضها مستوحى من التراث الجهوي لمنطقة نابل، التي يقع فيها السجن، وهي منطقة معروفة بالخزف ولذا انتظمت ورشات جماعية لتزويق الخزف. ولقاء تحسيسي طبي عن مرض سرطان الثدي وحلقات إبداعية أخرى، أخرجتنا قليلا من روتين غرفة الإيداع أي التعداد وتوزيع الطعام والطبيب”.
رغم اختلاف خلفيات الموقوفات وتعدّد القضايا المنسوبة إليهن، فإنّ هناك نوع من التقاطع الإنساني القسري الذي يذيب الفوارق الأيديولوجية والاجتماعية والقانونية داخل فضاء واحد مغلق. فداخل “الفضاء الرمادي” للسجن، تتراجع هوية الجريمة أو الانتماء الفكري أو الوضع الاجتماعي لصالح هوية “السجينة”، فتتقاسم النساء شروط العيش نفسها، من الانتظار الطويل إلى الخضوع لإيقاع يومي ثابت، وما يرافق ذلك من هشاشة نفسية مشتركة.
وفي هذا السياق، تُصبح الروابط التي تتشكّل بين السجينات أشبه بما يشبه أشكال التضامن غير المعلن، الذي يتأسّس على التجربة الحسية للألم أكثر مما يتأسس على القناعات أو الاختلافات. كما أن الأنشطة الثقافية والصحية داخل السجن، رغم محدوديتها، تعكس لحظات عابرة لاستعادة الفردية داخل منظومة تميل بطبيعتها إلى التجانس والإخضاع، لكنّها لا تُلغي حقيقة التجربة الأساسية المتمثّلة في الانتظار.
ولئن كانت تجربة السجينة سارة قد انتهت بالانتحار، فإنّ تجربة شذى السجنية انتهت بورمين، لتبدأ رحلة جديدة من العلاج والانتظار في قاعات المستشفيات.
الآثار النفسية والاجتماعية للسجن
كما تبيّنا من حالتي سارة وشذى، فإنّ أثر السجن لا يقتصر على سلب الحرية الجسدية، بل يمتدّ ليطال الصحة النفسية للسجينات أين تُواجه النساء داخل المؤسسات السجنية ضغوطاً متقاطعة ترتبط بالعزلة الاجتماعية، والوصم المجتمعي، والانفصال عن العائلة.
وفي ظلّ محدودية الدراسات التي تناولت هذه الفئة في تونس، تُتيح شهادة الأخصائية في علم النفس والباحثة حياة الورتاني إضاءة جانب من الآثار النفسية التي تخلّفها تجربة السجن على النساء، وخاصّة منهن الحوامل والأمّهات.
“إنّ أوّل ما ينبغي التأكيد عليه هو الندرة الشديدة للدراسات والأبحاث المتعلّقة بوضع النساء السجينات، ولا سيما في تونس. وإذا كان النقص واضحاً فيما يخُصّ السجينات عموماً، فإنّه يُصبح أكثر حدّة عندما يتعلّق الأمر بالسجينات الحوامل أو الأمهات أو النساء اللواتي يعشن تجربة الحمل والولادة داخل السجن. وأودّ أن أؤكد هنا أنّه لا تكاد توجد دراسات متخصّصة في هذا المجال.
شاركت سنة 2013 ضمن فريق بحثي في دراسة حملت عنوان “متلازمة سليانة”، وقد كان اهتمامي منصبّاً على الجانب النفسي والاجتماعي للنساء، رغم أنّ الهدف الأساسي للدراسة كان تناول أوضاع السجناء والسجينات المحكوم عليهم بالإعدام. غير أنّنا لاحظنا أنّ كثيراً من المعاناة النفسية التي رصدناها لدى هذه الفئة تكاد تكون مشتركة بين معظم السجينات.” تقول الباحثة حياة الورتاني.
تؤكّد الورتاني أنّ وضعية النساء السجينات تختلف عن وضعية الرجال، ذلك أنّ “أولى المشكلات التي تواجهها السجينة هي رفض العائلة لها في كثير من الأحيان، وقد تجد نفسها من دون زيارات أو دعم خارجي أو مؤونة تصلها من أقاربها. ويختلف ذلك عن وضع العديد من السجناء الرجال الذين غالباً ما يحافظون على روابطهم العائلية أثناء فترة السجن.
ويرتبط هذا الوضع بكون الوصم الاجتماعي المسلّط على النساء أشدّ وأقسى منه على الرجال، لذلك يكون تفكّك الروابط العائلية أكثر حضوراً لدى السجينات مقارنة بالسجناء. ويترتّب على ذلك العديد من المشكلات النفسية التي تؤثّر في صحتهن النفسية وفي ظروف عيشهن داخل المؤسسة السجنية. كما تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أنّ النساء السجينات أكثر عرضة للإصابة باضطرابات نفسية متعدّدة، من بينها القلق المزمن والاكتئاب وغيرها من الاضطرابات النفسية المختلفة.” تُضيف الورتاني.
وبالعودة إلى قضيّة سارة، فإنّ الحديث عن السجينات الحوامل أو اللواتي يلدن داخل السجن حسب الورتاني،يأخذنا إلى وضع أكثر تعقيداً. “نحن نعلم أنّ فترة الحمل تمثّل مرحلة حسّاسة وصعبة في حياة المرأة بشكل عام، فكيف إذا كانت تعيشها داخل السجن، بعيداً عن عائلتها وزوجها أو والد طفلها؟
في هذه الحالة تصبح المرأة أكثر عرضة لاضطرابات نفسية عديدة، مثل القلق المزمن والاكتئاب أثناء الحمل وحتى بعد الولادة. وهذه الاضطرابات قد تظهر لدى النساء عموماً، لكن احتمال الإصابة بها يكون أكبر لدى السجينات. كما يُمكن أن تظهر لديهن اضطرابات مرتبطة بالصدمات النفسية، وخاصّة لدى النساء اللواتي سبق لهن أن تعرضّن للعنف قبل دخول السجن.
وتعيش السجينة الحامل حالة مستمرة من الخوف؛ الخوف من فقدان طفلها، أو فقدان حقّها في حضانته بعد الولادة، خاصّة إذا كانت تقضي عقوبة طويلة. كما يرافقها خوف دائم من الانفصال عنه في المستقبل.” تقول الورتاني.
يسمح القانون في تونس للأم بالاحتفاظ بطفلها داخل السجن إلى حدود سنتين تقريباً، وبعد ذلك -حسب الورتاني- يغادر الطفل المؤسسة السجنية ويتم فصله عن والدته، وذلك مراعاةً لما يُعتبر المصلحة الفضلى للطفل. “غير أنّ هذا الوضع يولّد لدى الأم شعوراً عميقاً بالذنب والخوف والقلق بشأن مصير طفلها بعد خروجه من السجن. وتُصبح تتساءل باستمرار عمّن سيتولى رعايته، وما إذا كانت هناك عائلة قادرة على احتضانه والاهتمام به، خاصّة أنّ النساء السجينات يعانين في كثير من الأحيان من تفكّك الروابط الأسرية. ويؤدّي ذلك إلى تفاقم الضغوط النفسية التي تعيشها الأمهات اللواتي يلدن داخل السجن.
وتبقى تجربة الأمومة في حدّ ذاتها تجربة خاصّة وصعبة بالنسبة إلى النساء داخل السجن. فمخاوفُ النساء تبدأ منذ فترة الحمل وتزداد حدّتها بعد الولادة، لأنّ عوامل جديدة تُضاف إلى مصادر القلق الموجودة أصلاً. حيث تعيش النساء أثناء الحمل حالة من الخوف المستمر على صحّة الطفل وعلى نمو الجنين في ظروف السجن. كما تخشى كيفية حدوث الولادة داخل المؤسسة السجنية، وتقلق بشأن مستقبل مجهول لا تستطيع التنبّؤ به. ويضاف إلى ذلك شعورها بالذنب لأنّها تعلم أنّ طفلها سيولد داخل السجن.” تُؤكّد الورتاني.
تُشير الورتاني في شهادتها أيضا إلى الدعم الاجتماعي والعاطفي الذي تحتاج إليه النساء خلال فترة الحمل وعن تأثير غيابه على صحّتها النفسية ما يعزّز لديها مشاعر العزلة والوحدة، ويرفع من احتمالات ظهور أعراض الاكتئاب خلال فترة الحمل.
أمّا فيما يتعلّق بالوضع النفسي للأم بعد الولادة، تُفسّر الورتاني بأنّنا “نكون أمام حالة تبدو متناقضة إلى حدّ ما. فالأمومة يمكن أن تمثل عامل حماية نفسي للمرأة السجينة، لأن وجود الطفل معها يمنح حياتها اليومية معنى. فهي تنشغل برعايته والاهتمام به، ويصبح لحياتها هدف واضح، ما يمنحها قدراً من الأمل ويساعدها على التكيف مع ظروف السجن.
لكن في المقابل، يُمكن أن تتحوّل الأمومة نفسها إلى عامل هشاشة نفسية. فوجود الطفل إلى جانبها يولّد لديها شعوراً دائماً بالخوف عليه؛ الخوف من ظروف نموّه، ومن وضعه الصحي، ومن مستقبله. كما يرافقها شعور عميق بالذنب لأنها تدرك أن طفلها لم يولد في ظروف عادية، ولم يأت إلى الحياة داخل أسرة أو منزل كبقية الأطفال، بل وُلد داخل مؤسسة سجنية وفي ظروف استثنائية وصعبة.
ويزداد هذا القلق عندما تفكر الأم في مستقبل طفلها وفي ما ينتظره خارج أسوار السجن، وهو ما يضاعف من الضغوط النفسية التي تعيشها. كما يزيد من احتمالات ظهور أعراض الاكتئاب وغيرها من الاضطرابات النفسية، حيث قد تشعر المرأة بشكل متواصل بالعجز والفقدان وعدم القدرة على التحكم في مصير طفلها أو في مستقبل العلاقة التي ستجمعها به.” تُضيف الورتاني.
تكشف هذه الشهادات المتقاطعة، رغم اختلاف سياقاتها وتباين خلفياتها القانونية والاجتماعية، أنّ السجن هو منظومة لإعادة تشكيل التجربة الإنسانية تحت ضغط العزلة والرقابة والانتظار. غير أنّ هذا التشكيل يكتسب حدّة أكبر حين يتعلّق الأمر بالنساء، وخصوصًا الحوامل والأمّهات، حيث تتداخل العقوبة مع تجربة بيولوجية ونفسية شديدة الحساسية، تجعل من الجسد الأنثوي ساحة إضافية للعقاب غير المرئي.
بيّنت هذه الحالات فراغًا مؤسّسيًا واضحًا في التعامل مع الصحّة النفسية داخل السجون، وغيابًا لسياسات قادرة على إدماج البُعد الجندري في فهم التجربة العقابية. وبين الانتحار بوصفه أقصى درجات الانهيار، ومحاولات الصمود التي ترويها تجربة شذى، يظلّ القاسم المشترك هو ثقل “اللاحرية” حين تتحوّل إلى حالة نفسية ممتدّة، تُعيد تعريف الزمن والجسد والذات داخل جدران مغلقة.














