شكّل الخامس والعشرون من جويلية/يوليو 2021 نقطة تحوّل فارقة في المسار السياسي التونسي، بعد إعلان الرئيس قيس سعيّد تجميد عمل البرلمان وإقالة رئيس الحكومة، ثم تجميع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية تدريجيًا بيده، قبل إقرار دستور جديد سنة 2022 وتغيير المنظومة الانتخابية والمؤسساتية. وبينما انصبّ جزء كبير من النقاش العام على تداعيات هذه التحوّلات على الديمقراطية وسيادة القانون، برز سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا جرى لحقوق النساء خلال هذا المسار؟
لطالما قُدّمت تونس بوصفها من أكثر البلدان العربية تقدّمًا في مجال حقوق النساء، مستندة إلى إرث تشريعي بدأ مع مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956، وتعزّز بعد ثورة 2011 بإقرار دستور 2014، ومبدأ التناصف في المجالس المنتخبة، والقانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلّق بالقضاء على العنف ضدّ النساء، إلى جانب توسّع حضور النساء في الفضاءين السياسي والمدني. غير أنّ السنوات التي أعقبت 25 جويلية أثارت تساؤلات متزايدة لدى الحقوقيات والباحثات ومنظمات المجتمع المدني بشأن مستقبل هذه المكتسبات، في ظلّ تحولات مسّت البنية الدستورية والمؤسساتية، وأعادت ترتيب أولويات الدولة وخطابها تجاه قضايا المساواة.
لا يبدو هذا التراجع، وفق ما تشير إليه الوقائع التي يرصدها هذا المقال، نتيجة إلغاء مباشر للحقوق القانونية التي راكمتها النساء على امتداد عقود، بقدر ما يتجلّى في مسارات أخرى تمثّلت أساسا في تراجع التمثيل السياسي للنساء، وإعادة صياغة دور المؤسسات المعنية بحقوقهن، وتضييق هامش عمل المجتمع المدني، وتحوّل الخطاب الرسمي من التركيز على النساء باعتبارهن مواطنات كاملات الحقوق إلى التأكيد على الأسرة باعتبارها الإطار المرجعي للسياسات العمومية. وهي تحولات يصفها عدد من الباحثين والحقوقيين والحقوقيات بأنّها تمسّ شروط حماية الحقوق وضمان ممارستها، حتى وإن بقي جانب كبير من المنظومة القانونية على حاله.
في هذا التقرير نتتبّع أبرز مظاهر هذا التحوّل من خلال تحليل السياسات العامة والتغييرات القانونية والمؤسساتية، والاستناد إلى شهادات حقوقيات وخبيرات، بهدف الإجابة عن سؤال رئيسي: كيف أثّر المسار السياسي الذي انطلق في 25 جويلية 2021 على واقع حقوق النساء في تونس، وما هي الآليات التي أنتجت هذا التحوّل؟
من التناصف إلى برلمان يكاد يخلو من النساء!
يُعتبر تمثيل النساء داخل المؤسسات المنتخبة أحد أهم ضمانات حماية الحقوق وتعزيزها. فقد بيّنت دراسة أنجزها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول المشاركة السياسية للنساء في تونس بين سنتي 2011 و2019 أنّ اعتماد مبدأ التناصف في القوانين الانتخابية ساهم في رفع حضور النساء داخل المؤسسات المنتخبة، وحوّل المساواة من مبدأ دستوري إلى ممارسة سياسية ملموسة، مع الإشارة إلى أنّ هذا المكسب ظل مرتبطًا بوجود آليات قانونية ومؤسساتية تضمن استمراره.
غير أنّ هذا المسار شهد تحولًا جذريًا بعد 25 جويلية، فقد أُلغيت المنظومة الانتخابية القائمة على التناصف الأفقي والعمودي، وعُوّضت بنظام الاقتراع على الأفراد في تراجع لأحد أهم المكاسب التي راكمتها النساء منذ الثورة. ولم يكن أثر هذا التغيير نظريًا فحسب، بل انعكس مباشرة على حجم تمثيل النساء داخل البرلمان، بعد أن كانت تونس تُعد من بين الدول العربية الأكثر تقدّمًا في هذا المجال.
حسب دراسة قامت بها “جمعية تقاطع للحقوق والحريات” حول تراجع تمثيلية النساء في البرلمان، “خاصّة مع إلغاء مبدأ التناصف الأفقي والعمودي عبر تنقيح المرسوم عدد 55 لسنة 2022، وتعويض نظام الاقتراع على القائمات التي تستجيب لمبدأ التناصف باعتماد الاقتراع على الأفراد، وقد ساهم هذا الإلغاء في إقصاء النساء ومنح الأفضلية للمرشحين الذكور الذين يتمتعون بحضور اجتماعي أقوى وشبكات نفوذ واسعة وقدرة على الوصول إلى الناخبين، حيث بلغت نسبة النساء في برلمان 2022، 15.6 بالمائة فقط”، وفق ذات الدراسة.
تراجعت نسب تمثيل النساء بشكل ملحوظ وبلغت نسبتهنّ في مجلس نواب الشعب 15.8 بالمائة (24 نائبة من أصل 140) ، بينما في المجلس الوطني للجهات والأقاليم لا تتعدى نسبة التمثيل النسائي 13 بالمائة (10 من أصل 70) مقارنة لما كانت عليه في المجلس التأسيسي سنة 2011 بنسبة 29 بالمائة، وفي انتخابات 2014 بنسبة 31 بالمائة.
هذا التراجع لم يقتصر على تغيير قواعد اللعبة الانتخابية، بل رافقه مناخ سياسي اتّسم بتصاعد أشكال العنف الموجّه ضد النساء في الفضاء العام. حيث يوثّق تقرير “ثمن مشاركة النساء في الشأن العام” الصادر عن جمعية “تقاطع”، تعرّض سياسيات وصحفيات ومحاميات وحقوقيات وناشطاتٍ مدنيات إلى حملات تشهيرٍ وتحريض، ملاحقات قضائية، عنف رقمي، ووصم اجتماعي، بما جعل كلفة المشاركة السياسية بالنسبة للنساء أعلى من أيّ وقت مضى. ولا يقتصر أثر هذا العنف على الضحايا المباشرات، بل يمتد ليخلق بيئة طاردة للنساء الراغبات في الانخراط في العمل العام، وهو ما يفرغ الحق في المشاركة السياسية من مضمونه العملي، حتى وإن بقي مكفولًا في النصوص القانونية.
ومن هذا المنطلق، يعكس تراجع تمثيل النساء في المؤسسات المنتخبة تقلّصًا في قدرة النساء على الدفاع عن مكتسباتهن داخل مؤسسات الدولة، وعلى التأثير في صياغة القوانين والسياسات العمومية.
الأسرة تتقدّم على النساء.. حين أعادت الدولة تعريف أولوياتها!
بدأ تراجع مكاسب النساء،عبر تغيير الإطار المرجعي الذي تُصاغ داخله السياسات العامة وكيفية تعريف الدولة نفسها لحقوق النساء، وهو ما يسمّيه عدد من الباحثين والباحثات في السياسات العامة بـ”إعادة تأطير القضية” (Reframing).
إعادة التأطير هذه، لا تعني تخلّي الدولة عن الحديث عن النساء أو عن أدوارهن، بل تعني ما يُقدّمه الخطاب الرسمي من قضايا نسائية المحصورة في أدوار تقليدية، أي باعتبارهن أمهات أو راعيات للأسرة، أكثر من تقديمهن باعتبارهن مواطنات يتمتعن بحقوق مستقلة في المجالين العام والسياسي. وهذا التحوّل في الخطاب ينعكس تدريجيًا على أولويات السياسات العمومية، وعلى توزيع الموارد، وعلى طبيعة البرامج الحكومية.
تصف الباحثة الأمريكية في علم الاجتماع نانسي فريزر هذه التحوّلات بأنّها جزء من الصراع حول تعريف العدالة والمواطنة؛ فالاعتراف بالنساء كصاحباتِ حقوق لا يقتصر على حمايتهنَّ قانونيًا، بل يقتضي أيضًا الاعتراف بهنَّ كفاعلات سياسيات مستقلات، لهنَّ الحق في المشاركة في اتخاذ القرار وصياغة السياسات التي تمسّ حياتهنَّ. وعندما تتمّ إعادة إنتاج الصور النمطية والأدوار الأسرية، يصبح الحديث عن الحقوق أقرب إلى منطق الحماية والرعاية منه إلى منطق المواطنة الكاملة والمساواة.
لا يُمكن فصل هذا التحوّل الخطابي عن بقية التغييرات التي شهدتها البلاد منذ 2021، وفي مقدّمتها تراجع المشاركة السياسية بشكل عامّ ومشاركة النساء بشكل خاصّ، وضعف الحضور النسائي في مواقع القرار، وتقلّص هامش عمل المنظمات النسوية. فهذه التحوّلات، وإن بدت متفرّقة، تعكس انتقالًا من مقاربة ارتكزت، ولو نظريًا، على توسيع مشاركة النساء في المجال العام، إلى مقاربة تمنح الأولوية للاستقرار الاجتماعي والأسرة، بما قد يؤدي إلى تراجع قضايا المساواة بين الجنسين ضمن أجندة السياسات العمومية.
حول تجربتها في المشاركة النقابية، تتحدّث الصحفية ونائبة رئيس النقابة السابقة للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، أميرة محمد عن الطرد الذي تتعرّض له الناشطات من المجال العام، وتقول “كنت شخصيًا، في العديد من المناسبات، عُرضة لحملات ممنهجة استهدفتني بسبب كوني امرأة. وكانت الإساءات التي أتعرّض لها قائمة على النوع الاجتماعي، لا بسبب عملي كصحفية، ولا بسبب مواقفي أو آرائي، أو لكوني ناشطة حقوقية أو نقابية، وإنّما لمجرد أنّني امرأة”.
“كان مضمون تلك الإساءات يقوم على فكرة أنّ المرأة لا يحقّ لها التعبير عن رأيها، ولا يحقّ لها أن تتحدّث في الشأن العام. كما اتّخذت حملات الشتم طابعًا أخلاقيًا وجنسيًا، وشملت إساءات تتعلّق بالشكل، واللون، وبصور نمطية تعتبر أنّ مكان المرأة هو المنزل، وأنّ الرجل هو من يتولّى السيطرة عليها أو تقرير مصيرها”، توضّح أميرة.
وتُضيف: “للأسف، وجدنا أنفسنا نعود سنوات طويلة إلى الوراء، إلى خطابات كنّا نعتقد أنّ تونس قد تجاوزتها، وأنّ الوعي المجتمعي أصبح أكثر تقدّمًا منها. لكن ما حدث كشف أنّ هذه التصورات لم تختفِ، بل كانت كامنة تحت السطح، وسرعان ما عادت إلى الظهور والتوسّع بفعل الخطاب الرسمي لرئيس الجمهورية والمواقف الصادرة عنه، والتي ساهمت في إعادة إنتاج هذه التصوّرات وإضفاء قدر من المشروعية عليها”.
“بصفتي صحفية، عايشت، كما عايشت أغلب الصحفيات بعد 25 جويلية، واقعًا جديدًا اتّسم بالرقابة والتعتيم والتجميد. لم نعد نعمل كما كنّا في السابق، ولم تعد لدينا تلك المساحة من الحرية التي كنّا نتمتع بها ونعتز بها عند مقارنتها بأوضاع الصحافة في بلدان أخرى. أصبح الحصول على المعلومة معركة يومية، وفي كثير من الأحيان، رغم كل الجهود، لا نتمكّن من الوصول إليها. وتحوّل العمل الصحفي إلى مواجهة مستمرة مع حجب المعلومات، ترافقها مخاوف متزايدة من الملاحقة والسجن”، تروي أميرة لمنصة “هنَّ”.
كما تؤكّد على أنّ “ما يُثير القلق أكثر هو أنّنا نشهد، فيما يبدو لأول مرّة في تاريخ تونس، وجود هذا العدد من النساء السجينات بسبب نشاطهن العام، أو مواقفهن، أو آرائهن. فهناك اليوم صحفيات، وسياسيات، وناشطات في المجتمع المدني، ومدافعات عن حقوق الإنسان يقبعن في السجن لمجرد أنّهن عبرن عن رأي أو اتّخذن موقفًا أو مارسن نشاطًا في الفضاء العام. وهذه رسالة واضحة موجّهة إلى جميع النساء، ومن بينهن الصحفيات، مفادها أنّ السجن قد يكون مصير كل امرأة تختار التعبير عن رأيها، أو ممارسة نشاطها، أو الانخراط في الشأن العام”.
وحول المشهد الإعلامي التونسي، تعتبر أميرة أنّ “التدهور الذي يشهده المشهد الإعلامي في تونس ينعكس على جميع الصحفيين والصحفيات، لكنّه ينعكس بصورة أشدّ على الصحفيات، بحكم أنّهن غالبًا ما يوجدن في مواقع أكثر هشاشة داخل المؤسسات الإعلامية. فهنّ في كثير من الأحيان لا يشغلن مواقع صنع القرار، ولا يمتلكن النفوذ الذي يحميهن داخل مؤسّساتهن، وهو ما يجعلهن أكثر عرضة للإقصاء، والتهميش، والتجميد المهني. وقد تعرّضت شخصيًا لهذا النوع من الممارسات، كما تعرّضت له أيضًا العديد من زميلاتي”.
وعليه، فإنّ قراءة واقع حقوق النساء في تونس بعد 25 جويلية تستوجب تتبّع التحولات التي مست الخطاب الرسمي، وترتيب الأولويات، وتعريف دور الدولة تجاه النساء. فغالبًا ما يبدأ التغيير في السياسات من اللغة التي تعتمدها السلطة لوصف القضايا، قبل أن ينعكس لاحقًا في المؤسسات والممارسات والخيارات العامة.
في ضيق الفضاء المدني.. من يدافع عن حقوق النساء؟
كانت ومازالت المكاسب التي حققتها النساء في تونس خلال العقود الماضية نتاجًا لإرادة نسوية صلبة، وثمرة نضالات طويلة قادتها الحركة النسوية ومنظمات المجتمع المدني، التي لعبت دورًا محوريًا في الدفع نحو إصلاحات تشريعية كبرى، والدفاع عن حقوق النساء داخل البرلمان وخارجه، ومراقبة تنفيذ القوانين، وتوفير الإحاطة القانونية والنفسية للناجيات من العنف والانتهاكات، إلى جانب إنتاج المعرفة والبيانات التي ساهمت في توجيه السياسات العمومية.
اتّسع هامش عمل هذه المنظّمات بعد الثورة بفضل مناخ أكثر انفتاحًا، ما مكّنها من لعب دور مؤثر في صياغة التشريعات، وعلى رأسها القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلّق بالقضاء على العنف ضدّ النساء، كما أصبحت شريكًا رئيسيًا في مراقبة الانتخابات، ورصد الانتهاكات، واقتراح الإصلاحات القانونية، وتكوين الفاعلين العموميين في مقاربة النوع الاجتماعي.
غير أنّ هذا الهامش شهد تضييقًا ملحوظًا منذ 25 جويلية/يوليو 2021؛ إذ أصبحت منظمات المجتمع المدني، بما فيها المنظمات النسوية، تعمل في سياق يتّسم بتصاعدِ الضغوط السياسية والمالية والقانونية، وبخطابٍ رسميٍّ يشكّك في أدوار بعض الجمعيات، لا سيما تلك التي تنشط في مجالات الحقوق والحريات. كما تزايدت المخاوف من مراجعة الإطار القانوني المنظم للجمعيات، وهو ما خلق حالة من عدم اليقين أثّرت على قدرة العديد منها على التخطيط والاستمرار.
لم يقتصر أثر هذا المناخ على المنظمات بوصفها هياكل قانونية، بل امتد إلى الناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان، اللواتي أصبحن أكثر عرضة لحملات التشهير والعنف الرقمي والملاحقات القضائية، الأمر الذي انعكس على مساحة النقاش العام حول قضايا المساواة، ودفع بعض الجمعيات إلى تقليص أنشطتها أو إعادة ترتيب أولوياتها لمواجهة التحديات الجديدة.
حول ذلك، وفي حديثها لمنصة “هنَّ”، تُشير المديرة التنفيذية لـ”جمعية كلام” والناشطة النسوية فريال شرف الدين إلى أنه “بالنسبة إلى الناشطات وإلى النساء اللواتي اخترن النضال من أجل حقوق النساء، أو من أجل الحقوق والحريات بشكل عام، أوّل ما تراجع هو شعورهنَّ بالأمن والسلامة الشخصية. فقد أصبحنَ أكثر عرضة للعنف، وأصبح الناس أكثر جرأة على شتمهنَّ وإهانتهنَّ، وممارسة خطاب كراهية قائم على كراهية النساء، وخطاب عنيف ضدهنَّ. بل إنّ العنف الجسدي نفسه أصبح حاضرًا ويتجلّى بشكل أوضح”.
ويعود ذلك حسب محدّثتنا، إلى “عدم وجود حدود تردع المعتدين، ولم يعُد (المعتدين) يخشون وجود رقابة أو مساءلة أو قانون يحمي النساء بصورة عامة، ولذلك أصبحوا أكثر جرأة في الاعتداء عليهنَّ”.
“وبما أنّ الناشطات يعملن دائمًا في الفضاء العام، ويقمن بأنشطتهن بصورة علنية وتحت الأضواء، فإنّهن يكنّ بطبيعة الحال أكثر عرضة لهذا النوع من العنف القائم على كراهية النساء، والعنف المرتبط بالذهنية الأبوية. ذلك أنّ، النساء اللواتي تكُنّ حاضرات في المجال العام وتحت الأضواء تتعرّضن أكثر للعنف، وتتلقّين مزيدًا من خطابات الكراهية، وتُوجَّه إليهن الاتهامات، ويصبح من السهل الإساءة إليهنَّ”، توضح فريال.
تذكر شرف الدين بإهانة النساء “المتأتيّة من أعلى هرم السلطة، حيث وُجّهت إلى قاضية تهمة وإساءة ذات طابع أخلاقي و جنسي، وهو ما يعكس انهيارًا في الحدود التي كانت تضبط الخطاب العام. فلم يعد هناك احترام للنساء ولا لكرامتهنَّ الإنسانية بصورة عامة”.
أمّا بالنسبة إلى القوانين التي تحمي النساء، تُذكّر شرف الدين بأنّ “مجلة الأحوال الشخصية هي مكسب تحقّق منذ الثالث عشر من أغسطس/آب سنة 1956، وأنّ القانون عدد 58 المتعلّق بالقضاء على العنف ضد النساء صدر في الحادي عشر من أغسطس/آب سنة 2017، وبالتالي فليس لهما أيّ علاقة بما حدث بعد الخامس والعشرين من يوليو، بل إنهما منجزان سابقان بكثير لهذه المرحلة”.
“كما أنّ المشكلة تكمن في التطبيق، وخاصّة في ما يتعلّق بالقانون عدد 58. فعندما لا تتوفر الإرادة السياسية، وعندما تعترض تطبيق القانون عراقيل ومشكلات، فإنّ المشكلة لا تكون في وجود القانون ذاته، بل في غياب الإرادة السياسية التي تضمن تطبيقه. واليوم، الإشكال الأساسي هو أنّ القوانين لا تُطبَّق كما ينبغي. وإذا أخذنا القانون عدد 58 مثالًا، فإنّه يعتمد على تدخل خمس وزارات مسؤولة عن تطبيقه، لكن أداء هذه الوزارات جميعًا يشهد تعثرًا”، تقول فريال.
“ومازال إلى اليوم عندما تحتاج النساء ضحايا العنف إجراء فحص بالأشعة أو تصوير طبي، تُطالَب بدفع تكاليفه بنفسها، في حين أنّ القانون ينص على أنّ هذه الخدمات يجب أن تُقدَّم لها دون مقابل. وعندما تسأل عن السبب، يُقال لها: ليست لدينا منشورات تطبيقية، أو تعليمة، أو مذكرة تنظيمية تُفعِّل هذا الإجراء. والأمر نفسه ينطبق على بقية الوزارات المعنية، ومنها وزارة الداخلية، وغيرها من الوزارات الخمس المكلفة بتطبيق هذا القانون”، توضح محدّثتنا.
في نفس السياق، تروي الصحفية أميرة محمد تجربتها النقابية لمنصّة “هنّ” وتسترجع مؤشّرات تراجع المكاسب، مُستذكرة “شكّل يوم 25 جويلية 2021 نقطة تحوّل غيّرت الكثير من المعطيات في تونس، وهو واقع لم أكن أتوقع أن أعيشه، ولا أعتقد أنّ التونسيين والتونسيات كانوا يتوقعون الوصول إليه، خاصّة فيما يتعلق بحرية الصحافة. صحيح أنّ بعض المؤشّرات كانت موجودة منذ البداية، لكنّنا ربما لم نمنحها الاهتمام الذي تستحقه، ولم نتوقع أن تكون لها تداعيات بهذا الحجم من الخطورة.
أذكر أنّه يوم 25 جويلية، وبصفتي نقابية، تلقينا العديد من الاتصالات من صحفيات وصحفيين مُنعوا من أداء عملهم أمام مجلس نواب الشعب، تزامنًا مع الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في ذلك اليوم. كما أذكر أيضًا أنّه في اليوم نفسه تمّ إغلاق مكتب قناة الجزيرة، ورغم مرور كل هذه الفترة، فإنّ أسباب هذا القرار لا تزال مجهولة، إذ لم يصدر أي إذن قضائي، ولم يُقدَّم أيّ توضيح رسمي يفسر ما حدث.
في يومي 25 و26 جويلية، كان الخطاب الرسمي يؤكّد أنّه لن يكون هناك تراجع عن الحريات، غير أنّ الوقائع بدأت تكشف عكس ذلك سريعًا. ففي 28 جويلية، مُنعتُ، إلى جانب الأستاذ بسام الطريفي، رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، من دخول مقرّ التلفزة التونسية للمشاركة في برنامج تمت دعوتنا إليه. وقد أثار ذلك حملة واسعة من التنديد، ولم يُسمح لنا بالدخول إلاّ بعد أكثر من ساعتين من الانتظار.
كانت تلك الأحداث كلها مؤشّرات مبكّرة، لكنّنا لم نكن نُدرك في ذلك الوقت دلالاتها الحقيقية. وبعد 25 جويلية، أصبحت المعلومة غائبة، ولم تعد هناك جهة رسمية تتولى التواصل مع وسائل الإعلام، باستثناء رئيس الجمهورية. كما أنّ الخطاب الرسمي بعد 25 جويلية اتّجه إلى استهداف النساء، وهو ما كانت له انعكاسات مباشرة على الصحفيات أيضًا. وأذكر في هذا السياق أنّ رئيس الجمهورية، بعد فترة وجيزة من 25 جويلية، وجّه اتهامًا علنيًا إلى إحدى القاضيات بالزنا، في تصريح صدر على الملأ وأمام الرأي العام.”
من هذا المنطلق، فإنّ تقييم واقع حقوق النساء بعد 25 جويلية لا يقتصر على قياس ما إذا كانت القوانين مازالت قائمة، بل يشمل أيضًا تقييم وضع الفاعلين الذين يضمنون حيوية هذه الحقوق في الواقع. فالحقوقُ مهما بلغت قوّة النصوص التي تحميها، تظل مرتبطة بوجود فضاء مدني حر، قادر على الدفاع عنها، ومساءلة السلطة، وإبقاء قضايا المساواة حاضرة في النقاش العام.
الصحافة… الضحية الأخرى!
“كُنت أعمل كصحفية باستقلالية كاملة وبكل مهنية، ولم يكن هناك أيّ تخوّف من طرح سؤال قد يزعج مسؤولًا، مهما كانت رتبته في الدولة، بما في ذلك رئيس الجمهورية. كنت أطرح أسئلتي دون خوف أو حسابات، ودون وجود تعليمات تمنع الاقتراب من هذا المسؤول أو ذاك، مهما كان موقعه” تتذكر أميرة محمد.
وتشدّد على أنّه قبل 25 جويلية، “كانت هناك بالطبع ظاهرة التنمّر والعنف الرقمي، ولا يمكن إنكار وجودها، كما كانت تُشنّ أحيانًا بعض الحملات الممنهجة. لكن هذه الممارسات كانت تُعدّ مرفوضة مجتمعيًا، وكانت تُدان ويجري التصدّي لها، خاصّة عندما تستهدف الصحفيات أو النقابيات أو الناشطات. كنا نعمل دون خوف من السجن، ودون خشية الاستدعاء إلى التحقيق، أو تجميد عملنا، أو فرض الرقابة على ما نُنتجه، أو التعرّض لأيّ شكل من أشكال الضغوط”.
“أمّا الحرية التي يعتبرها البعض نوعًا من الفوضى، فحتى لو افترضنا أنّها كانت تتّسم ببعض مظاهر الفوضى، فإنّ هذه الفوضى تظل أفضل ألف مرة من التعتيم. فهي فوضى قابلة للإصلاح والتقويم، أما التعتيم والتضييق على الحريات عمومًا، وعلى حرية الصحافة خصوصًا، فعندما نفقد هذه الحرية لا يعود بالإمكان الحديث عن دولة ديمقراطية، أو عن احترام حقوق الإنسان، أو عن حرية المواطن في التعبير، أو عن حقه في النفاذ إلى المعلومة”، تُلخّص الصحفية أميرة محمد وضعية الصحفيات اليوم.
لم يكُن تأثير التحولات السياسية التي أعقبت 25 جويلية/يوليو 2021 مقتصرًا على المجالين الانتخابي والمدني، بل امتد إلى الفضاء الإعلامي وحرية التعبير، وهما ركيزتان أساسيتان لضمان مساءلة السلطة وحماية الحقوق. ولئن كانت الصحافة تمثّل إحدى أهم آليات الرقابة المجتمعية، وتوفر فضاءً لإيصال أصوات الفئات المهمشة، وفي مقدمتها النساء ضحايا العنف والتمييز خاصّة بعد ثورة 2011، فإنّها شُلّت تقريبا في السنوات الخمس الأخيرة.
وثّقت منظمات وطنية ودولية في هذه السنوات، تصاعد الضغوط على الصحفيين والصحفيات ووسائل الإعلام، من خلال الملاحقات القضائية، والاعتماد المتزايد على المرسوم عدد 54 لسنة 2022، إضافة إلى تقييد الوصول إلى المعلومة وتصاعد مناخ التخويف.
وترى النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، في تقريرها السنوي الأخير، أنّ “هذه المرحلة اتسمت بتزايد محاكمات الصحفيين والصحفيات على خلفية عملهم الصحفي، وإحالتهم بموجب نصوص زجرية، من بينها المرسوم 54، وهو ما خلق مناخًا من الترهيب أثّر على ممارسة المهنة”.
أثّر تراجع منسوب حرية التعبير على تناول الإعلام للقضايا والملفات المرتبطة بحقوق النساء، مثل العنف القائم على النوع الاجتماعي، التمييز، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والتي تحتاج إلى صحافة قادرة على التحقيق، والوصول إلى المصادر، ومساءلة المسؤولين، ونقل أصوات الضحايا والناجيات دون خوف من الملاحقة أو التضييق.
من جهة أخرى، تواجه الصحفيات على وجه الخصوص، تحديات مضاعفة؛ فإلى جانب القيود التي تطال الجسم الصحفي عمومًا، تتعرّض العديد منهنَّ إلى حملات تشهير وعنف رقمي واستهداف على خلفية النوع الاجتماعي، خاصّة عند تغطيتهنَّ للملفات السياسية والحقوقية أو عند التعبير عن آرائهنَّ في الفضاء العام.
يُؤدّي هذا التضييق إلى ما يعرف بـ”الأثر الرادع”، أي إلى دفع النساء إلى الحد من حضورهنَّ في النقاش العام أو الانسحاب منه، بما ينعكس سلبًا على التعددية الإعلامية وعلى تنوّع الأصوات في المجال العام.
في قراءتها لهذا المشهد، تعتبر الصحفية ونائبة رئيس مجلس الصحافة حنان زبيس أن “تراجع حقوق النساء بدأ منذ تغيير تسمية وزارة المرأة إلى وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السنّ. وهذا يعني أنّ مركز الاهتمام لم يعد المرأة بوصفها شخصًا يتمتّع بحقوق وواجبات، وإنّما أصبحت الأسرة هي النواة الأساسية، وأصبحت المرأة تندرج داخلها، شأنها شأن الطفل. وبالتالي، عدنا إلى رؤية محافظة للعائلة، تُذيب المرأة داخل الأسرة بدل الاعتراف بها كذات مستقلة لها حقوقها”.
تُشير زبيس في تصريح لمنصة “هنَّ” إلى ارتفاع عدد جرائم قتل النساء، حيث “أصبحنا نسمع، بشكل شبه يومي، عن جرائم مروعة تُرتكب بحق النساء. كما أنّ الوحدات المختصة بمناهضة العنف ضد المرأة لم تعد تؤدّي واجبها كما ينبغي، أو أنّ عددها أصبح غير كافٍ. وفي الوقت نفسه، برزت ثقافة تبرّر العنف ضد النساء، سواء كان قتلًا، أو عنفًا جسديًا، أو عنفًا رقميًا. كما أصبح يُنظر إلى النسويات نظرة سلبية، ويُوصمن بأوصاف مهينة. فأصبحت المرأة التي تعلن اليوم أنها نسوية عرضة لحملات كراهية وخطابات تحطّ من شأنها وتمس من كرامتها”.
وبالنسبة للمجال العام، تُؤكّد زبيس على أنّ “النساء أصبحن يتعرضنَّ للملاحقة في الفضاء العام، سواء في الفضاء الواقعي أو في فضاءات التواصل الاجتماعي. مع رصد ارتفاع في حالات التحرش والاعتداءات الجنسية، سواء كانت لفظية أو فعلية. إنّنا نعيش اليوم ثقافة تتراجع عن جميع المكاسب التي حققتها النساء خلال العقود الماضية. وحتى القانون عدد 58 المتعلق بالقضاء على العنف ضد النساء لا يُطبّق تطبيقًا سليمًا”.
“كما نشهد ارتفاعًا غير مسبوق في مختلف أشكال العنف ضد النساء، سواء كان عنفًا جسديًا، أو نفسيًا، أو جنسيًا، أو رقميًا، أو اقتصاديًا. بالإضافة إلى حالة كبيرة من الهشاشة تعاني منها النساء في أماكن العمل، كما نشعر بوجود هشاشة اقتصادية متزايدة، لأن النساء يعملن في ظروف صعبة”، توضح المتحدثة.
تنتقل زبيس إلى القطاع الصحفي، حيث تشدد على أن “النساء العاملات فيه يعانين وضعًا أكثر هشاشة. فهذا القطاع كان يعاني أصلًا من هشاشة بنيوية، لكن هذه الهشاشة ازدادت منذ سنة 2021 نتيجة غياب مناخ حرية التعبير. وقد انعكس ذلك على وضعية المؤسسات الإعلامية، وهو ما أثّر بدوره في أوضاع الصحفيات العاملات داخلها، سواء من خلال طردهنَّ، أو فقدانهنَّ لمواطن شغلهنَّ، أو إجبارهنَّ على العمل بأجور متدنية، وفي ظروف صعبة ولساعات عمل طويلة، دون مراعاة لظروفهنَّ العائلية. وقد أدّى كل ذلك إلى تعميق هشاشتهنَّ”.
ومن جهة أخرى، تُضيف زبيس فإنّ “الصحفيات اللواتي كنّ في الصفوف الأولى لتغطية المظاهرات والأحداث الجارية بصفة عامة، أصبحنَ أكثر عرضةً للهجمات، سواء أثناء التغطية الميدانية أو عبر الفضاء الرقمي من خلال الهجمات الإلكترونية. وتتمثل هذه الهجمات في المساس بكرامتهنَّ، والطعن في أعراضهنَّ، والتشكيك في شرفهنَّ، والحط من قيمتهنَ، إلى جانب حملات خطاب الكراهية التي تستهدفهن بهدف إسكات أصواتهن”.
“إنّ كل امرأة تعبّر اليوم عن رأي ينتقد السلطة تتعرّض مباشرة للهجوم، وتُوصم بأقذع النعوت، ويتم السخرية منها لأنهّا امرأة قبل أن تكون صحفية، وقبل أن تكون مواطنة أو شخصًا له رأي. وكل ذلك يساهم في خلق بيئة غير آمنة للصحفيات، ولا تمكّنهن من أداء عملهن، ويزيد من هشاشتهنَّ في سياق عام يتّسم بغياب حرية التعبير والعودة إلى ممارسات سلطوية”، تنتقد زبيس.
وتختم زبيس حديثها بالقول: “إذا عدنا إلى مسألة القوانين، فإن القوانين موجودة بالفعل. فمجلة الأحوال الشخصية ما زالت قائمة، رغم وجود أصوات تدعو اليوم إلى مراجعتها بما يؤدي إلى تقليص الحقوق التي تكفلها للنساء. كما أنّ القانون المتعلق بمناهضة العنف ضد النساء موجود أيضًا، لكن المشكلة تبقى دائمًا في تطبيقه، لأنّ البيئة الحالية هي بيئة معادية تمامًا للنساء، ولحرية النساء، ولحقوقهنَّ”.
إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّه لا يمكن فصل حرية الصحافة عن حقوق النساء، فكلّما تقلصت قدرة الصحافة على كشف الانتهاكات ومساءلة السلطات، ضعفت كذلك فرص رصد أوجه القصور في تنفيذ القوانين، ومتابعة السياسات العمومية، وإبقاء قضايا المساواة والعنف والتمييز ضمن أولويات النقاش العام. ومن ثمّ، فإنّ تراجع حرية التعبير لا يمثّل مسألة تخصّ الصحفيين والصحفيات وحدهم، بل يمس البيئة الديمقراطية التي تعتمد عليها جميع الحقوق، بما فيها حقوق النساء.
حسب آراء اللواتي استشارتهن هذه المنصّة، فإنّ التحولات التي شهدتها تونس منذ 25 جويلية/يوليو 2021، تكشف أنّ قياس أوضاع حقوق النساء لا يمكن أن يقتصر على رصد النصوص القانونية أو البحث عن القوانين التي أُلغيت أو بقيت نافذة. كما أنّ الحقوق هي بنية تحمل مؤسسات، تمثيل سياسي، قضاء مستقل، ومجتمع مدني فاعل، وإعلام حرّ، وفضاء عام يسمح بالمساءلة والمشاركة. وعندما تضعف هذه الركائز، تصبح الحقوق نفسها أكثر هشاشة، حتى وإن ظلّت محمية على الورق.
ومن هذا المنطلق، فإنّ السنوات الأخيرة أكّدت على أنّ استدامة المكاسب والحقوق تستلزم مؤسّسات ديمقراطية صلبة قادرة على إنفاذ المواطنين والمواطنات إلى القوانين والحقوق المكتوبة، وتستلزم أيضا الحفاظ على الفاعلين الاجتماعيين وعلى رأسهم منظمات المجتمع المدني من أجل الدفاع عن هذه المكاسب وضمان حرية التعبير والمشاركة والتعدّدية.















