مواطنة ليبية، تقف أمام باب أحد فروع مصلحة الجوازات، وهي تظن أن ما ينتظرها لا يتجاوز إجراءً إدارياً روتينياً يمكن إنجازه في دقائق. لكن في اللحظة التي تدخل فيها إلى الفضاء الداخلي سرعان ما يتغيّر مسارها بالكامل، وحسب ما تروي السيدة لاحقاً عبر حسابها الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، فقد تحوّل الأمر إلى مواجهة مرتبطة بمظهرها الخارجي، بعدما مُنعت من الدخول لإنهاء معاملتها بحجة “عدم ارتدائها للحجاب”، رغم غياب أي نص قانوني يُلزم المواطنات بنمط محدد للباس داخل المرافق العامة.
هذه الحادثة لم تُقرأ باعتبارها واقعة فردية فقط، ولكنها أعادت فتح نقاش متجدد حول موقع النساء، خصوصاً غير المحجبات، داخل الفضاء العام والمؤسسات الخدمية في ليبيا. وفي الشهادات التي جمعتها منصة “هنَّ”، يظهر هذا النوع من المواقف كجزء من سياق يومي أوسع، حيث لا تبدأ التجربة داخل المؤسسة، بل تمتد من لحظة مغادرة المنزل، في حالة من الحذر المسبق والترقب لما قد يحدث.
تقول بعض النساء إنّ فكرة الخروج نفسها باتت مرتبطة بحسابات دقيقة: ماذا يمكن أن يقال؟ كيف سيتم التعامل؟ وهل ستنجز المعاملة أم ستتعطل بسبب المظهر؟
بعضهن يحملن غطاء رأس داخل حقائبهن كإجراء احترازي لتفادي أي احتكاك داخل المؤسسات، بينما تلجأ أخريات إلى شبكات معارف أو وساطات لضمان المرور بسلاسة داخل هذه الفضاءات.
وفي خلفية هذا المشهد، تبدو القوانين المنظمة للإجراءات الرسمية في جهة، بينما تتداخل في الجهة الأخرى ممارسات فردية داخل بعض المؤسسات، حيث تتحول القناعة الشخصية أحياناً إلى عنصر مؤثر في تقديم الخدمة، وهو ما تراه بعض النساء شكلاً من أشكال التمييز غير المعلن.
صمت الطوابير.. تهديد مضاعف للنساء
تحت شمس حارقة، كانت مهى (اسم مستعار) تقف في طابور طويل أمام مصلحة الجوازات، ممسكة بطفلها الذي لم يتوقف عن الحركة. منذ الساعة السابعة صباحاً، والطابور لا يتقدم إلا ببطء شديد، بينما تلاحظ، بحسب وصفها، وجود “طابور موازٍ” يُفتح لبعض المعارف، حيث يُسمح لعدد من الأشخاص بالمرور في وقت تنتظر فيه بقية المواطنين والمواطنات ساعات طويلة.
تقول مهى إن شعوراً متراكماً بالضيق بدأ منذ الساعات الأولى، ولم يكن مرتبطاً فقط بطول الانتظار أو حرارة الشمس، بل أيضاً بطريقة تعامل رجل الأمن المكلف بتنظيم الصف، ونظراته التي وصفتها بأنها كانت تخلق توتراً مستمراً.
وعندما اقترب دورها، طلب منها رجل الأمن رقم هاتفها، حينئذ، تروي مهى أنها رفضت، وقالت له: “يفتحلك ربي”، مشيرة إلى أنها عادةً ما كانت تتجنب الدخول في أي مواجهة مباشرة داخل المؤسسات أو مع العناصر الأمنية، خوفاً من تعطيل معاملاتها أو التعرض لمزيد من المضايقات، لكن تراكم الموقف في ذلك اليوم جعل ردّها مختلفاً، خاصة بعد ما وصفته بتجاوزات كانت تحدث أمامها منذ الصباح وسط صمت الموجودين والموجودات.
بحسب روايتها، لم يمر رفضها بشكل عادي. تقول إن الطلب تحوّل سريعاً إلى تهديد مباشر، إذ أخبرها رجل الأمن بأنه سيمنعها من الدخول أو استكمال إجراءاتها، ثم طلب من الموجودين تنحيتها من الطابور بحجة عرقلة السير، مضيفة أن رجال الأمن قاموا بإبعادها فعلياً من الصف.
وتتوقف مهى مطولاً عند تفاصيل مظهر رجل الأمن، الذي كان – بحسب وصفها – ملتحياً ويرتدي سروالاً قصيراً تحت بدلته الرسمية. وتقول إن هذا المظهر كان يمنحه، في نظرها، نوعاً من السلطة الإضافية داخل المكان، يجعل الاعتراض عليه أكثر صعوبة بالنسبة للموجودين.
بصوت متعب، تتحدث عن ساعات قضتها تحت الشمس رفقة طفلها، قبل أن تجد نفسها خارج الصف، وكأن وجودها فيه لم يكن ثابتاً من الأساس. وتقول إن ما حدث لم يكن مجرد خلاف لحظي، بل تجربة تركت لديها شعوراً بالغضب والإحباط داخل فضاء يفترض أن يضمن المساواة في تقديم الخدمة.
ولا تخفي مهى غضبها من ما تسميه “صمت الطوابير”، معتبرة أن كثيراً من النساء يفضلن السكوت حتى لا تتعطل مصالحهن أو تتفاقم المضايقات عليهن.
لاحقاً، وبعد أن عادت إلى آخر الطابور لساعات إضافية، تقول إن محاولة أخرى لمنعها حدثت عند وصول دورها، ما دفعها إلى الانهيار والصراخ، قبل أن يتدخل أحد الموجودين قائلاً: “خليها تخش يا محمد”، لتتمكن في النهاية من إنهاء معاملتها.
وتضيف مهى أن التجربة دفعتها لاحقاً إلى الاعتماد على المعارف لتفادي هذا النوع من الاحتكاك داخل المؤسسات، لأنها باتت تربطه بشعور دائم بالقلق.
المظهر.. تذكرة الدخول إلى المجتمع الليبي
في فضاء مختلف تماماً، لا يتعلق الأمر بمؤسسة عامة، بل بعلاقة عائلية تتخذ منحى حساساً. تسترجع سماح الفاخري تجربة تصفها بأنها كشفت لها مستوى أعمق من التوتر بين الفرد والصورة الاجتماعية التي يُفترض أن ينتمي إليها، معتبرة أن ما حدث لم يكن مجرد نقاش عابر داخل العائلة، بل لحظة اختبار لمعنى القبول نفسه.
وتأتي شهادتها ضمن سياق أوسع من تجارب نساء تحدثن عن المظهر والاختيارات الشخصية، وكيف تتحول هذه التفاصيل إلى عناصر حاسمة في تشكيل العلاقة مع المحيط الاجتماعي، سواء داخل العائلة أو خارجها.
تقول الفاخري إن بداية القصة كانت عندما أُبلغت بأن أحدهم سأل عنها، وهو ما فتح، بحسب وصفها، مساحة من الأسئلة غير المباشرة حول صورتها داخل العائلة والمجتمع.
وبحسب روايتها، أخبرها ابن عمها بنبرة يغلب عليها التردد أن أحدهم سأل عنهما، لكنه اختار عدم الإقرار بمعرفته بها، مبرراً ذلك بما قد يقال عنه اجتماعياً، وبالصور والأحكام الجاهزة المرتبطة بالمظهر والسلوك. وتشير إلى أنه ربط ذلك بعدم ارتدائها الحجاب وبنشاطها على منصات التواصل الاجتماعي، وقال لها إن هذه الصورة “لا تشرفه” أن يُنسب إليها.
بالنسبة لها، لم يكن الأمر مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تجربة شعرت فيها بأن العلاقة العائلية نفسها دخلت منطقة إنكار وتراجع بدل الوضوح.
وتقول إنها اختارت المقاطعة، معتبرة أن العلاقة التي تقوم على الخجل من الآخر تفقد معناها، وأن الكرامة لا يمكن أن تُجزأ بحسب المواقف.
وتضيف أنها لا ترى نفسها امتداداً لصورة جاهزة يرسمها المجتمع، ولا تخضع في تعريفها لرموز الشكل أو المظهر، بل تعتبر نفسها إنسانة تمتلك اختياراتها وحدودها ومساحتها الخاصة.
كما تتوقف عند مفهوم “سمعة القبيلة” كما يُطرح اجتماعياً، وتعتبره مفهوماً يحتاج إلى إعادة تفكير، متسائلة عن معنى السمعة عندما تُبنى على الإنكار بدل الاعتراف.
وترى أن ما جرى يفتح أسئلة أوسع حول الحرية والقبول الاجتماعي وطريقة تشكل الأحكام داخل المجتمع.
وتختم حديثها بالإشارة إلى أن تجربتها ليست حالة منفصلة، بل جزء من سرديات تتقاطع فيها تجارب نساء أخريات مع فكرة القبول المشروط، وتقول إن ما خرجت به هو إدراك أهمية الصدق مع الذات كخيار أساسي في مواجهة الضغط الاجتماعي.
السفور داخل الصورة الذهنية الليبية
في الشارع، تتحول التجربة إلى يوميات متكررة لا تنفصل عن التفاصيل الصغيرة للحياة، وتقول مريم إن مجرد التفكير في الخروج من المنزل يضعها في حالة حساب مسبق لكل خطوة: الطريق، النظرات، التعليقات، وحتى احتمال الاحتكاك الذي قد يفسد يومها بالكامل.
وبحسب روايتها، لا يأتي هذا الضغط من الرجال فقط، بل أيضاً من النساء، حيث ترى أن الخطاب الاجتماعي أحياناً يكون أكثر قسوة حين يصدر من محيطها نفسه، متضمناً أحكاماً مسبقة حول المستقبل والصورة الاجتماعية.
وتضيف أنها تعيش حالة استعداد دائم أثناء التنقل أو القيادة أو التعامل مع المؤسسات، حيث تشعر أن وجودها في الفضاء العام ليس محايداً، بل محاط دائماً باحتمالات التقييم.
وتوضح إن “هذا الشعور لم يعد مرتبطاً بمواقف منفصلة، بل أصبح جزءاً ثابتاً من يومها”.
وفي امتداد هذا السياق، تبرز شهادة دلال، التي ترى أن هناك فراغاً قانونياً يسمح باستمرار ممارسات تتعلق بالتضييق والتحرش اللفظي أو السلوكي تجاه النساء غير المحجبات، دون وجود آليات واضحة للمساءلة.
وتؤكد على أنها تتجنب أحياناً بعض الأماكن أو تعتمد على علاقاتها لإنجاز معاملاتها، لتفادي الاحتكاك المباشر أو التعرض لمواقف غير مريحة.
وتشير إلى أنها تتعرض لتعليقات ونظرات تحمل، بحسب وصفها، طابعاً دونياً تجاه النساء غير المحجبات، وتختلف حدتها من بيئة إلى أخرى.
وتسرد إنها تحمل غطاء رأس داخل حقيبتها لاستخدامه عند الحاجة، ليس كخيار قناعة بل كوسيلة لتجاوز مواقف قد تكون مرهقة أو مزعجة. ومع الوقت، لم يعد الأمر مرتبطاً فقط بالمظهر، بل بتفاصيل الحياة اليومية: الملابس، توقيت الخروج، وطريقة الحركة داخل المدينة.
وترى أن هذا الواقع مرتبط بغياب الردع القانوني وبسلوك اجتماعي عام يسمح باستمرار هذه الممارسات.
وتختم بأن المظهر لا ينبغي أن يكون معياراً للأمان أو الحرية، وأن حرية الاختيار لا تكتمل إلا بوجود حماية فعلية من التمييز والمضايقات.
تضييق وتحرش
ضمن الشهادات التي تتقاطع حول تجربة النساء مع الفضاء العام والمؤسسات، ترد شهادة دلال، بوصفها امتداداً لثقافة جمعية تتناول العلاقة بين المظهر الشخصي وأنماط التفاعل الاجتماعي والقانوني، وما يرافق ذلك من ممارسات يومية تتداخل فيها التجربة الفردية مع البنية العامة للمجتمع.
وتوضح دلال، أنّ هناك فراغاً قانونياً، بحسب وصفها، يتيح استمرار ممارسات تتعلق بالتضييق والتحرش اللفظي أو السلوكي تجاه النساء غير المحجبات، مع غياب آليات محاسبة واضحة، على حد تعبيرها.
وتضيف أنّها في بعض الأماكن التي تتطلب احتكاكاً مباشراً مع فئات مختلفة من المجتمع، وخصوصاً في البيئات التي لا تتقبل وجود امرأة غير محجبة في الفضاء العام، تميل إلى تجنب الذهاب إليها، أو الاعتماد على العلاقات الشخصية لتسيير معاملاتها، تفادياً لما قد تواجهه من أحكام مسبقة أو مضايقات، بحسب قولها.
وتشير إلى أنّها في حياتها اليومية تتعرض لتعليقات بذيئة ونظرات تصفها بأنها تحمل تصوراً دونياً تجاه النساء غير المحجبات، وتربط ذلك بما تعتبره قابلية أعلى لوقوع مضايقات أو تحرش، موضّحة أنّ حدة هذه السلوكيات تختلف حسب البيئة، حيث تكون أقل في المدن الكبيرة وأكثر في بعض المناطق الأخرى، وفق روايتها.
وتتابع دلال أنّها تضطر أحياناً إلى التكيّف مع هذا الواقع داخل المؤسسات العامة أو أثناء التنقل في الشارع، مُشيرة إلى أن هذا التكيّف يتجسد في حمل غطاء للرأس تستخدمه عند الحاجة، وتصف ذلك بأنه نتيجة تجارب سابقة شملت مضايقات لفظية أو محاولات تحرش أو مواقف غير مريحة أثناء الحركة في الفضاء العام.
تُضيف محدّثتنا، أنّ هذا الواقع يؤثّر على تفاصيل حياتها اليومية، بما في ذلك اختيار الملابس أو توقيت الخروج، وقد يدفعها في بعض الأحيان إلى تأجيل التزاماتها لتفادي مواقف لا ترغب في خوضها. وترى أنّ هذه التجارب لا تنفصل عن سياق أوسع يرتبط بالعقل الجمعي وغياب الردع القانوني، ما يسمح، بحسب تعبيرها، بتمدّد بعض السلوكيات التي تؤثر على شعور النساء بالأمان في الفضاء العام.
وتخلص في حديثها إلى ن “شكل النساء أو مظهرهن لا ينبغي أن يشكل عاملاً في تحديد مستوى أمانهنّ أو حرياتهنّ في التنقل”. معتبرة أنّ “حرية الاختيار تكتسب معناها الكامل فقط حين تقترن بضمانات اجتماعية وقانونية تحمي النساء من التمييز والوصم والمضايقات”.
عنف رمزي
بالعودة إلى الشهادات السابقة حول تجارب النساء في الفضاء العام والمؤسسات، تقدّم الناشطة الحقوقية حنين بوشوشة قراءة حقوقية لهذا الواقع، تربط بين الخطاب الاجتماعي السائد وتأثيره على المساواة في الوصول إلى الخدمات العامة.
تقول حنين في حديثها لمنصة “هنَّ”: “ما شهدناه مؤخراً من حملات كراهية وتحريض ضد النساء غير المحجبات يطرح إشكالية أعمق تتعلّق بطبيعة العلاقة بين الحريات الشخصية وإمكانية الوصول الآمن والمتكافئ إلى الفضاء العام والخدمات العامة”.
وتوضّح أنّه “حين تتحول طريقة اللباس إلى معيار للحكم على النساء أو للتشكيك في أخلاقهن أو وطنيتهنّ أو في أحقية حصولهن على الخدمة باحترام، فإنّ ذلك يضع المجتمع أمام شكل من أشكال التمييز الاجتماعي الذي قد يتطور إلى تمييز مؤسّسي غير مباشر”.
وتضيف بوشوشة: “من المهم الانتباه إلى ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بالعنف الرمزي، وهو ذلك النوع من العنف الذي لا يُمارس بالقوّة المباشرة، بل عبر اللغة والنظرات والتعليقات والسخرية والضغط الاجتماعي، إضافة إلى إنتاج صورة نمطية لما يجب أن تكون عليه المساء المقبولات داخل المجتمع”.
وتوضّح أنّ “خطورة هذا النوع من العنف تكمن في أنه يتسلل إلى الحياة اليومية بشكل يبدو طبيعياً أو عادياً، حتى تبدأ بعض النساء بالشعور أن وجودهن في الفضاء العام مشروط، أو أنهن مطالبات بتعديل سلوكهنّ أو مظهرهنّ حتى يتم التعامل معهن باحترام أو يحصلن على الخدمة بشكل طبيعي”.
وتؤكّد بوشوشة على أنّ “المشكلة لا تتعلّق بالحجاب أو عدمه بقدر ما تتعلق بحق النساء في الاختيار وعدم التعرض للإهانة أو الوصم أو المعاملة التمييزية داخل المؤسسات العامة”، كما تشير إلى أنّ “أيّ خطاب عام يصدر عن مسؤولين أو شخصيات مؤثّرة قد ينعكس مباشرة على سلوك المجتمع وعلى طريقة تعامل بعض الموظفين أو الأفراد مع النساء المختلفات عن الصورة النمطية السائدة”.
وتتابع بوشوشة أنّ “التعليقات الساخرة أو العدائية أو التحريضية على مواقع التواصل ليست منفصلة عن الواقع، بل تساهم تدريجياً في خلق بيئة تشعر فيها بعض النساء بأنهن تحت التقييم والمراقبة الدائمة، وهو ما يؤثر على شعورهن بالأمان والكرامة والمواطنة المتساوية”.
وتختم بأنّ “مؤسسات الدولة يفترض أن تقدم خدماتها لجميع المواطنات دون أي تمييز قائم على المظهر أو اللباس أو القناعات الشخصية، مع ضرورة تعزيز خطاب يحترم التنوع والاختلاف ويمنع التحريض والكراهية ضد النساء بأي شكل كان”.
تعسّف مخالف للقانون والدستور
وفي قراءة قانونية لما تعكسه هذه الشهادات من ممارسات داخل بعض المؤسسات العامة، تتحدّث الحقوقية والناشطة النسوية مروة سالم لمنصة “هنَّ” عن الأبعاد الحقوقية المرتبطة بالتعسف الإداري وآليات المساءلة القانونية في مثل هذه الحالات.
تقول الناشطة النسوية مروة سالم إن “ما جرى يُعد، حقوقياً، أحد الإجراءات التعسفية المخالفة للقانون والدستور والاتفاقيات الدولية المصادقة عليها من قبل الدولة الليبية، في ظل تفشي ظاهرة الإفلات من العقاب وغياب ثقافة التبليغ، والتي ترى أنّها غالباً ما تكون مقترنة بفقدان ثقة النساء في النظامين الأمني والقضائي، باعتبار أنهما تابعان لنفس الدولة التي تسمح لمؤسساتها بممارسة أنواع مختلفة من العنف ضد النساء”، مشيرةً إلى أنّ “آخرها ما وصفته بنماذج إذلال النساء التمييزية في المطارات”.
وتضيف سالم أنّ ذلك “ساهم في زيادة تغول الجهات التنفيذية على النساء، خصوصاً في حال عدم رضوخهنّ للابتزاز، موضحةً أنّ “هذا الإجراء التعسفي يستلزم مساءلة الموظفين المخالفين بسبب التعسف الإداري ومخالفة القانون وعرقلة الإجراءات، إضافة إلى أفعال التحرش والابتزاز وإساءة استخدام السلطة ومنع مواطنة من حقها”، معتبرة أنّها جميعها “أفعال يعاقب عليها القانون الليبي”.
وتشير إلى أنّه “بإمكان المتضرّرة اللجوء إلى القضاء عبر تحرير محضر رسمي، ثم رفع دعوى تتعلّق بإساءة استخدام السلطة، إلى جانب المطالبة بالتعويض”.
وتؤكد سالم على أنّها تشجع النساء على التبليغ، مضيفةً أنّه رغم الصلاحيات التي يمتلكها هؤلاء، بحسب وصفها، فإنّ المؤسسة القضائية “لا تزال لها كلمتها ولا تزال مستقلة”، معتبرة أنّ “سلطة مكتب النائب العام تبقى أعلى سلطة في الدولة”.
وتختتم حديثها بالقول إن “تبليغ النساء عن هذه الانتهاكات قد يكون سبباً في الوصول إلى أحكام قضائية رفيعة المستوى تسهم في ردع أيّ إساءة ضد النساء”، مؤكّدة على أنّ “ما يلزم هو تعاضد النساء والمتضرّرات والتبليغ عن هذه الممارسات”.
هذا، وتكشف الشهادات المختلفة والمتقاطعة عن كيفية تحوّل المظهر الشخصي في ليبيا إلى عامل يحدّد مستوى القبول الاجتماعي وإمكانية الوصول الآمن إلى الخدمات والفضاء العام، كما توضح واقع نساءٍ ليبيات يعانين من غياب الردع القانوني وتطبيع بعض الممارسات التمييزية، لتبقى حرية النساء في الاختيار مرهونة بمعركة يومية من أجل الكرامة والمواطنة المتساوية.



















