الاحتجاجات الشبابية التي دعت إليها مجموعة “جيل زد” في المغرب، للمطالبة بإصلاحات في قطاعي التعليم والصحة، والتي كانت السلطات قد منعتها، تحوّلت يوم الثلاثاء إلى مواجهات مع قوات الأمن والمتظاهرين في عدد من مدن البلاد، خاصة مدينة وجدة.
والد ضحية وجدة: من سيدفع كرسي أمين؟
وفي مدينة وجدة، شرق المغرب، اندلعت المواجهات بين المتظاهرين وقوات الشرطة مسنودة بالقوات المساعدة، ما أسفر عن كسور مزدوجة في ساقي أحد الأشخاص بعد أن صدمته إحدى سيارات الشرطة، وفق ما وثقته فيديوهات نشرها متظاهرون على مواقع التواصل.
وقالت السلطات في قصاصة نشرتها وكالة أنباء المغرب العربي الرسمية، أن “المعني بالأمر أصيب بجروح متفاوتة الخطورة، خاصة على مستوى الأطراف السفلى، ويتلقى حالياً العلاجات الطبية، وحالته مستقرة ولا تُشكل خطراً على حياته”.
في المقابل قال والد الضحية، بحزن شديد أن ابنه “في وضعية صحية حرجة بين الحياة والموت”، مؤكدًا على “بتر إحدى ساقيه”.
الضحية يدعى أمين، وهو طالب جامعي، من عائلة فقيرة، يبيع الكتب ليساعد نفسه على مصاريف دراسته، وقال والده متأثرًا في شريط فيديو متداول “أمين كان بالأمس يدفع عربته المحملة بالكتب ليساعدني ووالدته في بيع المستلزمات المدرسية… وغدا سيبحث عمن يدفع به كرسيه المتحرك وهو مقعد”.
مواجهات بين المتظاهرين والشرطة
في مدينة تمارة، على بعد 17 كيلومتراً جنوب الرباط، سُجّلت أيضًا “أعمال شغب في حي المسيرة 2 وسط المدينة، غير أن السلطات تمكنت من السيطرة على الوضع، وأغلقت جزئياً شارع طارق بن زياد لتنظيفه من المخلفات التي استعملها المتظاهرون في مهاجمة قوات الأمن”، حسب ما أكدته وكالة “إيفي” الإسبانية.
أما في مدينة بني ملال، على بعد 240 كيلومتراً جنوب شرق الرباط، فقد “اندلعت بدورها أحداث شغب، حيث عمد المتظاهرون إلى قطع الشوارع وإحراق حاويات النفايات، فيما أسفرت المواجهات عن إصابات في صفوف المتظاهرين ورجال الشرطة معاً”، وفق ما أوردته وسائل إعلام محلية.
وفي مدينتي إنزكان وآيت عميرة، جنوب أكادير (550 كلم جنوب الرباط)، هاجم متظاهرون قوات مكافحة الشغب بالحجارة، وقاموا بتخريب وإحراق عدد من سيارات الشرطة.
وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، انتشرت تسجيلات مصورة وأخرى بُثت مباشرة، تظهر مواجهات بين شبان وقوات الأمن، إضافة إلى مشاهد لسيارات مقلوبة ومحطمة وأخرى تلتهمها النيران.
وأظهر مقطع آخر عنصراً أمنياً مصاباً، وجهه ينزف دماً، وهو ينسحب من موقع المواجهات. كما ظهرت في المشاهد شاحنة لإطفاء الحرائق ترش المياه لإخماد ألسنة اللهب التي التهمت إحدى السيارات المحترقة.
وكانت السلطات المغربية قد منعت هذه المظاهرات التي جرى تنظيمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشكل يومي منذ يوم السبت الماضي من طرف مجموعة تطلق على نفسها اسم “GENZ212” (جيل زد)، للمطالبة بإصلاحات في قطاعي الصحة والتعليم.
وفي اليوم نفسه، أعلنت النيابة العامة بالدار البيضاء عن توقيف 24 شخصاً، بينهم 6 قاصرين، على خلفية قيامهم يوم السبت الماضي بقطع الطريق السريع الداخلي للمدينة، خلال هذه الاحتجاجات الشبابية.
الداخلية: إصابة 263 من عناصر الأمن وتوقيف 409 أشخاص في احتجاجات
كشف الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية، رشيد الخلفي، أن تدخلات القوات العمومية يوم الثلاثاء 30 شتنبر بعدد من المدن المغربية، “أسفرت عن إصابة 263 عنصراً من الأجهزة الأمنية بجروح متفاوتة الخطورة، إضافة إلى إصابة 23 شخصاً آخرين، أحدهم بمدينة وجدة في وضع صحي حرج”.
وأوضح الخلفي أن الاحتجاجات، “انطلقت استجابة لدعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي خارج الأطر القانونية، شهدت في بعض المناطق تصعيداً خطيراً، حيث تحولت إلى أعمال عنف شملت استعمال أسلحة بيضاء وزجاجات حارقة ورشق بالحجارة، مما أدى إلى إلحاق أضرار جسيمة بـ142 عربة تابعة للقوات العمومية و20 سيارة خاصة، إضافة إلى اقتحام مؤسسات بنكية وتجارية بعدد من المدن بينها آيت اعميرة، إنزكان، أكادير، تزنيت ووجدة”.
كما أشار إلى تسجيل “اعتداءات استهدفت سيارات إسعاف تابعة للوقاية المدنية، ومنعها من نقل مصابين خلال أحداث وجدة”.
وأكد الخلفي أن السلطات “أوقفت 409 أشخاص ووضعتهم تحت الحراسة النظرية بأوامر من النيابة العامة، بينما أخلي سبيل آخرين بعد التحقق من هوياتهم”، مشدداً على أن التعامل مع هذه الأحداث تم “وفق القانون، وبضبط للنفس رغم الاستفزازات”.
وخلص المتحدث باسم الداخلية إلى أن السلطات العمومية “ستواصل حماية الأمن والنظام العامين، وضمان ممارسة الحقوق والحريات، بما فيها حرية التظاهر السلمي، ضمن الأطر القانونية، مع التعهد بـ”التصدي الحازم لكل من يثبت تورطه في أعمال تخريب أو اعتداءات”.
“لا تبتعدوا عن السلمية”
قُدِّم يوم الثلاثاء أمام النيابة العامة بالرباط 37 متظاهراً تم اعتقالهم خلال الأيام الثلاثة الماضية، وقررت النيابة متابعة 34 منهم في حالة سراح، بينما وُضع ثلاثة رهن الاعتقال الاحتياطي.
من جانبها، أعربت الأحزاب المكوِّنة للتحالف الحكومي في المغرب، يوم الثلاثاء، عن استعدادها للحوار والاستجابة لمطالب المتظاهرين.
وتجدر الإشارة إلى أنه تم تقديم 123 شابا وشابة أمام أنظار وكيل الملك في المحكمة الابتدائية بالرباط، على خلفية احتجاجات ما بات يُعرف بـ”حراك جيل زد”.
وضمت المجموعة تسع نساء وقاصرين، حيث تقرر حفظ المسطرة في حق أحدهما، فيما جرى تسليم الثاني إلى عائلته. كما تم حفظ المسطرة بالنسبة لـ26 شخصًا آخرين.
وأفادت مصادر حقوقية لـ”هنّ”، أن ثلاثة من الموقوفين وضعوا رهن الاعتقال الاحتياطي، بينما توبع آخرون في حالة سراح مقابل كفالات مالية، مشيرةً إلى أن هذه الأرقام تخص فقط مدينة الرباط، بحيث تم تقديم في مدن أخرى عدد من المعتقلين.
وتعود هذه الاعتقالات، حسب ذات المصدر إلى يوم الاثنين الماضي، إثر الاحتجاجات التي شهدتها العاصمة وعدد من المدن المغربية.
هذا، وأصدرت مجموعة “جيل زد”، بياناً عبر شبكات التواصل الاجتماعي أكدت فيه أن هدفها هو: “الصحة للجميع، وتعليم كريم، وحياة كريمة لكل المغاربة دون استثناء. هذه مطالبة بسيطة وعادلة؛ إنها حق لا نطالب به بتكلّف أو بكلمات جوفاء، بل بوعي ومسؤولية”.
وانتقدت المجموعة ردّ الفعل الأمني خلال الأيام الأخيرة، مؤكدة في الوقت نفسه أنها لا تسمح بأي أعمال تخريب أو عنف في المظاهرات التي تدعو إليها، وجاء في البيان: “لا تبتعدوا عن السلمية، واحفظوا كرامتكم وكرامة الحراك”.
في المغرب وخارجه، وجّهت العديد من جمعيات المجتمع المدني انتقاداتها للاعتقالات وطريقة تعامل الشرطة والسلطات مع الاحتجاجات. وانضمت منظمة “العفو الدولية” (أمنستي)، صباح الثلاثاء إلى هذه المواقف، حيث دعت السلطات المغربية إلى ضمان “احترام الحق في الاحتجاج، والإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الأشخاص المعتقلين بسبب ممارستهم لحقهم في التجمع السلمي”.



















