عادت النار إلى غابات الجزائر هذا الصيف، لكنها هذه المرة لم تكن مجرد حرائق عادية تتكرر مع كل موسم جاف؛ ففي أواخر شهر غشت/ أوت، اتسعت رقعة النيران في ولايات الشرق والوسط الشرقي للجزائر، وتحولت “جيجل وبجاية” إلى أبرز بؤر الأزمة، فيما سجلت ولايات أخرى، بينها تيزي وزو والطارف، سكيكدة، وقالمة وعنابة، حرائق وعمليات إجلاء للسكان، بينما واجهت فرق التدخل ظروفًا ميدانية معقدة خلفت قتلى وجرحى وخسائر مادية وبيئية.
في جيجل التهمت النيران مساحات واسعة من الغطاء الغابوي وطالت عدة بلديات، فيما شهدت بجاية عمليات إجلاء وتكفلاً بمصابي هذه الحرائق. وبين القرى والمناطق الغابوية لم تكن الخسائر مجرد أرقام في حصيلة رسمية، فقد تركت الحرائق وراءها منازل مهددة، وسكانًا اضطروا إلى الفرار، غابات احترقت، ومجتمعات وجدت نفسها في مواجهة خطر يتجاوز لحظة اشتعال النار.
وخلف المشهد الذي تصنعه ألسنه اللهب، ثمة معادلة أكثر تعقيدًا؛ حرارة مرتفعة، جفاف، انخفاض في رطوبة الغطاء النباتي ورياح يمكن أن تسرع انتشار النيران، في وقت يبقى فيه العامل البشري حاضرًا بقوة، فالحريق لا يبدأ من المناخ وحده، لكن المناخ قد يهيئ الظروف التي تسمح لشرارة صغيرة بأن تتحول الى كارثة واسعة.
في هذا التقرير نتناول قراءة بالأرقام والشهادات الرسمية والتحليلات البيئية لما شاهدته الولايات الشرقية، محاولا الإجابة عن هذه الأسئلة:
إذا كانت الظروف المناخية التي تساعد على اشتعال الغابات وانتشار النيران أصبحت أكثر حدة وتكرارا، فهل تكفي الطريقة التي اعتادت الجزائر أن تدير بها موسم الحرائق؟ أم أن حجم الخطر الجديد يفرض الانتقال من منطق الاستجابة بعد اندلاع النار إلى منطق الوقاية والاستباق وإدارة المخاطر على مدار العام؟
أسبوع تحت النار
خلال أسبوع واحد، تحولت مساحات غابوية وقرى ومناطق سكنية في عدد من ولايات الجزائر إلى مشاهد مفتوحة على النار والدخان، فيما وجد السكان وفرق الإنقاذ أنفسهم أمام حرائق متزامنة وسريعة الانتشار، خلفت قتلى وجرحى وأضرارًا طالت الممتلكات والطرق وشبكات المياه والكهرباء. وكانت بجاية وجيجل من أبرز هذه الموجة، التي بلغت ذروتها في أواخر غشت/ أوت.
وأعلن وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، السعيد سعيود، وفاة 12 شخصا، بينهم خمسة من جيجل، وأربعة في بجاية، و3 في تيزي وزو، في حصيلة تعكس الكلفةَ البشرية للأيام الأكثر قسوة من موجة الحرائق.
وتُظهر حصيلة المديرية العامة للحماية المدنية تصاعدًا حادًا في عدد حرائق الغطاء النباتي خلال هذه الفترة، قبل أن يبدأ منحنى الحرائق في التراجع تدريجيا مع نهاية الأسبوع. حيث سجلت 74 حريقًا بين 24 و25 من غشت/ أوت المنصرم، ثم قفز العدد الى 193 حريقا بين 26 و27 غشت/ أوت، قبل أن يبلغ 174 حريقا في الحصيلة الموالية. وتراجعت الحصيلة بعد ذلك الى 123 حريقا بين 28 و28 غشت/ أوت، ثم إلى 65 حريقا بين 29 و30 من الشهر نفسه.
وبينما يفسر التحليل البيئي الظروف التي ساعدت على انتشار النيران، لم تُحسم بعد أسباب اندلاع جميع الحرائق، إذ أعلن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، خلال تفقده للمصابين، أنه لا يستبعد وجود ” أيادٍ إجرامية” وراء بعض الحرائق، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن الرياح القوية ساهمت في انتشار النيران وعقدت عمليات الإخماد، بما في ذلك الحد من قدرة طائرات الإطفاء على التدخل في بعض المناطق، وأكد على أن التحقيقات والتحريات ستكشف أسباب اندلاع الحرائق.
تطور الحرائق خلال موجة ” أوت 2026″

هذه الأرقام تحتاج إلى دراسة دقيقة، فحصيلة الحماية المدنية تتعلق بحرائق الغطاء النباتي بمختلف أنواعه، إذ تشمل الغابات والأدغال والأحراش، إلى جانب الأشجار المثمرة والمحاصيل الزراعية وأحزمة التبن والنخيل. ففي حصيلة 24_25 غشت/ أوت، سجلت الحماية المدنية 74 حريقا للغطاء النباتي، بينها 17 حريق غابات، بينما توزعت بقية الحالات على أنواع أخرى من الغطاء النباتي والمحاصيل.
وتشير المقارنة بين الحصيلة إلى أن ذروة الموجة تركزت بين 26 و 28 غشت/ أوت، عندما تجاوز عدد الحرائق المسجلة 170 حريقا في 24 ساعة. ففي الفترة من 26 إلى 27 غشت/ أوت تمكنت فرق التدخل من إخماد 147 حريقا من أصل 193 عند توقيت الحصيلة، فيما أخمد 110 حرائق من 174 في الـ24 ساعة التالية. وتعكس هذه الأرقام حجم الضغط الميداني خلال تلك الأيام، إذ لم تكن فرق الحماية المدنية تتعامل مع بؤرة واحدة أو اثنتين، وإنما مع عشرات الحرائق التي كانت ما تزال مشتعلةً في الوقت نفسه.
ومع نهاية الأسبوع، بدأت الحرائق في انخفاض من 123 حريقا بين 28 و29 غشت/ أوت إلى 65 حريقا بين 29 و30 غشت/ أوت. غير أن هذا التراجع لا يعني اختفاء الخطر، بقدر ما يعكس انحسار حدة الموجة مقارنة بذروتها، بالتزامن مع تمكنِ فرق التدخل من السيطرة على عدد أكبر من البؤر المسجلة.
أين تركزت الخسائر؟
كانت ولاية جيجل من أبرز بؤر موجة الحرائق التي شهدتها الجزائر في هذه الفترة، كما سجلت أعلى حصيلة للوفيات ضمن الولايات التي أعلنت عنها السلطات، بـ5 وفيات من أصل 12 وفاة على المستوى الوطني، ومع اتساع رقعة الحرائق وصعوبة التضاريس في بعض المناطق، عززت عمليات الإخماد التدخلات الميدانية بوسائل جوية، من بينها طائرات الإطفاء AT6-802، إلى جانب وسائل جوية أخرى شاركت في دعم عمليات مكافحة النيران.
ولاية بجاية بدورها من أكثر الولايات تضررا خلال موجة الحرائق، وسجلت 4 وفيات ضمن الحصيلة الوطنية التي أعلنها وزير الداخلية، مقابل ثلاثة في تيزي وزو وخمسة في جيجل. ولم تقتصر تداعيات الحرائق على الخسائر البشرية، حيث تكشف المعطيات المتعلقة بالتكفل بالمصابين عن حجم الضغط الذي فرضته الموجة على القطاع الصحي، إذ استقبل مستشفى سوق الإثنين بولاية بجاية 54 حالة إصابة بحروق، بينها 6 حالات خطيرة، وفق المعطيات التي تم الوقوف عليها خلال زيارة وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل ووزير الصحة الى المؤسسة الاستشفائية لمتابعة وضع المصابين.
كما سخرت السلطات تدابيرًا لحماية السكان في المناطق المحاذية لبؤر الحرائق، من بينها الإجلاء الوقائي عند الضرورة، فيما سخرت مختلف الأجهزة المعنية وسائل بشرية ومادية للمساهمة في السيطرة على النيران وحماية السكان والممتلكات، حيث عرفت بجاية إصابات بشرية استدعت التكفل الاستشفائي أما بخصوص المساحات المحروقة وعدد البلديات المتضررة وحصيلة الإجلاء التفصيلية، فمازالت غير معلن عنها.
عدد الحرائق وحده لا يكفي لقياس حجم الكارثة، فحريق واحد قد يلتهم مساحة غابوية واسعة ويتسبب في خسائر بشرية وبيئية أكبر من عشرات الحرائق الصغيرة التي تتم السيطرة عليها خلال وقت قصير. لذلك، فإن قراءة حرائق غشت/ أوت 2026، تحتاج إلى وضع عدد الحرائق إلى جانب المساحات المحروقة، وطبيعة الغطاء النباتي المتضرر، ومدة استمرار الحرائق، وحجم الخسائر البشرية والمادية والبيئية.
وتكشف الاحصائيات التي أعلنت عنها الحماية المدنية القفزة من 74 إلى 193 خلال فترة قصيرة عن تزامن لافت في اندلاع البؤر، لكنها لا تقدم وحدها تفسيرا لهذا التزامن. ولفهم ما حدث لابد من وضع الأرقام في سياقها الجوي والبيئي: درجات الحرارة الرطوبة والرياح، ودرجة الجفاف، الغطاء النباتي إلى جانب العوامل البشرية والتضاريسية. وهنا يطرح سؤال مهم ما الذي يجعل الشرارة تتحول، في بعض الظروف إلى حريق سريع الانتشار تصعب السيطرة عليه؟
التغير مناخي كعامل مضاعف للخطر
تفسر البروفيسورة عائشة بية معامرية، الأستاذة الجامعية والباحثة في علوم البيئة والبيولوجيا والخبيرة في قضايا البيئة والتنمية المستدامة وتغير المناخ، هذه المعادلة بالعودة إلى الظروف المناخية والبيئية التي أحاطت بحرائق صيف الجزائر 2026. فحسب تصريحها لمنصة “هنَّ” تقول “لا يمكن النظر إلى النار باعتبارها نتيجة لعامل واحد، إذ تتفاعل الحرارة والجفاف ورطوبة الغطاء النباتي والرياح والتضاريس لتحديد مدى قابلية المنطقة للاشتعال وسرعة انتشار الحريق”.

وتعتبر معامرية أن “التغير المناخي يمثل عاملًا مضاعفًا للمخاطر، خصوصا في حوض البحر الأبيض المتوسط الذي يعد من المناطق شديدة الحساسية للتغيرات المناخية، فعندما تتزامن موجات الحرارة مع فترات الجفاف، تنخفض الرطوبة في الكتلة الحيوية والغطاء النباتي، ولا سيما الأحراش، فتزداد قابليتها للاشتعال، كما يمكن أن توفر كمية أكبر من المادة الجافة القابلة للاحتراق. فالرياح الحارة والجافة يمكن أن تسرع انتشار النيران وتحمل الجمرات المشتعلة الى مسافات أبعد، بينما تزيد التضاريس الجبلية المعقدة من صعوبة الوصول الى بؤر متعددة ومتزامنة، وهو ما يرفع الضغط على فرق الإطفاء ويقلص هامش الوقت المتاح للتدخل”.
الخبيرة تؤكد في المقابل أن “المناخ لا يختزل أسباب حرائق الغابات؛ فهناك فرق بين العامل الذي يشعل النار، وبين الظروف التي تحدد قدرتها على الانتشار والتحول في حريق واسع. ومن هذا المنظور، يظل العامل البشري حاضرا بقوة، سواء من خلال الإهمال والممارسات غير الآمنة، مثل حرق المخلفات الزراعية، أو غياب شروط السلامة في بعض المواقع المحاذية للغابات، أو الأفعال العمدية التي لا يمكن نسبتها إلى جهة أو شخص إلا إذا كان استنادا إلى التحقيقات الرسمية الحالية”.
وحسب الخبيرة فإن “التفريق في قراءة حرائق الجزائر 2026 قد تبدأ بشرارة بشرية، لكن شدة الحريق وسرعة انتشاره لا تحددهما الشرارة وحدها. فحالة الغطاء النباتي والطقس والرياح والتضاريس يمكن أن تحول مصدر اشتعال محدود إلى حريق يصعب احتواؤه”.
وترى معامرية أن “هذا التعقيد يفرض إعادة النظر في الطريقة التي تُفهم بها حرائق الغابات في الجزائر، فالمسألة لم تعد مجرد سلسلة من الحوادث الموسمية التي يُنتظر اندلاعها للتدخل، وإنما خطر يتطلب قراءة مسبقة للظروف التي تزيد احتمالات الاشتعال والانتشار”.
ولا تأتي هذه الظروف في الجزائر بمعزل عن السياق المناخي الأوسع في شمال إفريقيا والمتوسط. ففي تقريرها عن حالة المناخ في إفريقيا، تشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن “شمال إفريقيا سجل أعلى شذوذات درجات الحرارة في القارة خلال عام 2025، بالتزامن مع تزايد مؤشرات الجفاف المناخي والزراعي والهيدرولوجي في المنطقة”.
وياتي ذلك ضمن سياق متوسطي أوسع، شهد خلال صيف 2026 موجات حرارة وحرائق واسعة في عدد من دول جنوب أوروبا، بينها إسبانيا وفرنسا واليونان، في ظل ظروف اتسمت بارتفاع الحرارة والجفاف وارتفاع مخاطر انتشار الحرائق. لكن وضع حرائق الجزائر ضمن هذا السياق الإقليمي لا يعني أن تغير المناخ هو السبب المباشر لكل حريق.
وتوضح الخبيرة أن “المناخ لا يختزل أسباب الاشتعال، إذ يظل العامل البشري حاضرا بقوة من خلال الإهمال والممارسات غير الآمنة، وهنا يصبح التفريق أساسيا بين سبب الاشتعال والعوامل التي تحدد شدة الحريق وانتشاره. فقد تبدأ النار بمصدر إشعال بشري، لكن ارتفاع الحرارة والجفاف وانخفاض رطوبة الغطاء النباتي والرياح يمكن أن تجعل الظروف أكثر ملائمة لتحول الشرارة إلى حريق واسع يصعب احتواؤه”.
ومن هذا المنظور، ترى معامرية أن “مواجهة الخطر لا ينبغي أن تقتصر على زيادة قدرات الإطفاء، بل تتطلب الانتقال إلى إدارة استباقية للمخاطر؛ تجمع بين التكنولوجيا والوقاية وتهيئة الفضاء الغابوي، بحيث لا تبدأ الاستجابة عند اشتعال النار وإنما قبل ذلك بوقت طويل”.
هل تغيرت طبيعة خطر الحرائق في الجزائر
إذا كانت الحرارة والجفاف والرياح وحالة الغطاء النباتي تفسر جزءًا في الظروف التي ساعدت على انتشار النيران، فإن السؤال الأوسع هو ما إذا كانت حرائق 2026 تعكس تحولا في طبيعة الخطر نفسه. في هذا السياق، تحذر منال سخري، الخبيرة والباحثة في السياسات البيئية، من استخلاص نتيجة نهائية انطلاقًا من موسم واحد.
وتقول سخري “لا يمكن القول أن النظام الحرائقي في الجزائر تغير جذريا اعتمادا على موسم واحد فقط، لكن تكرار الظروف المناخية الحارة والجافة، وامتداد فترات الخطر، وشدة بعض الحرائق تمثل مؤشرات تستدعي إعادة تقييم الفرضيات التي بُنيت عليها سياسات الوقاية وإدارة الحرائق في السنوات السابقة”.
المشكلة، كما ترى الخبيرة، تكمن في أن التخطيط قد يستند إلى تصور تاريخي لموسم الحرائق، بينما قد لا تكون الظروف المناخية التي ستواجهها الجزائر مستقبلا مطابقة لما عرفته في الماضي. لذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: “كيف نواجه حرائق هذا الموسم؟ وإنما كيف نستعد لنمط من المخاطر قد تصبح فيه الحرائق أكثر شدة وأقل قابلية للتنبؤ”؟
ولا يعني ذلك أن كل حريق جديد هو نتيجة مباشرة لتغير المناخ، بقدر ما يعني أن غير الظروف المناخية يمكن أن يفرض على الدولة إعادة النظر في مستوى الخطر الذي تفترضه خططها الحالية، وفي الأدوات التي تستخدمها للوقاية والاستعداد والاستجابة.
ومن هذا المنظور، تعتبر سخري أن “التغير المناخي يجب أن يتحول من مجرد خلفية بيئية للظاهرة إلى متغير أساسي في تقييم مخاطر حرائق الغابات والتخطيط لها، بما يشمل توقعات الحرارة والجفاف والرياح، إلى جانب توزيع السكان والطرق والمنشآت الحيوية وحالة الغطاء النباتي”.
وحسب الخبيرة ذاتها، “إذا كانت طبيعة الخطر تتغير، فلا يكفي أن تتطور وسائل إطفاء الحرائق، بل يجب أن تتطور معها طريقة التخطيط للوقاية منها وإدارة تداعياتها”.
وفي هذا الجانب، تضع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو” العلاقة بين المناخ والحرائق ضمن سياق أوسع، حيث تشير إلى أن ارتفاع درجات الحرارة والجفاف المرتبطين بتغير المناخ يمكن أن يزيدا من تواتر حرائق الغطاء النباتي وشدتها والمساحات المتضررة منها، من خلال جعل الغطاء النباتي أكثر جفافا وقابلية للاشتعال، وتهيئة ظروف مواتية لانتشار النيران.
كما توضح “الفاو” أن مصدر الاشتعال قد يكون بشريا أو طبيعيا مشيرة إلى أن النشاط البشري يمثل السبب الغالب لاندلاع حرائق الغابات في معظم المناطق في العالم.
هل ما تزال منظومة إدارة الحرائق تواكب الخطر؟

لم تعد الحرائق تطرح فقط سؤالا حول أسباب اندلاعها واتساع رقعتها، بل وضعت أيضا منظومة إدارة مخاطر الحرائق في الجزائر أمام اختبار جديد، فمع تزامن البؤر في أكثر من منطقة، وامتداد النيران إلى محيط التجمعات السكانية، وصعوبة التدخل في بعض المناطق الجبلية، لم يعد التعامل من الحرائق يقتصر على سرعة الاستجابة بعد اندلاعها، وإنما أصبح يتطلب استعدادًا يبدأ قبل وصول النيران، من خلال توقع بؤر الخطر والاستعداد لها وتقليص فرص تحولها الى كوارث واسعة.
وترى سخري، الخبيرة في السياسات البيئية، أن “ما حدث يستدعي تقييما شاملا لمنظومة إدارة مخاطر حرائق الغابات، ليس بالضرورة لأن المنظومة كانت غير فعالة، وإنما لأن طبيعة الخطر نفسها تتغير، وبالتالي يجب أن تتطور معها أدوات الوقاية والاستجابة”.
وتؤكد المتحدثة على أن “أول إصلاح ينبغي أن يبدأ هو الانتقال من منطق الاستجابة للحريق إلى إدارة مخاطر الحريق قبل وقوعه. وبدل انتظار اندلاع النيران حتى تتحرك المنظومة ينبغي تحديد المناطق الأكثر هشاشة مسبقا، ووضع خرائط ديناميكية للمخاطر، وربطها بالإنذار المبكر وخطط الإخلاء وفتح المسالك وتوزيع وسائل التدخل وفق مستويات الخطر”.
وبهذا المنظور لا تصبح سرعة إخماد الحريق المؤشر الوحيد على كفاءة المنظومة، فالحوكمة الحديثة للكوارث كما تقول سخري: “تقاس أيضا بعدد الحرائق التي تم منعها، وسرعة اكتشافها، والوقت الذي تستغرقه عمليات الإخلاء، وقدرة المؤسسات على التعلم من كل موسم وتحويل الدروس المستخلصة إلى إجراءات قبل الموسم التالي”.
وتشدد سخري على “أهمية التنسيق بين مختلف المتدخلين، من الحماية المدنية ومصالح الغابات والسلطات المحلية، ضمن مخططات الطوارئ، مع توضيح الأدوار ومسارات اتخاذ القرار وتبادل المعلومات”.
“فعالية الحوكمة الحديثة للكوارث لا تقاس فقط بعدد الحرائق التي تم اخمادها، وإنما أيضا بقدرة المؤسسات على منع بعض الحرائق، واكتشافها في وقت مبكر، وتسريع عمليات الإخلاء، ثم تقييم ما حدث واستخلاص نقاط الضعف واصلاحها قبل الموسم لكي يصبح التنسيق جزءا من دورة مستمرة لإدارة المخاطر، تبدأ بتحديد مواطن الهشاشة والاستعداد لها وتنتهي بالتقييم والتعلم والتحسين”، تقول الخبيرة.
وتضيف: “الاستجابة الميدانية في الجزائر تقوم على تعبئة عدة أجهزة، من الحماية المدنية ومصالح الغابات والسلطات المحلية وغيرها، غير أن التحدي من منظور الحوكمة يتمثل في جعل هذه الاستجابة جزءا من منظومة متكاملة، تبدأ قبل الحريق من خلال ربط المعلومات المناخية بالمعطيات الغابوية والتخطيط العمراني وإدارة الطرق والمسالك والإنذار المبكر والتواصل مع السكان”.
وتعني هذه المقاربة أن إدارة حرائق الغابات لا ينبغي أن تقاس بما يحدث أثناء الكارثة، بل بما ينجز قبلها وبعدها أيضا، فهل حُددت المناطق الأكثر تعرضا للخطر؟ هل استعدت مسالك التدخل؟ هل توجد خطط إخلاء واضحة؟ وهل جرى تقييم نقاط الضعف بعد انتهاء الموسم واصلاحها قبل تكرار السيناريو؟
الاستعداد يبدأ قبل موسم الحرائق
إذا كانت إدارة الحرائق تبدأ قبل لحظة الاشتعال، فإن الوقاية لا يمكن أن تترك إلى الأيام التي ترتفع فيها درجات الحرارة أو تندلع أولى النيران. وفي هذا الجانب توضح البروفيسور معامرية أن “الاستعداد يجب أن يمتد على مدار السنة، عبر تهيئة الفضاء الغابوي وتقليل كمية المواد القابلة للاشتعال، بما يحدد من فرص انتشار النار عندما تندلع”.
وأشارت البروفيسورة إلى “أهمية تفعيل برامج التهيئة الغابوية خلال فصل الشتاء، وتنظيف الأحراش، وصيانة المسالك الجبلية بما يسمح بمرونة تحرك فرق الحماية المدنية ومصالح الغابات، إلى جانب انشاء خطوط صد النار وتهيئة نقاط مياه استراتيجية داخل المناطق الغابية، وبذلك، لا تصبح الوقاية مجرد حملات توعية موسمية، وإنما جزءا من إدارة مستمرة للمجال الغابوي، تبدأ قبل موسم الحرائق وتستمر بعد انتهائه”.
“كل مسلك تتم صيانته، وكل خط صد يهيأ، ونقطة مياه تجهز، يمكن أن يمثل عنصرا من عناصر تقليص زمن التدخل والحد من انتشار الحريق. لكن الوقاية الميدانية وحدها لا تكفي في ظل مخاطر تتأثر بالطقس والمناخ. وهنا تبرز الحاجة إلى معرفة أين يرتفع الخطر ومتى، بدل التعامل مع جميع المناطق بالدرجة نفسها من الاستعداد”، تضيف البروفيسورة.
استراتيجية وطنية أم خطط محلية
إن امتلاك خرائط أكثر دقة للمخاطر لا يكفي وحده، ما لم تترجم هذه المعطيات إلى خطط واضحة لتوزيع الموارد وتنظيم التدخل، وضمان الإجلاء في الوقت المناسب. ويستدعي ذلك اعتماد مقاربة تجمع بين إطار وطني موحد لإدارة مخاطر حرائق الغابات، وخطط محلية تراعي خصوصية كل منطقة وطبيعة المخاطر التي تواجهها. ومن هذا المنطلق ترى منال سخري أن “الخيار لا ينبغي أن يكون بين النموذجين، وإنما في الجمع بينهما”.
فالجزائر، بحسبها “تحتاج إلى إطار وطني موحد يحدد معايير الوقاية وأنظمة الإنذار المبكر وقواعد التنسيق، وآليات توزيع الموارد، وبروتوكولات الإجلاء والاستجابة، لكن تطبيق إطار واحد بالطريقة نفسها على جميع المناطق لن يأخذ في الاعتبار الاختلافات البيئية والجغرافية والاجتماعية. فمخاطر الحرائق في المناطق الجبلية شمال شرق البلاد مثل جيجل وبجاية، لا تتطابق بالضرورة مع تلك التي تواجهها مناطق أخرى ذات ظروف مناخية أو تضاريسية مختلفة”.
ولهذا، تقترح سخري نموذجا يقوم على استراتيجية وطنية مشتركة، تترجم محليا الى خطط مبنية على خرائط المخاطر والخصوصيات البيئية لكل إقليم. وتندرج هذه المقاربة ضمن ما تصفه بـ “الحوكمة متعددة المستويات” حيث تتكامل القرارات الوطنية مع التخطيط المحلي بدل أن يعمل كل مستوى بمعزل عن الآخر. ويعني ذلك، أن نجاح خطر مكافحة الحرائق لا يرتبط فقط بوجود وسائل الإطفاء وإنما بقدرة كل منطقة على معرفة مخاطرها مسبقا، وتحديد المناطق الأكثر هشاشة، وتكييف توزيع الموارد ومسارات التدخل وخطط الإخلاء مع طبيعتها.
من رصد النار إلى الإنذار المبكر

خلال موجة الحرائق، لم تقتصر الاستجابة على عمليات الإخماد، بل شملت أيضا تدعيم أجهزة التدخل وحماية السكان في المناطق المهددة. حيث جندت إمكانيات بشرية ومادية متعددة، وعززت عمليات مكافحة النيران بوسائل جوية بالتوازي مع إجلاء سكان من مناطق محاذية لبعض بؤر الحرائق بهدف إبعادهم عن الخطر وتأمين سلامتهم.
وفي جيجل، حيث استمرت عمليات مكافحة عدد من الحرائق، أعلنت الحماية المدنية في 29 غشت/ أوت تعبئة طائرتي إطفاء من طراز AT-802، ومروحية Mi-26، وطائرة إطفاء BE-200 لدعم عمليات التدخل. كما استمرت فرق الحماية المدنية في تعزيز وحداتها بفرق إضافية من ولايات أخرى ووحدات وطنية متخصصة، بما يعكس حجم الموارد التي حشدت خلال ذروة الأزمة. وإلى جانب السيطرة على النيران، اتخذت السلطات الجزائرية إجراءات لحماية السكان ومتابعة المناطق المتضررة، فيما استمرت حالة التأهب لمواجهة بؤر جديدة أو عودة النيران في المناطق التي تم إخمادها. وأكدت السلطات، مع تحسن الوضع في جيجل، أن استقرار الحالة ارتبط أيضًا بتحسن الظروف الجوية واستئناف التدخلات الجوية.
وأبرزت الفكرة التي تدعو إليها البروفيسورة عائشة بية عمارية ما تسميه “الجيل الجديد من إدارة الكوارث” الذي لا يقوم على التدخل بعد اندلاع الحريق فقط، وإنما على تقليص زمن اكتشافه والاستجابة له قبل أن تتسع رقعته، وترجع الخبيرة إلى أن العمل يتطلب توسيع استخدام أدوات الرصد والكشف المبكر، من الطائرات المسيرة ونظم المعلومات الجغرافية (GIS) الى الكاميرات الحرارية، بما يسمح بمراقبة المناطق الأكثر عرضة للخطر وتحسين سرعة التدخل الأولي. لكن فعالية التكنولوجيا لا تُقاس بقدرتها على انتاج البيانات وحدها، بل تحويل المعلومة الى قرار: متى ترفع درجة التأهب؟ أين توجه وسائل التدخل؟ ومتى يُفعل الإجلاء؟ وهنا يصبح الإنذار المبكر حلقة تربط بين المعلومة المناخية والمراقبة الميدانية والقرار المؤسساتي وحماية السكان.
كيف تستعيد الغابات عافيتها
تشرح البروفيسورة معامرية لمنصة “هنَّ”، أن “إعادة تأهيل المناطق التي اجتاحتها الحرائق يجب ألا تختزل في إعادة غرس الأشجار بصورة آلية، بل ينبغي أن تستند إلى خطط علمية تراعي طبيعة كل نظام بيئي ومدى ملائمته للظروف المناخية الجديدة”، وتشدد على “أهمية اختيار أصناف نباتية محلية وأكثر قدرة على التكيف مع الظروف المناخية والحرائق، بدل اعتماد نموذج موحد لإعادة التشجير في جميع المناطق”، ومن بين الأنواع التي تشير إليها شجر البلوط الفليني بالنظر إلى خصائصه وارتباطه بالأنظمة البيئية المحلية.
وتعني هذه المقاربة أن “التعافي بعد الحريق” لا يبدأ بمجرد غرس الأشجار، وإنما بتقييم ما فقدته المنطقة، وفهم طبيعة النظام البيئي المتضرر، وتحديد الأنواع القادرة على إعادة تكوينه واستعادة وظائفه على المدى الطويل.
كما أن إعادة التأهيل تمثل فرصة لإعادة التفكير في طريقة إدارة الغابات نفسها، بحيث لا تعود المناطق المتضررة إلى الوضع السابق فقط، بل تصبح أكثر قدرة على مواجهة الظروف المناخية التي قد تزيد من مخاطر الحرائق مستقبلا وبذلك لا يصبح الهدف مجرد استعادةٍ لما احترق، بل بناء غابة أكثر قدرة على الصمود أمام الخطر القادم.
“إن حماية الثروة الغابية في الجزائر لم تعد مواجهة موسمية تُدار بالانفعال الطارئ، بل هي عملية تخطيط مستدامة ومستمرة طوال السنة، تجمع بين حزم القانون، وذكاء التكنولوجيا، ورصانة الاستشراف البيئي”، تخلص البروفيسورة عائشة باية معامرية.
من إطفاء الحرائق إلى منع الكارثة
تكشف حرائق 2026 أن إدارة مخاطر حرائق الغابات لم يعد بإمكانها أن تقوم على التدخل بعد اشتعال النيران وحده، فكلما تداخلت درجات الحرارة المرتفعة والجفاف والرياح مع غطاء نباتي أكثر قابلية للاشتعال وعوامل بشرية متعددة، أصبح هامش الوقت المتاح للتدخل أضيق، وارتفعت كلفة التأخر في اكتشاف الحريق واحتوائه.
ومن هذا المنطلق تتقاطع توصيات الخبراء عند ضرورة الانتقال من منطلق الإستجابة إلى إدارة المخاطر والاستباق، ويجب أن تكون الوقاية على مدار السنة وليس في الصيف فقط، عبر تهيئة الغابات وتنظيف الأحراش وصيانة المسالك وإنشاء خطوط صد النار ونقاط المياه بالتوازي مع تطوير أدوات المراقبة والكشف المبكر، كما يتطلب هذا التحول حسب الخبراء “الاعتماد على بيانات بيئة محدثة وخرائط ديناميكية للخطر، قادرة على تحديد المناطق الأكثر هشاشة وفق تغير درجات الحرارة والجفاف والرياح”.
وهكذا، فإن السؤال التي تطرحه حرائق 2026 لا يتعلق بعدد الحرائق التي اندلعت أو بحجم ما أخمد منها، وإنما بمدى قدرة الجزائر على التعلم من كل موسم، وتحويل ما يكشفه من نقاط ضعف إلى إجراءات قبل الموسم التالي. وفي الأخير قد لا يكون السؤال الأهم بعد صيف 2026 هو كم حريقا أخمد؟ وإنما كم خطرا استطعنا أن نمنعه قبل أن يتحول إلى كارثة؟
وهذا ما تؤكد عليه الدكتورة منال سخري، الخبيرة والباحثة في السياسات البيئية: “الرهان اليوم ليس فقط أن نكون أسرع في إطفاء الحرائق، وإنما أن نكون أذكى في منعها والاستعداد لها، لأن المناخ يتغير، وبالتالي يجب أن تتغير معه منظومة إدارة المخاطر في الجزائر”.











