حارسات ذاكرة المُعتقلات.. يوميات النساء في مواجهة الانغلاق السياسي

منذ سنوات قليلة فقط، كانت تونس تُقدَّم بوصفها الاستثناء الديمقراطي في المنطقة، بلدٌ استطاع أن يبني لنفسه مسارًا دستوريًا تعدديًا، ويمنح المجتمع المدني والصحافة مساحةً حرّة نادرة. لكنّ هذا الاستثناء لم يدم طويلًا. فمنذ 2021، دخلت البلاد طورًا جديدًا اتّسم بتوسّع غير مسبوق في صلاحيات السلطة التنفيذية، وتراجع مؤسسات الرقابة، وتجميد الهيئات التعديلية، وعودة الاعتقالات السياسية، والقيود الأمنية، ومحاكمات الرأي.

وسط هذا التحوّل، ظهرت معاناة أخرى هامشية في التناول لكنّها مركزية في أثرها، وهي، معاناة النساء القريبات من المعتقلين.ات السياسيين.ات. أمّهاتٌ يُقاومن العمر والقلق، زوجاتٌ تُعاد صياغة حياتهن وفق توقيت السجن، أخواتٌ يقفن على خطوط التماس القانونية، وبناتٌ يتهشّم حضور الأم في وجدانهن خلف زجاج بارد.

في هذا التقرير تعود منصة “هنَّ” لتشكل صورة وضع النساء في قلب الاعتقال، بوصفهن حارسات لذاكرة المعتقلات، وشاهدات على انغلاق سياسي ينعكس على أدقّ تفاصيل الحياة اليومية.

شهادة أم: حين تُسجَن الابنة وتُختَبَر الأمومة

لم تكن السيدة آمنة الرياحي -والدة المعتقلة شريفة الرياحي- تتخيّل يومًا أن تُختبر أمومتها على هذا النحو، أو أن تجد نفسها في قلب تجربة ثقيلة كهذه، تُجرّد فيها ابنتها من أمومتها وحريتها، وتُترك العائلة معلّقة بين احتمال العدالة وقلق الانتظار. 

تقول الأم، وهي تستعيد أنفاسها بصعوبة: “شريفة امرأة محترمة، كان من المفترض أن لا تُعاقَب على نشاطها المدني وقد كُرّمت فعلا سنة 2022 على خلفية النشاط ذاته الذي اعتقلت من أجل اليوم”، هكذا تبدأ قصّتها، بين الحيرة والغضب والذهول الذي يسكنها منذ اللحظة الأولى.

حين بدأت القضية التي زُجّ فيها عدد من الناشطين معها -تضيف الأم- تغيّر كل شيء. البيت الذي كان قد التئم بعد وفاة الأب قبل ثلاث سنوات، عاد وتفرّق تحت وطأة الصدمة. أمٌّ مثقّفة، وطبيبة تعرف طبيعة الأجساد حين تنهار، تؤكد على أنها منذ ذلك اليوم تحديدًا لم تعد تفهم شيئًا: “تجمّد عقلي. صرت أتحرك كآلة، أفعل كل شيء، ولا أسمح لنفسي بالتفكير. لأنني إذا فكّرت، أتخيّل شريفة بين أربعة جدران، بلا نور ولا شمس”.

الزيارة التي كانت تكفي لإحياء الأم قليلًا، كانت في المقابل تكسر طفلها الصغير -تروي الأم- مستذكرة تلك اللحظة التي التصق فيها صوت الخوف في حلقه حين سألها: “هل ماما ماتت؟” وتُشير إلى طفلتها التي تركتها رضيعة فحُرمت هي من أمومتها وحُرمت الطفلة من رضاعة طبيعية.

ووسط كل هذه الصور التي تُحاول السيّدة آمنة ترتيبها، تُحاول في الآن ذاته أن لا تتوقّف عند الوجع فقط، فتذكّر بالإرث العائلي الذي تحمله شريفة المتمثّل في تاريخ جدّها الكبير إبراهيم الرياحي، والذي كان له دور كبير في إلغاء العبودية في تونس بعد أن أفتى بعدم صحّة عقد بيع العبيد ما ساهم في إصدار الباي أحمد باشا الأول قانونا نهائيا بإلغاء العبودية سنة 1846. ومع ذلك، فهي لا تجد تفسيرًا لما يحدث واصفة وضعية شريفة بكلمات واضحة “وضعية غير إنسانية وغير قانونية..الظلم لا يدوم وستخرج ابنتي من السجن وترفع رأسها عاليا”. 

وتأتي قضية شريفة الرياحي في لحظة سياسية شديدة الحساسية في تونس، حيث تشهد البلاد توسّعًا واضحًا في استخدام الإيقاف التحفظي والمتابعات القضائية ضد نشطاء المجتمع المدني، والصحفيين.ات، والفاعلين.ات في الفضاء العام. 

فضلًا عن غياب الشفافية حول عدد من الملفات القضائية ذات الطابع السياسي. فالاعتقال لم يعد معزولًا عن المناخ العام، بل أصبح مرتبطًا بتشدّد السلطة التنفيذية وتراجع الضمانات الدستورية والقضائية التي كانت تُعدّ مكسبًا بعد 2011. كما أنّ هذا الملف بالذات اتّسم بردود أفعال السلطة تُجاه قضيّة مهاجري.ات أفارقة جنوب الصحراء وفي إطار هجمة شرسة على الجمعيات التي تأويهم.ن وساعدهم.ن.

شهادة زوجة: حين تتحوّل السنوات إلى دائرة مغلقة

في شهادتها، كانت منية إبراهيم زوجة المعتقل السياسي المنتمي لحركة النهضة عبد الحميد الجلاصي، تتحدّث وكأنّها تسترجع تاريخًا كاملًا من الألم، تاريخًا ظلّ يرافقها منذ شبابها الأول ويعود إليها الآن وهي على مشارف التقاعد. يوافق تاريخ 18 أكتوبر 2025 التاريخ الثقيل الذي أتمّ فيه زوجها عبد الحميد الجلاصي عشرين سنة متنقّلًا بين سجون بورقيبة وبن علي والسلطة الحالية. عشرون سنة موزّعة على مراحل سياسية مختلفة، لكنّها تتقاطع في نقطة واحدة؛ القمع واحد، وإن تغيّر وجه النظام.

“لقد عاش عبد الحميد عشرون سنة في سجون كل الأنظمة التي واكبها، إنّه يفهم الدولة وأزمتها أكثر ممن يديرونها اليوم”، تقول زوجته، فالمسألة -حسب وصفها- أكثر تعقيدًا من المقارنات، فهي لا تتعلق بالتاريخ السياسي فقط، بل بتجربة إنسانية أثقل وأعمق وأكثر إيلامًا.

تستذكر السيّدة منية بدايات اعتقال زوجها التي صادفت بدايات شبابها ودخولها الجامعة، كانت طالبة في الرابعة والعشرين من عمرها حين وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع عنف الدولة. حرموها من الدراسة، ومن العمل، ومن حقوقها المدنية والسياسية، ووضعوها تحت حصار اجتماعي خانق. مرّت بتجربة السجن، وقضت عشر سنوات كاملة تحت المراقبة الإدارية والأمنية، كانت تُعاقَب فقط لأنّها زوجته بدرجة أولى، ولأنّها في الوقت نفسه ناشطة سياسية معروفة داخل الجامعة بدرجة ثانية. تتذكر: “كانوا يطلبون مني أن أتركه.. تدخلوا في حياتي الشخصية وفي اختياراتي لكنّني لم أترك رفيقي قطّ”.

حين جاءت ثورة 2011، اعتقدت منية أنّ الصفحة طُويت، وأنّ البلاد دخلت مرحلة جديدة. انخرطت في العمل السياسي وترشّحت للمجلس التأسيسي. أخطأت مرّات، كما تقول، لكنّها كانت تحاول “أن أفعل شيئًا للبلاد” حسب رؤيتها الخاصّة. ومع ذلك عادت الدوامة لتبتلعها مجددًا سنة 2021.

“في بداية عمري وفي آخر عمري، أتعرّض للعنف نفسه”، تقول منية بصوت ثقيل، واصفة هذه المرحلة بأنّها أسوأ من كل ما سبق، لأنّها جاءت بعد عشر سنوات من الحرية والمواطنة، “بعد أن عشتُ عشر سنوات كمواطنة كاملة الحقوق، لم أتوقع أن أفقد هذا الإحساس فجأة… إنّها طعنة في الظهر”.

كانت الأنظمة السابقة -على حدّ وصف محدّثتنا- مستبدّة، لكنّها كانت مفهومة ضمن سياق صدام سياسي واضح. أمّا اليوم، فإنّ الإيذاء يبدو بلا منطق، بلا معركة حقيقية، بلا حدود. وعن معاناتها اللامرئية تتحدّث عن وحدتها وهي المشرفة على التقاعد، فهي تسكن وحدها، تخاف الوحدة، تراقب صحتها وصحّة زوجها التي قد تتدهور في أي لحظة خاصّة بعد دخوله الإضراب عن الطعام. حتى ابنتها الوحيدة لا تستطيع مطالبتها بالعودة إلى تونس، لأنها خائفة عليها من الدولة نفسها.

وتتذكر المتحدثة: “كتبت ورقة لأتركها عند الجارة… فيها أرقام هواتف. قلت لها: إن حدث لي شيء تواصلي مع هذه الأرقام، حتى لا أبقى ملقاة داخل المنزل دون أن يعلم أحد”.

أصبحت حياة النائبة السابقة اليوم تُختزل في الطوابير، القلق، الحسابات اليومية، الطهي لساعات طويلة لإعداد القفّة، الممنوعات التي تتجاوز المسموح في الزيارة، المعاملة القاسية التي تجعل السجناء “مواطنين من الدرجة الثالثة أو الرابعة”، وانتظار ساعة لقاء زوجها.

تكشف شهادة منية إبراهيم جانبًا أساسيًا من طبيعة المرحلة السياسية في تونس: مرحلة تتشابك فيها محنة المعتقلين.ات السياسيين.ات مع محنة عائلاتهم، وتعود فيها أساليب القمع والملاحقة التي ظُنّ أنها انتهت مع ثورة 2011.

قضية عبد الحميد الجلاصي لا تنفصل عن السياق العام الذي تعيشه البلاد منذ 25 جويلية 2021، حيث توسّعت الاعتقالات والمحاكمات الاستثنائية، وجرى التضييق على الأصوات المعارضة والصحفية والحقوقية، في غياب ضمانات المحاكمة العادلة وعودة هيمنة السلطة التنفيذية على كل الفضاءات المدنية.

شهادة ابنة: حين يصبح الغياب جدارًا من زجاج

تبدأ بلقيس غريسة ابنة المعتقلة سلوى غريسة كلامها بتحية قصيرة، ثم تختنق من ثقل الكلمات: “لقد أصبحتُ، كابنة لامرأة معتقلة سياسيًا، أعيش صعوبة لا تُحتمل”. تصف إحساسها الأول حين تدخل قاعة الزيارة وتجد أمّها خلف ذلك الحاجز الزجاجي البارد: “إنه أسوأ ما يمكن أن يحدث لإنسان، أعتقد حقًا أنه أسوأ من الموت”.

ترى أمّها، تسمع صوتها عبر الهاتف المثبّت، لكن لا يمكنها لمسها، ولا ضمّها، ولا قول ما يسعدها. بينهما يكسر الزجاج الكلمات، ويجعل الابنة عاجزة أمام الألم الذي يفيض منها ومن أمّها معًا. توضح: “أشعر أنّ الكلمات ممنوعة عنّي، كأنّها لا تريد الخروج من حلقي”.

وتصف بلقيس أمها بأنها امرأة “قوية بطريقة لا تُصدّق”، تقف صلبة رغم كل ما حدث. تنتظر الحقيقة، تنتظر إطلاق سراحها، تنتظر عودة الحياة إلى مسارها الطبيعي. أمّا بلقيس نفسها، فقد أتعبها بُعد المسافات. تدرس في فرنسا، وتحمل هذا الغياب على شكل ثقل نفسي ينهش يومها: “لقد تأثرتُ نفسيًا ودراستي تدهورت، لا أستطيع التركيز إطلاقًا..أتخيّلها في الاستجواب وأفكّر: هل يمكن أن يؤذوها؟”.

وفي لحظة تتجاوز فيها الألم الخاص نحو النداء العام، تقول بلقيس: “علينا أن نساعد، علينا أن نقول ما نفكر فيه بصوت عالٍ. لا تخافوا فالحقيقة ستظهر دائمًا في النهاية”.

وتقدّم شهادة بلقيس غريسة صورة مكثّفة عن أثر الاعتقال السياسي على الأبناء والبنات، وعن الثقب النفسي الذي يتركه غياب الأم داخل منظومة سجنية مغلقة. وضعية سلوى غريسة، وهي أستاذة جامعية وفاعلة مدنية، تكشف حجم الانحراف الذي عرفته تونس في السنوات الأخيرة، حيث تحوّلت ممارسات الدولة إلى أدوات تضييق ومحاصرة للأصوات المعارضة، بما في ذلك النساء اللواتي كان لهن دور بارز في الفضاء المدني والأكاديمي.

السجن بالنسبة لبلقيس ليس حدثًا سياسيًا فقط، بل انهيارًا نفسيًا يوميًا، فالاعتقال لا يستهدف الجسد فقط، بل يضرب الروابط الأساسية داخل الأسرة، ويحوّل الزيارة إلى لحظة تعذيب عاطفي، ويُخرج الأبناء من مساراتهم الدراسية والحياتية.

إنّ تجربة سلوى غريسة وبلقيس ليست حالة فردية، بل هي جزء من تراكم أوسع يشهده المشهد المدني التونسي، حيث يتلاشى هامش الحريات، ويعود الضغط البوليسي والإداري، وتصبح العائلات وحدها في مواجهة منظومة محكمة الإغلاق. وفي قلب هذا المشهد، تقف الابنة المغتربة، الخائفة، المنهكة، شاهدة على ثمن الكلمة في زمن تتراجع فيه المواطنة إلى حدودها الدنيا.

شهادة أخت: حين تنهش السلطة الحارسة الأخيرة

تتحدث دليلة مصدق شقيقة المعتقل السياسي جوهر بن مبارك بصوت متعب، كأنّ الكلمات تحمل ثقل سنوات مضغوطة في شهور قليلة. تقول إنها اليوم تتحمّل أعباء أكبر ممّا قد يطيقه قلب واحد: فهي الأخت الوحيدة بعد وفاة الأم، وهي أيضًا محامية شقيقها ومرافِقته القانونية في مسار قضائي متشعب ومثقل بالتهديدات والتجريم السياسي.

وترى نفسها مجبرة على ارتداء عدّة أدوار دفعة واحدة: المحامية التي تدافع عن حقوق جوهر في الملفات القانونية، والناطقة باسمه في الإعلام، والشقيقة التي تُبقي صوته حيًّا في الفضاء العام عبر التوضيح المستمر للمظلمة التي يتعرض لها. 

وتشرح كيف أصبحت هذه الأدوار عبئًا يوميًا ثابتًا متمثّل في إعداد الطعام ثلاث مرات في الأسبوع لشقيقها الموقوف، برفقة والدها المناضل عزّ الدين الحزقي، ثم زياراتها المتكررة له مرتين في الأسبوع، مرة بصفتها محامية، ومرة بصفتها أختًا تُبقي خيط العائلة ممدودًا عبر زنازين السجن.

لكن الثمن باهظ، فالتصريحات التي تقدّمها أمام وسائل الإعلام وهي تصريحات تسعى قبل كل شيء لشرح حقيقة ما يعيشه شقيقها أصبحت تُعتبر من قِبل النظام “تهجّمًا على السيادة”. فهي تواجه قضيتين جنائيتين بمقتضى المرسوم 54، فقط لأنّها تحدّثت عن ملف جوهر ورفاقه وعن ظروف محاكماتهم.

تقول بصراحة مؤلمة: “أنا أعيش اليوم في خوف، خوف على شقيقي، خوف على نفسي، خوف على والدي، وخوف على بلدي. الحمل ثقيل، أثقل مما يحتمله صدري، وقد أتعبني وأرهقني.”

هكذا تبدو شهادة دليلة، رواية امرأة تجد نفسها على خطوط التماس الأولى مع الدولة، تقاوم من أجل حرية أخيها ومن أجل حقّ الجميع في العدل والكلمة، فيما يتساقط عليها الثمن من كل الجهات. كما تعكس هذه الشهادة صورة أوسع عن المناخ السياسي المتوتّر في تونس منذ حملة الإيقافات الواسعة، ويُعدّ ملف جوهر بن مبارك -الناشط السياسي المعروف وأحد أبرز الوجوه المعارضة- أحد أكثر الملفات دلالة على التدهور الذي أصاب ضمانات المحاكمة العادلة وحرية التعبير في البلاد خاصّة بعد نفي وزيرة العدل ليلى جفال لإضرابه عن الطعام في كلمة ألقتها داخل سدّة البرلمان.

يواجه جوهر، شأنه شأن عدد من النشطاء الموقوفين، اتهامات ذات طابع سياسي تعتمد على تأويلات فضفاضة للنصوص القانونية، وعلى رأسها المرسوم 54 الذي تحوّل إلى أداة لتجريم المواقف النقدية وملاحقة الأصوات المنتقدة للسلطة.

وفي ظل غياب محاكمات سريعة وشفافة، أصبحت عائلات المعتقلين، وخاصة النساء منهن، جزءًا من المشهد النضالي، يتحركن بين المحاكم، والإعلام، والسجون، حاملات العبء المزدوج للقلق الشخصي والمسؤولية المدنية. تكشف شهادة دليلة أيضًا عن اتساع دائرة الاستهداف لتشمل حتى الأقارب المدافعين عن حقّهم في التعبير عن حقيقة ما يحدث، ممّا يخلق مناخًا من الرهبة والخوف ويقوّض فضاء الحريات الذي بُني بعد الثورة.

الوجه الخفي لمعاناة القريبات

تقول الناشطة الحقوقية لبنى السعيدي إنّ قربها من المعتقلين والمعتقلات ومن عائلاتهم جعلها تشاهد المعاناة من مسافة الصفر. فهي تعرفهم شخصيًا، عملت معهم، وتابعت مساراتهم داخل المجتمع المدني، ولذلك يصعب عليها أن تكون محايدة حين تجد أولئك الذين عرفتهم أحرارًا، فجأة خلف القضبان، بينما ينتظر الأطفال آباءهم وأمهاتهم في طوابير الزيارة.

وتُشير لبنى إلى أنّ الألم واحد، لا علاقة له بمستوى التعليم أو الخلفية الاجتماعية. فالعائلات، مهما اختلفت، تواجه الشرخ ذاته حين يُعتقل أحد أفرادها باعتباره “سجين رأي”. وتُلفت إلى أنّ النساء هنّ من يتحمّلن العبء الأكبر: الأم التي تُحضّر الطعام وهي تتساءل إن كان مسموحًا بإدخاله، الأخت التي تشرف على الزيارات، الابنة التي تنظّم المواعيد وتتعامل مع العالم الخارجي، والزوجة التي تتحوّل حياتها إلى توقيت محكوم ببوابة السجن. المهام تبدو بسيطة من الخارج، لكنّها تتحوّل في الواقع إلى همّ يومي ثقيل لا يغادر المرأة لحظة واحدة، في نومها، في تفكيرها، وفي تفاصيل البيت.

وتذكر لبنى مثال شريفة الرياحي التي كانت تؤكّد على إعداد الطعام لستة سجينات معها دفعة واحدة، بينما تحمل عائلتها كلفة نفسية مرهقة. وتشدّد على أن الزيارة في تونس ليست حقًا كاملًا، فالقانون يسمح فقط لأفراد العائلة المقرّبين، مهما كان وجود أشخاص آخرين سواء رفاق أو أصدقاء أو شركاء/شريكات حياة أقرب إلى السجين من أهله.

كما تنتقد لبنى النظام القانوني الذي يحرم السجين من اختيار قائمة زائريه، ويحوّل دور بعض المحامين إلى مجرّد وسطاء بسبب منع الرسائل داخل السجن. وتقول إنّها صدمت بمدى التعسّف في الإجراءات، وبالفجوة بين ما تعرفه كحقوقية وما تكتشفه حين ترافق العائلات على أرض الواقع.

وتلخّص لبنى شهادتها بفكرة موجعة: “السجن لا يَحبِس المعتقلين.ات فقط، بل يفرض على النساء خارج الأسوار حياةً كاملة تدور في فلك الزيارة، الانتظار، والقلق وهي معركة صامتة لا تُرى ولكنّها الأكثر قسوة”.

لا يمكن قراءة الاعتقالات السياسية في تونس بمعزل عن النساء اللواتي يقفن في الصفوف الأولى من المعاناة اليومية. فالأمهات، الزوجات، الأخوات، والبنات، كل واحدة تحمل جانبًا من انهيار الحقّ في الحرية والمحاكمة العادلة.

وتكشف الشهادات الأربع أنّ الاعتقال لا يستهدف فردًا فقط، بل شبكة كاملة من العلاقات الإنسانية. ففي مرحلة يتراجع فيها الهامش المدني، وتضيق مساحات التعبير، تتحوّل النساء إلى مرآة هشاشة الدولة وإلى حارسات الذاكرة العامة، يقفن عند خط التماس بين القمع والصمود، بين الخوف والأمل، وبين القفّة والزجاج البارد.

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • حماية المدافعات عن حقوق الإنسان شرط أساسي لاستدامة الديمقراطية

    سارة سوجار في الوقت الذي يحتفي فيه العالم بنضال النساء ضد العنف وبصمودهن في مواجهة التحديات، تتكشف في المغرب مفارقات مؤلمة. فبينما تتغنى الخطابات الرسمية بالتمكين والمساواة، تكشف تجارب العديد من النساء—صحافيات وحقوقيات وناشطات وشابات—عن واقع مغاير: الفضاء العمومي مازال محفوفا بالعنف الرمزي والمادي، وبالمضايقات المرتبطة بحرية التعبير والمشاركة والمطالبة بالحقوق. الحالات التي وثقتها تقارير…

    Hounna | هنّ|

  • مبادرة نسائية مغربية ضد التطبيع من أجل الوقف الفوري لحرب الإبادة

    منظمات وهيئات نسائية، حقوقية وسياسية مغربية، توجه رسالةً مفتوحة إلى سفراء الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، ألمانيا وفرنسا، تحت عنوان "المبادرة النسائية المغربية من أجل الوقف الفوري لحرب الإبادة وضد التطبيع"، حملت هذه الدول "المسؤولية التاريخية أمام البشرية جمعاء كأجيال حاضرة ومستقبلية في هذه الحرب الدموية". وقالت الهيئات النسائية المغربية في رسالتها، أن هذه الدولة التي…

    Hounna | هنّ|

  • حوار| الناشطة النسوية أمال حجاج: “قانون الأسرة الجزائري يعيق تطور المجتمع بأكمله”

    منذ أربعين عامًا، تناضل الناشطات النسويات والجمعيات النسوية الجزائرية، ضد قانون الأسرة الذي صدر في 9 يونيو 1984 وعُدّل في عام 2005، إذ تعتبرن أن هذا القانون "منافي للدستور الجزائري، ولا يحقق المساواة بين الرجال والنساء، بل يكرس التمييز والظلم الاجتماعي عبر مواده". ولسنوات عديدة، تكافح الأمهات المطلقات ضد المادة 66 التي تتيح إسقاط حضانة…

    ماجدة زوين|

  • حوار| صفاء أقراب: نساء سيكوميك لسن ضحايا فقط بل معلمات حقيقيات في مدرسة النضال

    في المغرب، حيث تتقاطع سياسات الحكومة في التقدم المبني على البنية التحتية مع واقع التهميش البنيوي، تُسطّر عاملات “سيكوم/يك” واحدة من أبلغ صفحات الصمود العمالي النسائي.  أربع سنوات من الاعتصام أمام فندق “ريف” في مكناس، بعد طرد تعسفي وحرمان من أبسط الحقوق، كانت كافية لتحوّل الرصيف إلى مدرسة نضالية، والخيمة البالية إلى رمز للكرامة المهدورة.…

    شادي بخاري|

  • الفيديوهات

  • “لم نتوصل بالدعم”..نساء الحوز يكشفن الوجه الآخر لإهمال ضحايا الزلزال

    يبدو أن بلدة مولاي إبراهيم بإقليم الحوز، جنوب مدينة مراكش، لن تتعافى قريبا من تبعات الزلزال الذي بعثر سبل العيش هناك، خاصة أن أغلب سكان البلدة كانوا يعيشون على نشاط السياحة الداخلية التي يجلبها ضريح مولاي إبراهيم، فالتجارة والإيواء وخدمات أخرى توفرها الساكنة، خاصة نسائها، توقفت اليوم بشكل كلي، ولا أمل يلوح في الأفق لعودة…

  • محاكمة عسكرية للمعارضة التونسية شيماء عيسى

    لم تغلق المحكمة العسكرية بعد، ملف محاكمة شيماء عيسى، المعارضة التونسية والقيادية في جبهة الخلاص الوطني، فقد تم تأجيل جلسة، محاكمتها إلى 10 أكتوبر، القادم.