
“لم أكن أجرؤ على الحديث عنه، كان الأمر يحدث أمام الجميع؛ نظراته، لمساته الخاطفة، تعليقاته التي تزداد جرأة كل يوم، في بيئة العمل التي يُفترض أن تحترمنا… شعرت أن جسدي مهدد، وأن كلمتي لا تُسمع، وكنت أخاف من فقدان وظيفتي أكثر من خوفي من التحرش ذاته”، بهذه الكلمات الموجعة، بدأت نسرين حديثها لمنصة “هنَّ” عن معاناتها اليومية في مكان عملها.
كتمت نسرين معاناتها ثلاث سنوات، إلى أن تم إنهاء عقدها بملاحظة “سلبية” من مديرها، المتحرش نفسه، في قصة غير متكافئة العدالة، الخصم هو ذاته الحكمُ.
ولكن قصة نسرين ليست استثناءً، بل وجه آخر من وجوه عديدة لنساء يعشن تحت الضغط، والخوف، والإهانة، في أماكن يُفترض أنها آمنة.
الصمت قانونًا غير مكتوب
في مجتمع ما يزال فيه الحديث عن التحرش الجنسي، والاعتداءات الجنسية من المحرّمات الاجتماعية، تتفاقم الظاهرة في صمت، وتتحول في بعض الأحيان إلى جرائم بشعة تهز الرأي العام.
ففي عام 2020، اهتزّ الشارع الجزائري بعد العثور على جثة الشابة شيماء، ذات الـ19 ربيعًا، في محطة وقود مهجورة بولاية بومرداس، بعدما اختُطفت أثناء عودتها من منزل صديقتها، وتعرضت للاغتصاب والتنكيل والحرق. هزت القضية البلاد، وتحولت إلى رمز للألم والخوف.
لم يتوقف الأمر عند ذلك، قضية مأساوية أخرى تم تسليط الضوء عليها مؤخرًا من خلال مقطع فيديو، تتعلق بطفلة لا يتجاوز عمرها 11 سنة، تعرضت للتحرش والاعتداء الجنسي من طرف والدها، في واحدة من أبشع صور العنف القائم على النوع.
هذه الحالة، وغيرها، وثّقتها ونشرتها صفحة TBD Algeria، وهي مبادرة ناشطة في مكافحة التحرش الجنسي وثقافة الاغتصاب، حيث أطلقت عدة حملات منها “#افضحو_المتحرش” و“#صوريه_واشكي” لكسر حاجز الصمت وتمكين الضحايا من التبليغ والفضح.
إعتداءات في الفضاء العام
حتى الطالبات الجامعيات لم يسلمن من هذه الاعتداءات، إذ تعرّضت إحدى الطالبات بجامعة الجزائر لمحاولة اغتصاب من طرف سائق حافلة، أثناء عودتها من امتحان الاستدراك.
ومؤخرًا، انتشر مقطع فيديو عبر تطبيق “تيك توك” يُظهر مجموعة شباب يقومون بالتحرش الجنسي بمريضة نفسيًا خلال بث مباشر، في واقعة أثارت استياءً وغضبًا واسعين.
أيضًا، أصبحت كثيرات يعانين من التحرش المتكرر من سائقي سيارات الأجرة العاملة عبر تطبيقات النقل الذكي، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة الصارمة، وهو ما يجعل من التنقل اليومي محفوفًا بالمخاطر بالنسبة للنساء.
“لم أكن أرتدي شيئًا ملفتًا… ومع ذلك، تحرّش بي”، تقول سمية طالبة جامعية (23 سنة)، مضيفةً في شهادتها أنه “في كل مرة كنت أمر بجانب ورشة بناء، كنت أسمع نفس العبارات… رغم أنني كنت أرتدي عباءة طويلة وحجابًا“.
“فهمت يومها أن التحرش لا علاقة له بما نرتديه، بل بعقلية مريضة ترى جسد المرأة غنيمة”، تقول سمية في شهادة تلخص معاناة الكثير من الفتيات في الشارع، الحافلة، الجامعة، أو حتى أثناء تسوّق عادي.
أرقام تُدق ناقوس الخطر
بحسب ما كشف عنه الدكتور رشيد بلحاج، رئيس مصلحة الطب الشرعي بمستشفى “مصطفى باشا الجامعي” بالجزائر العاصمة، في تصريحات لعدد من المواقع الإخبارية الجزائرية، تم “تسجيل 189 حالة اعتداء جنسي منذ بداية عام 2023، العديد منها بدأ بسلوك تحرشي”.
وأوضح بلحاج أن تحقيقات الطب الشرعي “أظهرت أن عددًا من هذه الجرائم ارتُكب من قبل أفراد من البيئة القريبة للضحية، مثل أفراد العائلة أو الجيران، وهو ما يزيد من تعقيد الظاهرة وخطورتها داخل النسيج الاجتماعي”.
ودق الطبيب ناقوس الخطر محذرًا من “توسّع دائرة الانتهاك، خصوصًا مع الاستخدام غير المحمي للهواتف الذكية من قبل الفتيات القاصرات، اللواتي أصبحن فريسة سهلة لما وصفهم بـ’المفترسين الجنسيين’ المتربصين خلف الشاشات”.
لكن التحدي الأكبر، بحسب المختصين، لا يكمن في عدد القضايا فقط، بل في “جدار الصمت الذي يُطبِق على الضحايا، لا سيما النساء والفتيات اللواتي يخشين الإبلاغ خوفًا من ‘وصمة العار’ أو ‘الفضيحة العائلية’”.
ورغم تشديد القوانين وتوقيع عقوبات تصل إلى السجن المؤبد في بعض القضايا، فإن الأرقام تؤكد أن الاعتداءات مستمرة بوتيرة مقلقة.
التحرش يترك ندوبًا صامتة
وفقًا للدراسات النفسية، لا يُختزل التحرش الجنسي في لحظة صادمة تنتهي بانتهاء الموقف. بل هو عنف نفسي خفي يخلّف وراءه ندوبًا طويلة الأمد؛ وكثير من الضحايا يعانين من اضطرابات في النوم والقلق المستمر، ويبدأن بفقدان ثقتهن بأنفسهن تدريجيًا.
يتحولن إلى العزلة والانطواء، ويتجنبن الأماكن العامة أو أي مواقف قد تُعيد إليهن الشعور بالخطر. البعض منهن يضطررن إلى ترك العمل أو الدراسة، هربًا من بيئة لم تعد تشعرهن بالأمان.
وفي حالات أكثر تعقيدًا، قد تتطور هذه الآثار النفسية إلى أفكار انتحارية، خاصة عندما يقابل المجتمع صمتهن بصمت مضاد، أو لوم مضاعف.
هذا الألم غير المرئي يُراكم جراحًا لا تُرى، لكنه يغيّر مجرى الحياة بالكامل. والتحرش، في هذا السياق، وفق مختصين استشارتهم منصة “هنَّ” “لا يجب أن يُنظر إليه على أنه تصرف طائش عابر، بل كجريمة نفسية تؤثر على الكيان الداخلي للضحية وتُعيد تشكيل نظرتها للعالم من حولها”.
الفضاء الرقمي ينتفض: حين يُفضح المتحرش علنًا
في مواجهة هذا الواقع، لجأت كثير من الفتيات إلى الهواتف المحمولة ومواقع التواصل الإجتماعي كسلاح لمواجهة المتحرشين.
وتحت وسم #افضحو_المتحرش، نشرت جزائريات تسجيلات تُظهر شبانًا ومراهقين يتحرشون بهن في الشوارع والأسواق ووسائل النقل.
كما لم تعد الشهادات تقتصر على النساء؛ بل بدأت تطفو على السطح قصص مؤلمة لشباب وأطفال تعرضوا لتحرش جنسي، سواء من بالغين في المحيط العائلي، أو من غرباء في المدارس والشوارع.
في مواجهة ثقافة الاغتصاب
برزت جمعية “لغدٍ أفضل” كمنصة جزائرية تناضل ضد ثقافة الاغتصاب والعنف الجنسي، وتقدم الدعم النفسي والقانوني للناجين والناجيات، خصوصًا من النساء والأطفال.
من خلال مبادرتها “#افضحوا_المتحرش”، منحت الجمعية صوتًا لمن خُنقت أصواتهم. شجعت ضحايا الاعتداءات على المواجهة، على استخدام الكاميرا كأداة لحماية أنفسهم، وعلى تقديم المتحرشين للمجتمع، لا كضحايا “استفزاز”، بل كمجرمين.
وحظت المبادرة بدعم واضح من السلطات، التي سارعت في العديد من الحالات إلى فتح تحقيقات عاجلة وتوقيف المتورطين، بناءً على ما يتم نشره عبر المنصات الرقمية.
هذا التفاعل السريع يعكس تحوّلًا في التعاطي الرسمي مع قضايا التحرش، التي كانت تُقابل سابقًا بالتجاهل أو البطء.
القانون: خطوة ضرورية لكنها غير كافية
في قانون العقوبات الجزائري، أُدرجت سنة 2015 المادة 341 مكرر التي تنص على: “يُعاقب بالحبس من شهرين إلى سنتين، وغرامة مالية من 50.000 إلى 100.000 دج، كل من تحرّش بالغير في أماكن العمل أو الفضاءات العامة، بأقوال أو أفعال أو إشارات ذات طابع جنسي غير مرحب بها ومتكررة”.
ورغم أهمية هذا النص، إلا أن تفعيل القانون على أرض الواقع مازال يواجه عقبات اجتماعية وثقافية كبيرة.
قراءة علمية تحت المجهر
في محاولة لفك شيفرة ظاهرة التحرش الجنسي في الجزائر، لجأت عدة دراسات أكاديمية حديثة إلى تحليلها من زوايا متعددة، جمعت بين النصوص القانونية، والبُعد الاجتماعي، والتأثيرات النفسية طويلة الأمد.
وفي دراسة ميدانية أُجريت عام 2024 بمستشفيات ولاية الأغواط حول ظاهرة التحرش داخل بيئة العمل، أظهرت النتائج أن “أكثر من 60 بالمائة من النساء العاملات تعرضن لتحرش لفظي أو جسدي، مما انعكس سلبًا على أدائهن المهني وثقتهن في المحيط المهني”.(1)
وفي السياق الجامعي، كشفت دراسة أُجريت بجامعة جيجل سنة 2021 على عينة من 64 طالبة، أن “التحرش داخل الحرم الجامعي لم يعد استثناءً، بل ظاهرة تؤثر بوضوح على التحصيل العلمي والصحة النفسية للطالبات”، داعيةً إلى “مراجعة آليات الوقاية والمرافقة داخل المؤسسات التربوية”.(2)
ومن زاوية جديدة، تناولت دراسة حديثة ظاهرة “التحرش عبر الإنترنت”، لا سيما تجاه الأطفال، مؤكدة أنه “يخلّف اضطرابات نفسية وسلوكية طويلة الأمد، ولا يقل خطورة عن التحرش الجسدي المباشر”. (3)
وتجمع هذه الدراسات على نقطة جوهرية، تكمن في أن “القانون وحده لا يكفي”، فمواجهة الظاهرة تتطلب تكاملًا بين التشريع، والتحسيس المجتمعي، والدعم النفسي، وتفعيل المؤسسات الوقائية.
من جرح الصمت… إلى صوت المقاومة
من همسات الخوف في المكاتب المغلقة، إلى دموع طفلة لم تُفهم، إلى صرخة اختنقت في محطة وقود مهجورة؛ تتكرر الحكايات، وتختلف الوجوه، لكن الألم واحد.
من رحم الألم، بدأت ترتفع الأصوات؛ نساء وفتيات، بل وحتى رجال، قرروا أن الصمت لم يعد حماية، بل عبئًا: التحرش ليس تصرفًا عابرًا، بل جريمة، والمجتمع الذي لا ينحاز للضحايا، يُشارك في صناعة الجناة.
لم تعد هذه الصرخات المعزولة تمرّ بصمت؛ فقد بدأ العالم بأسره يقرّ بأن التحرش الجنسي هو انتهاكٌ ممنهج للكرامة الإنسانية.
ووصف التحرش بأنه “أحد أسباب القلق المزمن والاكتئاب لدى الضحايا“؛ فالمبادرات الرقمية، الهاشتاغات، شجاعة الضحايا؛ كلها تحوّلت إلى أدوات مقاومة، تصنع من الألم قوة، ومن التجاهل قضية، ومن الصمت صرخة مدوّية.
المصادر:
1 _ التحرش داخل بيئة العمل – مستشفيات ولاية الأغواط (2024)
Bensayah, M. (2024). The sexual harassment against the working woman (Field study at the hospitals of Laghouat).مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، المنصة الوطنية للمجلات العلمية ASJP.
2 التحرش داخل الحرم الجامعي – جامعة جيجل (2021)، عيّنة 64 طالبة
بوعموشة، (2021). التحرش الجنسي بالطالبات الجامعيات: أشكاله، أسبابه، آثاره – دراسة ميدانية بجامعة جيجل. المنصة الوطنية للمجلات العلمية ASJP. (تذكر الدراسة أنّ العيّنة كانت 64 طالبة
3 التحرش عبر الإنترنت تجاه الأطفال – دراسة حديثة
Online Child Sexual Exploitation and Abuse of Children and Adolescents with Disabilities: A Systematic Review. Disabilities, 4(2), 264–276. MDPI


















