“يضايقني كثيرا أشخاص يتحدثون إلي في الـ’ماسنجر’، يعبرون عن إعجابهم بشخصيتي وبجمالي… وهم لا يعرفون عني غير فتات كلمات أنشرها بين الحين والآخر، بل الأدهى من ذلك أن بعضهم لا يكلف نفسه حتى الإطلالة لثواني على المعلومات الشخصية لمعرفة مهنتي، وحالتي الشخصية.. وهذا تحرش واضح، لكني أقابله في غالب الأحيان بالتجاهل”، تحكي سهام (40 سنة) لمنصة “هنَّ” عن “دخلاء تافهين” يتجرؤون على طلب “صداقة مشبوهة” منها وغيرها من نساء وفتيات لا معرفة مسبقة بهن لا واقعيا، ولا حتى افتراضيا.
وبضحكة تخبىء وراءها شعورا بالضيم والأسى، تشير سهام إلى أن المؤلم في هذه السلوكيات، أن المعنيين “يتحولون إلى وحوش آدمية افتراضية حين يتم تجاهلهم، حيث يتغير الغزل إلى كلام نابي، والإعجاب يتحول إلى تنمر على الشكل، وأحيانا حتى على ما تكتبه”.
“بصراحة ولو أن تلك السلوكيات تزعجني أحيانا، لأني نشيطة على ‘فيسبوك’، وأومن بأن مواقع التواصل الاجتماعي، مثلما أثمرت أشخاصا مكبوتي المشاعر، وكشفت عن عينات بشرية مثقفة، مواطنة، فإنها أيضًا قد غيرت التوجهات السياسية لبلدانهم، وأطاحت يوما بدول الربيع العربي، إلا أني أقر بأن هاته الفضاءات، للأسف غير آمنة، حيث تكثر فرص التدافع مع هذه النوعية من الذكور، الذين أرثي حالهم، فهؤلاء ولتفاهتهم، يعتبرون تفوق المرأة عموما ضعفا لهم، وتجاهلها لتحرشهم بها إنقاص من رجولتهم”، توضح سهام.
بين التشهير والابتزاز والتنمر
فاطمة، إعلامية مغربية عاشت مأساة لمدة حوالي 15 يوما، حيث كانت تتلقى يوميا اتصالاتٍ من شخص مجهول في منتصف الليل، يعبر فيها عن إعجابه بها، بل يتجاوز الأمر بالحديث بكلام نابي، ومشين.
وتقول فاطمة في حديث لـ”هنَّ”، “عشت ضغطا كبيرا بسبب اتصال من رقم مجهول، أتوقع أنه يعرفني لأنه يذكر إسمي، لكن كيف تجرأ على الاتصال بي، وأنا متزوجة ولدي ولدان، حاولت استدراجه بالكلام لكي أعرف من هو، وأشتكي عليه، لكن فشلت، وأحيانا كان زوجي يتدخل ليرد عليه، حيث يتبادلان الشتم، دون أن يرتدع”.
وبألم يعتصر قلبها، تتذكر فاطمة تلك الأيام التي مضت عليها سنوات كثيرة، “عشت ضغطا جسيمًا، وإحساسًا كبيرًا بالمهانة، شعرت باستباحة عرضي وشرفي بدون وجه حق… حينها لم أتردد في اللجوء إلى الأمن وضعت شكاية في الموضوع، وبالفعل تم التحقيق في شكايتي، ولكن للأسف لا يرد المعني على الهاتف، واكتشف الأمن أن ذلك الرقم الهاتفي غير مسجل، وغير مدرج في سجلات شركات الاتصالات المغربية”.
من غير سهام وفاطمة هناك كثيرات، واحدة منهنَّ هي سعاد، التي تسبب التعبير عن الرأي عبر مواقع التواصل الاجتماعي في تعرضها إلى إيذاء نفسي، وضغط كبير، وحسب تصريحها لمنصة “هنَّ”: “أحب أن أشارك برأيي في عدد من القضايا الحقوقية، والاجتماعية، إلا أن رأيي لا يروق للبعض، وعوض مقارعة الحجة بالحجة، يلجؤون إلى استعمال الكلام النابي والشتم، بل أحيانا يُسقِط البعض علي تهما بالباطل”.
وتضيف أنه في البداية “كان الأمر يستفزني، أشعرني بالتوتر، كما ينتابني إحساس بالظلم، لكن سرعان ما وجدت نفسي أقوى من كل تلك الأوصاف البشعة التي لا تمثل غير أصحابها، فصرت أحاربهم بالثقة في النفس، وبالإصرار على طرح مواقفي التي أؤمن بها… صرت أرد عليهم بنجاحاتي اليومية، وبتفوقي الدراسي، بثقافتي المتواصلة”.
التنمر باستخدام كلمة “لميماتْ” للسخرية من نساء تجاوزن الأربعين
تتعدد أشكال العنف ضد المرأة، إلا أن العنف الرقمي، أو الإلكتروني المغلف بالابتزاز، والضغط النفسي، التشهير، نشر المغالطات، والابتزاز بصور وفيديوهات تدخل في نطاق الحياة الخاصة، بهدف إلحاق الضرر بها، والحد من تواجدها، بات شائعا في السنوات الأخيرة، ومع تقدم التكنولوجيا، تتسع الإبداعات البشعة لأشخاص لا ضمير لهم، خاصة لكلّ امراة تجاوزت الأربعين سنة من عمرها.
ليلى العمراني، أخصائية نفسية وسلوكية، تؤكد في تصريح لمنصة “هنَّ” أن العنف الرقمي “يشكل تحدياً نفسياً كبيراً للفئات المختلفة، وخاصة المراهقات، والشابات اللواتي يقضين وقتاً طويلاً على وسائل التواصل الاجتماعي، ومع تزايد هذه المنصات، أصبح التعرض للتنمر أو السخرية عبر الإنترنت أمراً شائعاً، حيث تتعرض بعض النساء للسخرية، أو الانتقاد بسبب مظهرهن، أو أسلوب حياتهن، وقد تصل الأمور إلى استخدام ‘لميمات’ للسخرية من اختياراتهن في الموضة”.
وعن تأثير هذا العنف الرقمي، تبرز المتحدثة ذاتها أنه يمكن أن يكون عميقاً، حيث ينعكس على الحالة النفسية للضحايا، وذلك من خلال تجربتها المهنية، حيث “لاحظت أن العديد من الفتيات والنساء يطلبن الدعم النفسي بسبب الآثار السلبية لهذا النوع من العنف، ومن بين الأعراض الأكثر شيوعاً التي تظهر نتيجة لهذه التجارب؛ القلق، التوتر، نقص الثقة بالنفس، والعزلة الاجتماعية. في بعض الحالات، قد يتطور الأمر إلى الاكتئاب أو حتى التفكير في إيذاء النفس”.
وتابعت الأخصائية النفسية والسلوكية قائلة: “لقد رأيت حالات لنساء من مختلف الأعمار، حتى النساء الأكبر سناً، يتعرضن لهذا العنف الرقمي، خصوصاً عندما يتم انتقادهن بشكل غير عادل بسبب خياراتهن في الأزياء التي تعتبر ‘غير مناسبة’ لأعمارهن حسب معايير بعض الأشخاص… وهذا النوع من النقد الرقمي يعزز مشاعر الخجل والإحباط، ويؤثر سلباً على تقدير الذات”.
ولهذا السبب، تشدد ليلى العمراني على ضرورة “رفع الوعي حول مخاطر العنف الرقمي، والعمل على توعية الشباب، والمجتمع حول أهمية استخدام الإنترنت بشكل مسؤول، مع التأكيد على ضرورة تقديم الدعم النفسي للضحايا لمساعدتهم على تجاوز هذه الصعوبات”.
من جانبها، دعت فتيحة شتاتو، المحامية بهيئة الرباط في تصريح لمنصة “هنَّ” إلى ضرورة “محاربة العنف ضد المرأة بكل أشكاله، اللفظي، والجسدي، والرقمية، مشيرة إلى أن القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء عرَّف أشكال العنف ضد المرأة، وتم تحديده، كما جرم أفعالا لم تكن مجرمة مثل التحرش، إلا أنه لا يميز بالدقة اللازمة، ومن الضروري إعادة فتح نقاش موسع للحد من أنواع العنف الذي تتعرض إليه النساء في العموم”.
واستدركت المتحدثة ذاتها أن الإشكالية الكبرى في هذه الظاهرة هي “صعوبة الإثبات”، في كل الحالات التي حددها المشرع، وذلك “عبء كبير على المرأة المعنفة، ففي غالب الأحيان، كما شددت على ضرورة وضع إطار قانوني دقيق في ظل التسارع التكنولوجي، وما يصاحبه من تطور لصيغة العنف”.
ومن جهة أخرى أثارت المحامية والحقوقية فتيحة شتاتو مسألة الوصم، أو “السمعة”، أو”العار”، والخوف من المجتمع، التي “تدفع النساء إلى الصمت، مبرزة أن هناك إشكالية كبرى أيضا تتمثل في عدم تبليغ النساء المعنفات عموما، والمعنفات إلكترونيا بشكل خاص”.
وتضيف أن الهاجس الأسري والعائلي والخوف من “الشوهة” (الفضيحة)؛ “يحد من تقديم شكايات للجهات المعنية، وبالتالي التطبيع مع مقاضاة كل من سولت له نفسه التحرش بامرأة بأي شكل من الأشكال”.
أرقام مقلقة
وتفاعلا مع سؤال برلماني حول العنف الرقمي الممارس ضد النساء والفتيات وجه إلى وزير العدل عبد اللطيف وهبي بمجلس النواب يوم الإثنين 8 يناير 2024، خلال الجلسة الأسبوعية المخصصة للأسئلة الشفوية، أبرز الوزير أن “العنف الرقمي يطال الجميع بحيث لا يوجد نص يعاقب على ذلك وهناك فراغ تشريعي على هذا المستوى، مسجلا أنه “سيتم تدارك هذا الفراغ ضمن مشروع القانون الجنائي الجديد”.
وأكد وهبي على أن الإشكال الحقيقي يتعلق” بكون المُعنفات لا يتقدمن بشكايات، منبها المرأة التي تقع ضحية العنف الرقمي إلى ضرورة أن تتقدم بشكاية إلى الجهات المختصة”.
“كل ما يمس الحياة الخاصة للناس يجب أن نكون متشددين حياله”، يقول وهبي، منتقدًا الفوضى أو “السيبة” التي يعرفها الفضاء الرقمي، التي انتهى زمنها، حسب قوله.
وأكد نتائج البحث الوطني لـ”المندوبية السامية للتخطيط” حول “انتشار العنف ضد النساء”، أن استعمال التكنولوجيات الحديثة للمعلومات والاتصالات، “ساهم بنسبة 19 في المائة في العنف ضد النساء بجميع أشكاله”.
وأفادت المندوبية أن “ما يقرب من 1.5 مليون امرأة مغربية هن ضحايا للعنف الإلكتروني بواسطة الرسائل الإلكترونية، أو المكالمات الهاتفية، أو الرسائل”.
وأشارت إلى أن “هناك نساء فكرن، أو حاولن الانتحار بسبب العنف السبراني”، وهناك “نساء فقدن العمل وفتيات فقدن كرسي الدراسة ونساء يحاولن تبديل زيهن في الشارع للهروب من ذلك”.
هذا البحث الرسمي الذي تم إنجازه ما بين 2020 و2022، بما تضمنه من أرقام مفزعة جعل الجمعيات الحقوقية تدق ناقوس الخطر، وكان من المفترض أن ينتبه المسؤولون، والوزارات المعنية إلى أن القادم سيكون أسوء بكثير بفضل توسع انتشار التكنولوجيا، وتطورها.
محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، وفي كلمة له خلال -تنظيم الحزب مؤخرا يوما دراسيا حول “العنف الرقمي ضد المرأة بالمغرب، واقع الحال وأية حماية؟”؛ احتفاء باليوم الوطني الذي يصادف 10 أكتوبر من كل سنة- اعتبر أن العنف الرقمي “إرهاب أعمى لا يميز بين بني البشر”.
وأوضح أوزين أنه “حين يضع الإرهابي قنبلة في مكان عام، لا يهمه جنس الضحايا..، والاقتصار على وصف العنف الرقمي بكونه يستهدف المرأة فقط أمر فيه حيف ونقل تجزيئي للحقيقة والواقع”.














