زخر المخزون الغنائي التونسي بعديد الأغاني التي حملت خطابا ثقافيّا حول الجسد ورغباته ومتطلباته، فكانت أعضاء الجسد تتمثّل داخل حلقات مفاهيمية حملت الطبيعة والمصوغ ومعاني الحياة. ولعلّ أغنية “تلّفتي صغرك” من التراث الكافي والتي أعاد غناءها العديد من الفنّانين والفنّانات، هي واحدة من أبرز الأغاني الشعبية التي عبّرت عن علاقة الجسد الأنثوي بالزمن والسلطة الاجتماعية، فباحت بما تبوح به النساء خلسة في التجمّعات النسائية، وحوّلت الهمس إلى شعر غنائيٍّ لم يُفارق أفراح الشمال الغربي التونسي وجنوبه.
وفي هذا الإطار، ظهرت الأغنية كممارسة ثقافية تُنتج المعنى وتُعيد توزيعه داخل المجتمع. وأداة تُسهم في ترسيخه وتطبيعه عبر التكرار والاحتفال الجماعي. ومن هذا المنظور، تتحوّل “تلّفتي صغرك” إلى نصّ قابل للقراءة الجندرية، يكشف عن كيفية تشكّل العلاقة بين الجسد الأنثوي والزمن، وعن الأدوار التي يُسمح للنساء بأدائها أو يُفرض عليهنّ الالتزام بها داخل المخيال الشعبي.
تقول كلمات الأغنية:

ما وراء الكلمات
يُفتتح مطلع الأغنية بجملة “تلّفتي صُغرك واش تفعلي بالزين” (أضعت شبابك فماذا تفعلين بالجمال الآن بعد أن ذبُل)، معبّرا عن الصور النمطية للنساء في المجتمع التقليدي وماتحمله من معايير وقولبة للجمال، إذ يُعتبر الجمال والشباب في المجتمعات التقليدية والذكورية رأس مال رمزيّ للنساء ومورد يجب استثماره.
ذلك أنّ، ثنائية الشباب والجمال، هي ثنائية حتمية ومتكاملة، فإن غاب عنصرا، سقُط الثاني. وبالتالي، يُصبح الزمن مصدر تهديد للنساء أكثر من الرجال.
ثمّ، يأتي صوت متكلّم يحتكر الحكمة والمعرفة بهواجس الجسد وأهوائه داخل كلمات الأغنية، فيقول ” تلّفتي صغرك واش ڨعدك للهانه، يا و دنّي خال معانا، ثماش عُكْسه تركب بلا ريحانة ؟” (أضعت شبابك مالذي يُبقيك للمذلّة، جدي حبيبا مثلنا، هل هناك قيمة للمرأة دون رجل يضاجعها؟) مُشيرا إلى الأبعاد الأخلاقية للجسد، أين يُمكن أن تسقُط مسائلته عندما يذبل ويُصبح متروكا.
تجلّت الرغبة الجنسية من خلال هذا البيت حسب الأستاذة في علم اجتماع الجندر منية الرقيق في “أسئلة بلاغية جريئة مثل
“ثمّاش عُكسة تركب بلا ريحانة”،” انجيك نجيك.. آه” و”جيبي خاوي، هزّي مليان”، ليصبح الجسد الأنثوي ميدانًا للرغبة، لكنّها رغبة مفصولة عن الذات المريدة، يُعبِّر عنها الرجل بفحولة صريحة “نموت عليك آه..” بينما تظلّ المرأة مصدرا ساكنا. وتتدفّق الرغبة في النصّ الغنائي كعطر ثقيل من الريحانة والعُكْسة، تلك العُكسة التي تركب “بلا ريحانة” استعارة طريفة وجريئة تلمِّح إلى المتعة الجسدية كضرورة لا غنى عنها”.
“وكأنّ الجنس في التراث الشعبي التونسي ليس مجرد غريزة بل طقس اجتماعي يُؤدّى في الحفلات، ممّا يعكس هذا التباين الذي أشار إليه بيير بورديو في مفهوم “الفصل بين الجنسين في المجتمعات الأبوية”، الذي يُعيد إنتاج التوزيع الاجتماعي للأدوار، الرجل يؤدِّي الفحولة النشطة، والمرأة تؤدِّي الأنوثة السلبية، فتصبح الرغبة مسرحا يُمارس فيه التكرار القسري للمعايير الجندرية”، حسب منية الرقيق.
ثمّ، تذهب كلمات الأغنية نحو الرموز الطبيعية، وذلك لإبراز العلاقة المتينة بين الإنسان والطبيعة، ومحاكاة الأجساد في أحيان كثيرة للكائنات الطبيعية، فتقول “تلفتي صغرك واش ڨعدك للشيح، يا و دنّي خال خال مليح، ثماشي شجره ما هبهاش الريح ؟” (أضعت شبابك مالذي يُبقيك للكبت، جدي حبيبا جيّدا، هل هناك شجرة لم تهبّ عليها الرياح؟ بما معناه هل هناك امرأة لم يلمسها رجل؟). تُمثّل الشجرة في الحضارات القديمة والثقافة الشعبية رمزا للخصوبة ودورة الحياة، كما تُمثّل الرياح الزمن. وهُنا، كانت الاستعارة مزدوجة بين الزمن والرغبة أو الشهوة من خلاله.
وحسب منية الرقيق، فإنّ “لعبة الرغبة والرهبة تبلغ ذروتها في هذا البيت الذي يُقابل بين الإغراء والخوف من الفقدان، وهُنا يلجأ الخطاب الذكوري إلى تقابل الأدوار في لعبة مزدوجة، الرغبة (شهوة الجسد الشاب) مقابل الرهبة (خوف الشيخوخة أو الشيح الذي يرمز إلى المرارة والذبول)، التلميح مقابل التصريح، الإيماء مقابل الإخفاء. فالسؤال البلاغي “واش قعدك للشيح” يُلمِّح إلى رهبة الزمن الذي يأكل الجمال الأنثوي، لكنّه لا يصرِّح بها مباشرة بل يُخفيها خلف صورة خال مليح (الخال الجميل) الذي يبقى حتى لو ذبل الجسد“.
ثم يأتي الإيماء الأبلغ، وفق الرقيق: “ثماشي شجره ما هبهاش الريح” إشارة شعريّة جريئة تُلمِّح إلى أنّ الجسد الأنثوي، مهما كان قويّا أو مليحا سيُهزُّ حتما برياح الرغبة الذكورية أو برياح الزمن. هكذا يؤدِّي الرجل دور الفاعل الذي يجمع بين الرغبة الصريحة في الشباب والرهبة المُخفية من فقدان الشباب، بينما تظلّ الأنوثة في موضع الإخفاء. جسد مرغوب فيه وفي الآن نفسه يُخشى ذبوله”.
هذا الخطاب حسب الرقيق “يُنتج المرأة ككائن يُرى ويُخشى في آن واحد. فالتلميح أداة بلاغية للهيمنة الرمزية، الرجل يُصرِّح برغبته ويُخفي رهبته خلف الشعر، بينما المرأة تُخفي رغبتها (إن وُجدت) وتُلمِّح بجمالها فقط. إنّ “الرؤية الذكورية للعالم”، تختزل الأنوثة في جسد يُفعَّل بالجمال لا بالإرادة، ليتحوّل في المجتمعات التقليدية إلى رأس مال رمزي يُقاس بالـ”الصغر” و”الزين، أي الشباب والإغراء، في حين يظلّ الجسد الذكوري أداة للتعبير عن الفحولة من خلال الغناء نفسه“.
تكشف أغنية “تلّفتي صُغرك واش تفعلي بالزين” عن تمثّلات جندرية عميقة داخل الثقافة الشعبية، ظهر الزمن فيها بوصفه تهديدًا خاصًّا بالنساء، لا للرجال، حيث تُختزل قيمتهن في مرحلة الشباب، بينما يظلّ الرجل محتفظًا بمكانته الاجتماعية رغم التقدّم في العمر. كما تلمّح الأغنية إلى تصوّر الجمال كـ”فتنة” تستوجب الضبط والمراقبة، ما يعكس حضور خطاب أخلاقي ذكوري يُحمّل النساء مسؤولية إدارة جمالهن.
يتعزّز هذا البعد من خلال صوت ذكوري يخاطب النساء ويقيّمهن، بما يندرج ضمن ما يُسمّى “النظرة الذكورية”، حيث تتحوّل النساء إلى موضوع للنظر لا ذاتًا متكلّمة. وفي المقابل، تبني الأغنية صورة لندم أنثوي على ضياع الشباب، وهو ندم يُحتمل أن يكون إسقاطًا اجتماعيًا أكثر منه تعبيرًا ذاتيًا. وتستعين الأغنية كذلك برموز الطبيعة كالرياح والنبات بوصفها استعارات للجسد الأنثوي والزمن، في امتداد لخيال شعري بدوي.
ومع ذلك، تظلّ قراءة بديلة ممكنة ترى في النصّ تعاطفًا مع هشاشة الزمن وحنينًا إلى الماضي، بدل كونه إدانة أخلاقية، ما يجعل الأغنية أقرب إلى مرثية اجتماعية. وبذلك، تبرز الأغنية بوصفها جزءًا من أرشيف الثقافة الشعبية الذي ينقل القيم الجندرية ويُعيد إنتاجها، كاشفةً عن ثلاث أفكار مركزية: ربط قيمة النساء بالشباب والجمال، تحويل الجسد إلى موضوع للمراقبة، وتقديمهن كموضوع للنظر لا كذات فاعلة، مع احتفاظ النصّ بإمكانية تأويله كتعبير عن حنين إنساني عام إلى الزمن الضائع.
في الأدوار الجندرية للأغنية
تصف الأستاذة في علم اجتماع الجندر منية الرقيق، أغنية “تلّفتي صُغرك” كبئر سحرية تُخفي في قعرها سرّ العلاقة الأبدية بين الرجال والنساء، وتقول “هي علاقة لا تُبنى على التبادل المتكافئ، بل على قاعدة راسخة في المخيال الشعبي التونسي. هذه الأغنية ليست مجرّد غزل احتفالي يُردَّد في ليالي الأعراس، بل تمثّل قاعدة أساسية تُفصِّل من خلالها الأدوار الجندرية وتُرسِّخ عبرها التمثلات الاجتماعية من خلال عناصر الجسد، كما لو أنها مرآة شعبية تُعيد إنتاج نظام الهيمنة الرمزية مستخدمة الجسد كأداة رئيسية تحكم طبيعة العلاقة بين الرجال والنساء”.
وتُشير منية الرقيق إلى الجسد الأنثوي الذي “يُقدَّم في قلب النصّ كمحور لكلّ شيء: “تلفتي صغرك واش تفعلي بالزين يا الهذبه سود العين”، “طرڤة حوليك” هذه العناصر، الشباب (الصغر)، الشعر (الهذبة)، والعينان السوداوان، والخطوة أو الوشاح (الطرڤة)، ليست وصفًا بريئًا محايدا، بل عناصر جسدية تُشكِّل قاعدة المخيال الشعبي الذي يجعل الأنوثة موضوعًا جماليّا يُشاهد، عبّر عنه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بمفهوم “تجسيد الهيمنة” حيث يُصبح الجسد الأنثوي حاملًا للنظام الاجتماعي الذكوري دون وعي.
إنّ القوّة الرمزية حسب “بورديو” ، تمثّل شكلا من أشكال السلطة التي تُمارس على الجسد مباشرةً، كالسحر، دون أي ضغط مادي. فهي تعمل حسب استعدادات كامنة في أعماق الجسد بالاعتماد على ميكانيزمات التنشئة الاجتماعية. أو كما عبّرت عنه الفيلسوفة الأمريكية جوديث باتلر بمفهوم “الأدائية الجندرية” إذ يصبح الجسد الأنثوي في الأغنية ليس كيانا طبيعيّا ثابتا بل أداءً متكررًا يُنتج الأنوثة من خلال نظرة ذكورية ينحتها الخطاب الشعري وتردّدها الأغاني الشعبية ، من خلال الأفعال اليومية والخطابية، فالأنوثة عبارة عن أداء جسدي يُعاد إنتاجه في كل حفلة: المرأة تُرى كـ”ريحانة” أو “عُكسة” لا تُركب إلاّ بها، أي وعاءا جسديّا مشحونا بالرغبة الذكورية، فيُصبح الجسد مسرحًا للأداء الذي يُحدِّد الدور الاجتماعي قبل أن يُحدِّده القانون”. حسب الرقيق.
هذه القراءة في الأدوار الجندرية، لا تُنسينا فكرة النظافة التي اتّبعتها السياسة الغنائية التونسية منذ القرن 18 لتهذيب الأغاني وإضفاء غطاء أخلاقيّا على الشعر الشعبي والشعر الأخضر التونسي، فتغيّرت كلمات العديد من الأغاني ومنها هذه الأغنية التي غيّرت من مقطع “آه يا رومية طلي عليّ” ليصبح “آه يا روحية طلي عليّ” وذلك لإنكار الطابع أو الأثر الكولونيالي في الأغاني التونسية.
فكرة التهذيب في الغناء الشعبي التونسي
عُرفت المنطقة المغاربية بالتغنّي والتغزّل بالمفاتن وعدم خلّو اللهجة العاميّة من الجنس والجنسانية، لكن مع دخول ما يُسمّى بالأخلاق الفيكتورية أو نظام “التشدّد الفيكتوري” كما أطلق عليه الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، أصبحت الرقابة على اللغة عموما إبّان النهضة العربية، تتمدّد أكثر في قمع الجنسانية وتأطيرها داخل الوظيفة الإنجابية ومشروع الزواج، فنزعت الأغاني والشعر والمنطوق بصفة عامّة إلى فكرة التهذيب.
وفي هذا السياق، يُفكّك الفاعل الثقافي ومؤسّس المركز الثقافي الهادي الزغلامي بالكاف، فؤاد السعداوي، فكرة تهذيب الغناء الشعبي مؤكّدا أنّ “النظافة في الثقافة أو hygienisation هي محاولة لتنقية المجتمع أو الثقافة أو اللغة ممّا يُعتبر غير لائق أو فوضوي أو منحطّ، إذ لا يقتصر المفهوم على الصحّة الجسدية و لكن يمتد إلى الفن و التراث واللغة، أين يتمّ تفضيل أشكال تعبير أكثر احتراماً وقابلية للعرض في الفضاء العام. وبعد الاستقلال، سعت الدول الوطنية إلى بناء سردية موحّدة للهوية في مختلف المجالات (خاصّة الثقافية والفنية) لأنّها تصل إلى المواطنين والمواطنات في المدن والأرياف وتشكّل الوعي الجماعي“.
“ضمن هذا التوجّه، برزت رغبة في تقديم صورة ثقافية راقية تعبّر عن الحداثة والانتماء الوطني، وتمّ التركيز على: دعم موسيقى المالوف والموسيقى الوترية الكلاسيكية بوصفها تراثاً قابلاً للتدوين والتعليم، وبالتالي تمّ تراجع حضور بعض الأنماط الشعبية التي اعتُبرت سوقية في الخطاب الثقافي الرسمي، وإعادة تسجيل بعض الأغاني بكلمات أخفّ أو اختيار مقاطع أقل صدامية لثقافة يجب أن تستقر. ومن أبرز هذه المؤسّسات هي جمعية الرشيدية التي تأسّست سنة 1934 (زمن البايات والدولة الحسينية) وساهمت في هيكلة الموسيقى التونسية، شكلا ومضمونا، كعنصر أساسي في تشكيل هوية وطنية ثقافية تونسية”، حسب السعداوي.
لا يقتصر التحكّم في المضامين الغنائية على ما تعكسه النصوص الشعبية من تمثّلات جندرية وثقافية، بل يمتدّ أيضًا إلى مستوى إنتاجها وإعادة تشكيلها ضمن سياقات مؤسّساتية. فقد شهدت الأغنية التونسية، خاصّة مع صعود المشروع الإصلاحي الموسيقي في القرن العشرين، بعد المؤتمر الأول للموسيقى العربية بالقاهرة سنة 1932، تدخّلات واضحة هدفت إلى “تهذيب” المحتوى الغنائي عبر حذف أو تعديل ما اعتُبر خادشًا للحياء أو غير منسجم مع التصوّر الأخلاقي والوطني السائد.
لم يكُن هذا التهذيب مجرّد تنقيح لغوي، بل عملية إعادة صياغة للمعنى، أعادت توجيه الخطاب الغنائي بما يتلائم مع قيم اجتماعية محدّدة، سواء عبر تطهيره من الإيحاءات الجسدية أو عبر إعادة تأطيره ضمن خطاب وطني محافظ. وبذلك، تكشف هذه التحوّلات عن دور الفاعلين الثقافيين في إنتاج معايير “القبول” و”الشرعية” داخل المجال الفنّي، بما يجعل الأغنية فضاءً للصراع الرمزي حول الأخلاق والهوية، لا مجرد تعبير عفوي عن المخيال الشعبي.
في مقاله، “الصوت الذي لم يُروَّض.. صليحة والمشروع الوطني التونسي” المنشور على موقع “معازف”، نَقرأ لهيكل الحزقي بأنّ “الرشيدية قادت محاولات تحديث حاولت من خلالها القضاء على ما اعتبرته الأغاني الخليعة وتلاحين اليهود، كما قام المشرفون على الرشيدية بتغيير بعض كلمات أغنية مع العزابة لصليحة، محولين البيت الأصلي “يا سايقين البل يا جمّالة، تونس بعيدة والعرب قتّالة” إلى “تونس عزيزة والعرب رجّالة”. وهي أغنية ترتبط بذاكرة مؤلمة حول اضطرابات تاريخية يُربط بعضها بأحداث القرن 18 في مناطق داخلية و تحديدا جبل وسلات، أين تروي الأغنية امرأة تبكي ابنتها البكر وتعكس تجربة الفقدان والتهجير.
يُؤكّد السعداوي، بأنّه “كان من رموز المؤسّسة الرشيدية شخصية فريدة شكّلت المشهد من بدايات الاستقلال الى ماض قريب، وهو صالح المهدي الذي اضطلع بدور حاسم في توجيه المشهد الموسيقي التونسي ضمن سياق بناء الدولة الوطنية في عهد الحبيب بورقيبة”، حيث بدأ مسيرته المهنية في سلك القضاء، وهو ما يعكس موقعه داخل جهاز الدولة الحديثة، لكنّه لم ينقطع عن النشاط الفني عبر التلحين والبحث الموسيقي، مكثّفا في شخصه الشرعية المؤسساتية والمرجعية الثقافية من خلال مواقع مؤثرة (الرشيدية، الإذاعة، وزارة الثقافة). واضطلع المهدي أيضا، بدور “التهذيب” الفني، أي إعادة ترتيب التراث وانتقاء صِيغه المقبولة رسمياً، بما ينسجم مع تصوّر ثقافي يسعى إلى توحيد الذائقة وتقديم نموذج فني منضبط.
“ولأنّ المنهجية المؤسساتية لا يمكن اختزالها في شخص، فقد ظلّ تأثير صالح المهدي ممتدّاً لعقود لاحقة في تشكيل المعايير والمؤسسات الثقافية. و نذكر منع حفل غنائي شعبي في المسرح البلدي في تونس سنة 2022 بحجّة أنّ ذبذبات المزود لا تحتملها جدران البناء القديم. كانت نظرة فوقية أكدتها شيخة مدينة تونس ٱنذاك في تصريح لها، بالقول بأنّ المسرح و البلدية بريئة من الإقصاء و لكنّها “سياسة الدولة تمنع المزود في المسرح البلدي”، يقول السعداوي.
لا تقف أغنية “تلّفتي صغرك” عند حدود الغناء والاحتفال فحسب، بل تتجاوزهما، فتغدو نصًّا ثقافيًا كثيفًا يختزن تصوّرات المجتمع عن الجسد والأنوثة والزمن. فهي، من جهة، تُعيد إنتاج خطاب يربط قيمة النساء بمرحلة عابرة من أعمارهن، ويضع الجسد الأنثوي تحت سلطة التقييم والمراقبة. ومن جهة ثانية، تفتح إمكانيات قراءة بديلة ترى فيها تعبيرًا عن هشاشة إنسانية مشتركة أمام الزمن وفقدان ما لا يمكن استعادته.
وبين هذين الأفقين، تظلّ الأغنية فضاءً للصراع الرمزي بين ما يُراد له أن يُحفظ بوصفه تراثًا، وما ينبغي مسائلته باعتباره حاملاً لتمثّلات غير متكافئة. وهكذا، لا تمثّل العودة إلى التراث مجرّد استحضار للماضي، بقدر ما هي ممارسة نقدية تُعيد طرح أسئلة الحاضر حول الجسد والحريّة والمعنى.



















