تعليم الفتيات في موريتانيا بين التحديات والطموح

مازال تعليم الفتيات في موريتانيا يواجه جملة من التحديات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، رغم الجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى تعزيز حق البنات في التعلم، والحد من ظاهرة الزواج المبكر التي تحرم العديد منهن من مستقبل واعد.

ورغم التقدم الملموس في معدلات الالتحاق بالمدارس خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الفجوة بين الجنسين مازالت قائمة، خصوصًا في المناطق الريفية، حيث تتفوق القيود الاجتماعية والمادية على الرغبة في مواصلة التعليم. 

وفي ظل غياب مدارس قريبة في بعض القرى، تضطر فتياتٌ كثيراتٌ إلى ترك مقاعد الدراسة مبكرًا، ليجدن أنفسهن داخل أدوار أسرية واجتماعية لا تتناسب مع أعمارهن أو أحلامهن.

وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن نسبة كبيرة من الفتيات الموريتانيات يتركن مقاعد الدراسة في سن مبكرة بسبب الزواج وهنّ قاصرات، ما يعرضهن لمخاطر صحية ونفسية واجتماعية جسيمة، ويجعل من الصعب عليهن الاندماج لاحقًا في سوق العمل أو متابعة تعليمهن من جديد.

وتظهر الأرقام الرسمية للأمم المتحدة حول واقع تمدرس البنات في موريتانيا أن، “أكثر من 8 من كل 10 فتيات يتركن الدراسة قبل إكمال المرحلة الثانوية”، كما تكشف الأرقام عن “أكثر من ثلث الشابات يتزوجن قبل بلوغ 18 عامًا”، وأن نحو “16 بالمئة من الفتيات يتم تزويجهن قبل سن الخامسة عشرة”.

وتميط هذه الأرقام النقاب عن الأزمة العميقة التي تواجه الفتيات في سن الدراسة، وتدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل التعليم النسوي في البلاد، خصوصًا في ظل تزايد الضغوط الاجتماعية التي تدفع الأسر إلى تزويج بناتهن مبكرًا، بدل الاستثمار في تعليمهن.

أحلام مؤجلة وزواج مبكر

“لم أكن أتخيل أن الزواج سيكون نهاية حلمي””، بهذه الكلمات تستهل الفتاة خديجة التي تبلغ من العمر 15 عامًا حديثها لمنصة “هنَّ” عن تجربتها المريرة، حيث أنها كانت من الطالبات المتفوقات؛ في قرية “تكوبرا” الريفية الصغيرة، الواقعة في مقاطعة “امبود” جنوب البلاد؛ قبل أن تُجبرها أسرتها على الزواج وهي لا تزال تدرس في الصف الخامس الابتدائي، رغم تفوقها الدراسي وطموحها لأن تكون ذات شأن في المستقبل.

وتقول خديجة لمنصة “هنَّ” أنها “شعرتُ بالخيبة عندما تركت المدرسة مجبرة”، حيثُ كانت تفكر دومًا في الدراسة “لكن الزواج المبكر كان عليّ قبوله قسرًا… لاحقًا انفصلت عن زوجي وعدت لتحقيق حلمي بفضل دعم أحد أساتذتي، وأكملت المرحلة الابتدائية، وأنا الآن في الإعدادية أواصل الكفاح من أجل مستقبلي”.

تجربة خديجة، وإن كانت فردية إلا أنها تعكس واقع المئات من الفتيات اللواتي يجدن أنفسهن بين مطرقة الفقر وسندان العادات الاجتماعية.

ففي مناطق الداخل الموريتاني، تتكرر مثل هذه القصص يوميًا، حيث تتزايد نسب التسرب المدرسي للفتيات بسبب الزواج المبكر، أو بعد المسافات الطويلة إلى المدارس، أو نقص المرافق التعليمية الأساسية، ناهيك عن ضعف الوعي الأسري بأهمية التعليم.

تعليم إلزامي وعقوبات على المخالفين

قول المحامي أحمد جدو، أن موريتانيا “اتخذت خطوات مهمة لتعزيز حق البنات في التعليم، من خلال قانون التوجّه للنظام التعليمي الوطني لسنة 2022، الذي أقر إلزامية التعليم من سن 6 إلى 15 سنة، ومنع سوء المعاملة والعقاب البدني داخل المؤسسات التعليمية”.

“ويتم تطبيق قانون التعليم الإلزامي عبر آليات تشمل التسجيل الإجباري والمتابعة الدورية، وإزالة العوائق الإدارية والوثائقية، إضافة إلى برامج دعم وتشجيع الأسر على إبقاء بناتهن في المدرسة، لا سيما في المناطق الهشة والفقيرة”، يوضح جدو.

ويشير إلى أن “القانون ينص على معاقبة أولياء الأمور الذين يمنعون بناتهم من الدراسة بغرامات مالية تتراوح بين 10,000 و100,000 أوقية قديمة، (ما بين 25 و250 يورو)، في محاولة لردع السلوكيات التي تهدد مستقبل الفتيات التعليمي”.

وحسب نشطاء استشارتهم “هنَّ” فإن تطبيق هذه القوانين على أرض الواقع “مازال يواجه تحديات كبيرة، بسبب ضعف المتابعة الميدانية، وقلة الوعي القانوني لدى بعض الأسر، فضلًا عن البعد الجغرافي وصعوبة الوصول إلى المدارس في المناطق النائية”.

جدير بالذكر أن موريتانيا تلتزم بتطبيق الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الطفل والمرأة، وتسعى إلى مواءمة تشريعاتها الوطنية مع هذه الاتفاقيات، مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) واتفاقية حقوق الطفل.

كما يعمل القضاء على محاربة زواج القاصرات، من خلال تطبيق السنّ القانوني للزواج، وإبطال أي عقد يتم دون رضا أو دون بلوغ السن المسموح بها، في مسعى لتجفيف منابع الظاهرة تدريجيًا.

أصوات من الميدان 

تقول المعلمة آمنة سيد محمد إن التسرب المدرسي للفتيات ينتشر بصورة أكبر في الأرياف، خاصة “عندما تنجح الفتاة في دخول الإعدادية، تجد نفسها مضطرة للتوقف عن الدراسة لأن قريتها لا تضم مؤسسة إعدادية”.

“وفي بعض الأحيان، تُجبر على الزواج من رجل يكبرها سنًا، رغم أنها لا تزال في مرحلة الطفولة”، تضيف آمنة. 

وتوضح المحامية الموريتانية في تصريحٍ لـ”هنَّ” أن “هناك عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية تساهم في تكريس هذه الظاهرة، من بينها ضعف الوعي لدى الأسر، وانتشار عادات مثل زيادة وزن الفتيات بغرض الزواج المبكر، إلى جانب الفقر، والخوف من ‘العار’ في بعض المجتمعات التقليدية”.

أما الناشطة النسوية مكفولة أحمد فتقول لـ”هنَّ”، “لسنا امرأة واحدة بل نساء متعددات نعيش ظروفًا مختلفة”، موضحة أن “الحديث عن أوضاع النساء دون الخوض في جذور المشاكل أمر معقد، فحرمان الفتيات من التعليم مرتبط بتراكمات تاريخية وثقافية واجتماعية تعزز النظام الأبوي”.

“تحسين فرص العمل وتمكين النساء اقتصاديًا مسؤولية الدولة، إلى جانب دعم التعليم الإجباري، ومحاربة تزويج القاصرات، وفك العزلة عن المرأة الريفية”، تضيف الناشطة النسوية.

وتخلص إلى أن “الطريق مازال طويلًا، لكنه ليس مستحيلًا إذا توفرت الإرادة السياسية والوعي المجتمعي”.

مقترحات لتعزيز تعليم الفتيات

من جهتها، تدعو الخبيرة التربوية هاو اسلمو بلخير إلى “العمل على رفع وعي الأسر بأهمية التعليم ومخاطر الزواج المبكر”، مشيرة إلى أن “بعض الأسر تفضل تعليم الذكور على حساب الإناث، بدافع الخوف من العلاقات الاجتماعية أو بسبب القيود الثقافية السائدة”.

وترى أن الحلول الممكنة، تكمن في “تحديد سن قانوني صارم للزواج ومتابعة تنفيذه بدقة، وإنشاء برامج للتدريب المهني للفتيات المتسربات من التعليم، لتأهيلهن من جديد للحياة العملية، وتوسيع نطاق التعليم الإعدادي في الأرياف عبر إنشاء مدارس قريبة ومجهزة، بالإضافة إلى إطلاق حملات توعية مكثفة من قبل المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، وتحسين الدعم الاجتماعي للأسر الفقيرة وتشجيعها على إبقاء بناتها في المدرسة”.

وبنما تحاول خديجة استعادة حياتها التي حطمها زواج قسري، والأصوات الحقوقية تصدح بفرض تعليم الطفلات، إلا أن الواقع يثبت كل يوم أن التسرب المدرسي والزواج المبكر يحرم آلاف الفتيات الموريتانيات من حقهن في التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية. 

ومع ذلك، فإن الجهود المستمرة من الناشطات والمنظمات والمجتمع المدني تفتح نافذة أمل لبناء مستقبل أكثر عدلًا وإنصافًا لبنات بلاد المليون شاعر.

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • “لا إعاقتي ولا حزني أوقفاني”.. قصة موريتانية كسرت حدود العجز 

    في بلد لا تزال بعض العقول تحكمها صور نمطية عن المرأة، وتختزل الإعاقة في العجز، كانت فاطمة الجيد الشيخ استثناءً، لا لأنها فقط واجهت الإعاقة، بل لأنها واجهت مجتمعًا بكامله، وانتزعت منه حقّها في أن تكون امرأةً فاعلة، مؤثرة، ومؤمنة بأن العطاء لا يُقاس بالجسد، بل بالإرادة. وُلدت فاطمة في سبعينات القرن الماضي، في ولاية…

    لالتي عبد الفتاح|

  • حوار| المدربة لمياء بومهدي: لاعبات كرة القدم يواجهن أحكامًا مجتمعية قاسية وعليهن الصمود

    وهي في بداية مسارها، حين كانت متقدة بالحماس والشغف، لم يكن من السهل عليها أن تسير بثبات وخطى واثقة نحو تحقيق حلمها في ممارسة كرة القدم، لم يكن من السهل أن تواجه الصور النمطية والتقليدية، وتعانق هذا الحلم نحو التألق في إحدى الرياضات الأكثر شعبية في العالم.  قيل لها إن كرة القدم للرجال فقط، وقيل…

    Johan Seidenfaden|

  • رمضان كما تعيشه غير الصائمات.. معاناة في ظل قانون يضيق على الحرية

    يشتد الحر في منتصف اليوم، فتغدو الشوارع ممرات مهجورة، أناس يركنون في بيوتهم مخافة الضمأ، وآخرون لا يزالون نيامًا، وبعض من الناس متعبدون، معتكفون، خاشعون ومنهم الغاضبون، الذين يفتعلون شجارات لا داعي لها، في انتظار آذان المغرب. في خضم هذا الجو المشحون والمتناقض، تبرز فئة من المختلفين ينساها أو يتناساها كثيرون، لكن الواقع يفرض وجودهم…

    عفراء علوي محمدي|

  • نساء الحضرة.. حارسات الذاكرة الروحية في المغرب

    يبعث شهر ربيع الأول في المدن العتيقة المغربية روحاً استثنائية تمتزج فيها رائحة البخور بماء الزهر. وتتسع الفضاءات الروحية في هذه الفترة لتشهد حضوراً نسائياً مكثفاً، حيث تصدح حناجر النساء بأعذب القصائد والابتهالات في طقوس "الحضرة النسائية". يمثل هذا الفن الروحي، المتجذر في عمق التراث اللامادي المغربي، نسقاً ثقافياً متكاملاً يعكس موقع النساء كفاعلات أساسيات…

    Hounna | هنّ|