استيقظت إكرام متأخرة عن موعدها المعتاد، فاندفعت من فراشها بسرعة، ترتدي ملابسها على عجل، تسرع في ترتيب حقيبتها قبل أن تخرج من بيتها، تنزل درجات السلم بخطوات متلاحقة، لعلمها أن كل دقيقة تأخير قد تعقد يومها.
قررت طلب سيارة عبر تطبيق النقل “إن درايف”، إلا أن شعورا بالخوف يرافقها في كل مرة تركب فيها، فالرحلة رغم سهولتها التقنية لا تخلو من مخاطر محتملة، ما يجعلها تتوخى الحذر وتراقب الطريق بعين يقظة منذ البداية.
لا تجد إكرام (23 سنة) بدا من استعمال تطبيقات النقل بشكل شبه يومي من الدار البيضاء إلى عملها بالحي الصناعي بالمحمدية، فوسائل النقل إلى هناك قليلة إلى شبه منعدمة، لذا يكون لزاما عليها استقلال سيارة من تطبيق النقل، خصوصا في حالة التأخر. كثيرا ما تبحث إكرام عن نساء سائقات لتمر رحلتها بسلام كما تقول، إلا أن مصادفتها لهن نادرة الحدوث.
ما يجعل إكرام تتردد في كل مرة تستعمل فيها هذه التطبيقات هو تجاربها السيئة المتكررة مع عدد من السائقين، وهو ما يدفعها إلى توخي الحذر والتفكير مليا قبل الوثوق بأي منهم، خاصة وأن التطبيق مازال غير قانوني، ما يجعل الزبناء محرومون من أي حماية فعلية من المخاطر المحتملة أثناء استعمال هذه الخاصية.
زبونات يواجهن المخاطر
تحكي إكرام لمنصة “هنّ” عن معاناتها اليومية، بين التردد في التنقل عبر التطبيقات، وعدم إيجادها للبديل، “ترددي ناجم عن تجارب سابقة، تعرضت فيها للتحرش من طرف بعض السائقين، وأخرى بسبب تهور البعض الآخر، في بعض الحالات يكون السائق مخمورا أو تحت تأثير المخدرات، وتظهر عليه علامات ذلك، وهنا لا يكون بوسعي سوى آن آمل الوصول بسلام دون مشاكل”، تقول الفتاة.
وتحرص إكرام على وضع تقييم سيء للتجارب الشاذة، وإرفاقه بتعليق يوضح ما حصل معها، حتى تخبر الناس بالواقعة، ليتجنبوا التعامل مع السائقين السيئين، توضح إكرام: “أضع تقييما بنجمة واحدة لكل متحرش، أو سائق متهور أو مخمور، وإرفاقها بتعليق يكشف جميع التفاصيل، لا يجدر بي أن أنسى ذلك، حتى أنقذ آخرين”.
تقول بصوت يختلط فيه الخوف بالغضب: “قد يواجه الرجال مواقف سيئة مع السائقين، لكن الأمر أخطر بكثير بالنسبة للفتيات؛ فنحن أكثر عرضة للتحرش، للتهديد والاستغلال، ركوب السيارة مع رجل غريب بالنسبة لي أصبح مغامرة يومية، أعود منها إما سالمة أو محملة بذكرى سيئة جديدة”.
في هذا الصدد، تستحضر إكرام وقائع حصلت مع فتيات أخريات، أسوأ بكثير مما عاشته هي، “سمعت عن طالبة تعرضت للسب والشتم والضرب على يد سائق، لمجرد أنها رفضت الركوب بعد أن لاحظت وجود شخص غريب معه، وانتهى بها الأمر في المستعجلات. هناك أيضا حالة فتاة أخرى تحكي أنها كادت أن تتعرض لمحاولة اغتصاب من طرف سائق استغل كونها وحيدة”.
تقول إكرام إن هذه القصص تزيد من مخاوفها ومخاوف كثير من الفتيات اللواتي لا يجدن بديلا عن هذه التطبيقات، “ما نسمعه ونراه يؤكد أن الوضع خطير، وأن النساء والفتيات أكثر عرضة لهذه الانتهاكات مقارنة بالرجال، لأننا غالبا المستهدفات بالتحرش، والعنف اللفظي والجسدي”.
“حالات منفردة ليست إلا استثناء”
فدوى، ذات الـ28 سنة، لا تتفق مع إكرام في طرحها، بل ترى عكس ذلك، وتعتبر، في حديثها لمنصة “هنَّ”، أن “تطبيقات التنقل في المغرب آمنة، على الرغم من أنها غير قانونية”، وتقول: “لا أخاف ركوب السيارة مع أي كان، شريطة أن يكون حسابه ذو تقييم جيد، بالإضافة إلى حصوله على تعليقات ممتازة، في هذه الحالة يكون السائق مهنيا، وبذلك لا داعي لكي أقلق”.
تضيف فدوى بثقة: “التجارب التي خضتها إلى اليوم كانت كلها إيجابية، أغلب السائقين محترمون وملتزمون، بل في أغلب المرات أشعر أن الخدمة أفضل من سيارات الأجرة التقليدية، على الأقل هنا أختار مسبقا السائق بناء على تقييمات وتجارب غيري، وهذا يعطيني هامشا كبيرا من الاطمئنان”.
تتنقل فدوى بشكل شبه يومي بين مدينة الدار البيضاء ومكتب الدراسات الذي تشتغل فيه بدار بوعزة، لذلك تُعد هذه التطبيقات الطريقة الأسهل والأكثر فعالية بالنسبة لها.
وتعتبر فدوى أن التركيز على حوادث فردية يظلم باقي السائقين الذين يعملون بجدية: “مثل أي قطاع، هناك تجاوزات وحالات معزولة، لكن هذا لا يعني أن الخدمة سيئة بالكامل. أعتقد أن المشكلة في غياب تقنين واضح يحمي الزبون والسائق معا، وليس في التطبيق نفسه”.
بالنسبة لها، تمثل هذه التطبيقات حلا عمليا في ظل ندرة وسائل النقل وارتفاع كلفة التنقل اليومي، “لو توقفت هذه التطبيقات سأجد صعوبة حقيقية في الذهاب للعمل أو التنقل بين المدن، لأنها ببساطة أصبحت جزءا من حياتي اليومية”، تضيف فدوى.
سائقات في مهب المشاكل
بخطوات واثقة ونظرات حذرة، تنطلق بسيارتها الصغيرة في شوارع المدينة، باحثة عن زبون جديد عبر تطبيق النقل. وخلف المقود، تحمل عبء المسؤولية وحدها، في مهنة اختارتها لتأمين قوت يومها رغم المخاطر التي تحيط بها.
لا تحميها أي قوانين، ولا تعترف بها أي جهة رسمية، ومع ذلك تصر على مواصلة الطريق، متشبثة بأمل غد أفضل، حيث يتحول هذا الجهد المرهق إلى اعتراف يضمن لها الاحترام والكرامة.
سهيلة (31 سنة) من مدينة الدار البيضاء، واحدة من القلائل اللواتي يعملن كسائقات عبر تطبيقات النقل، تقول إنها دخلت هذا المجال في البداية كتجربة، لكنها سرعان ما أصبح جزءا من حياتها اليومية.
وتوضح سهيلة إن “الأمر يصبح أكثر خطورة حين تصادف السائقات مناطق معزولة”، ليصطحبنَ منها أو إليها زبائن ينتمون إلى فئة سلوكية غير مسؤولة، خصوصا إذا كان الزبون مرفوقا بأكثر من شخص.
وتقول لـ”هنَّ” أن “الخطر علينا أكبر بكثير مقارنة بالزبونات، لأننا في الشارع وحدنا نتحرك بالسيارة، وغالبا ما تفرض علينا بعض التطبيقات، ومنها ‘يانغو’، قبول أقرب زبون دون أن نعرفه، ولا تتيح لنا الفرصة للاطلاع على تقييماته أو اختيار زبون آخر غيره”.
وترى السائقة أن هذه الظروف تجعل بعضهنّ يترددن في تقديم شكايات عند التعرض للخطر، خوفا من المتابعة أو الملاحقة بسبب استعمال التطبيق، ما يضعهن في مواجهة مباشرة مع المخاطر اليومية، دون حماية قانونية فعلية أو بدائل آمنة.
كما يسهل على سائقي سيارات الأجرة استهداف سائقات التطبيقات أكثر من الرجال، ما يزيد من خطر الاستيلاء على سياراتهن أو مصادرة رخص القيادة من طرف الشرطة.
كل هذه المخاطر تجعل نساء كثيرات لا يرغبن في خوض هذه التجربة بتاتا، خصوصا في مدينة كالدار البيضاء، حيث ازدحام المرور وكثرة الزبائن غير المطمئنين يزيدان من احتمال وقوع الحوادث أو التعرض للتحرش أو السرقة، ما يجعل كل رحلة يومية تحديا كبيرا للسلامة الشخصية والطمأنينة النفسية.
حكت سهيلة لـ”هنَّ” عن تجاربها الصعبة خلال امتهانها لهذه المهنة حيث واجهت مرات عدة زبناء امتنعوا عن دفع الأجر بعد الرحلة، وفي أحيان أخرى تصرفوا بأسلوب فظ أو مهين، مما جعل التجربة صعبة ومتوترة للغاية، خصوصا وأنها لا تملك حلا سحريا حتى لا تقع في مثل هذه المشاكل، خصوصا مع انعدام الحماية القانونية.
وتشير السائقة إلى أن بعضهم تجاوز جميع الحدود، حيث كانوا يطالبون برقم هاتفها الشخصي، ويقومون بمحاولات للتواصل خارج نطاق الرحلة، وهو ما يزيد شعورها بعدم الأمان، “هذه المواقف تعلم أن يكون الإنسان يقظا دائماً، وأن تثقي فقط بالزبائن الذين يظهرون الاحترام، لأن أي لحظة تهاون قد تتحول إلى موقف خطير أو مزعج”، تضيف سهيلة.
من جهة أخرى، تصرح سهيلة أن سيارتها هي الأخرى لم تسلم من الأضرار؛ “أعمل بسيارتي طوال اليوم عبر هذا التطبيق، ومع الوقت بدأت تلحقها الكثير من الأضرار، مثل الخدوش وبعض الضربات التي تتسبب فيها دراجات نارية أو سيارات أخرى، قد تكون الحوادث بسيطة، لكنها تقلل من قيمة السيارة وتجعلها تبدو وكأنها قطعة خردة، على الرغم من أنها لا تزال جديدة”.
إلا أن سهيلة ترى أن هذه المخاطر المادية لا تمنعها من الاستمرار في العمل، لأنها تعتبر هذه التجربة مصدر دخل ضروري، ووسيلة لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، مشددة على أن الحذر والانتباه هما السبيلان الوحيدان لتجنب الوقوع في مواقف قد تكون أخطر.
وضع السائقات هش وغير قانوني
حول موضوع النقل باستخدام التطبيقات، وبعد تلقيها مراسلات عدة في الموضوع، حذرت وزارة النقل واللوجستيك، في رسالة موجهة للنقابة الديمقراطية للنقل، “من ممارسة أي نشاط للنقل عبر الطرق باستعمال السيارات الخاصة أو دون التوفر على الترخيص القانوني”، معتبرة أن ذلك “يشكل مخالفة صريحة يعاقب عليها القانون بعقوبات مالية أو حبسية أو بهما معا”.
وفي بلاغ آخر لها، بشأن الجدل المتعلق بالتطبيقات الذكية للنقل، تجنبت الوزارة الخوض في تفاصيل هذا الملف، مشيرة إلى أن “المقتضيات القانونية والتنظيمية المعمول بها لا تؤطر بشكل واضح هذه الخدمات، وأن النقل عبر التطبيقات يهم أساسا المجال الحضري الذي يدخل ضمن اختصاصات وزارة الداخلية”.
ويأتي هذا الموقف في سياق الجدل المتصاعد حول وضعية النقل عبر التطبيقات الذكية، الذي يعرف انتشارا متزايدا في عدد من المدن المغربية دون وجود إطار قانوني واضح ينظمه، ما يضع السائقين المستعملين لهذه الوسائل بين الحاجة إلى العمل ومخاطر الملاحقة القانونية.
ورغم تأكيد المهنيين على “أهمية إدماج هذا النمط في المنظومة الوطنية للنقل لما يوفره من مرونة وفرص شغل”، إلا أن وزارة النقل شددت على أن أي تقنين محتمل لهذه الخدمات “يبقى رهينا بتنسيق مؤسساتي مع وزارة الداخلية وبمراجعة الإطار القانوني المؤطر للنقل الطرقي للأشخاص بما يضمن احترام القوانين وحماية حقوق المستعملين والمهنيين على حد سواء”.
وفي تعليقها على هذا الموضوع، ترى هاجر الكحلي، عضو “المكتب الوطني للاتحاد الوطني لجمعيات وأرباب مدارس تعليم السياقة وقانون السير والسلامة الطرقية”، أن “النساء اللواتي يشتغلن عبر تطبيقات النقل غير المرخصة يواجهن مخاطر مضاعفة، سواء من الناحية القانونية أو من حيث سلامتهن الشخصية”.
ولأن تطبيقات النقل ليست مقننة في المغرب، تقول الكحلي أن هذا “يدفع العديد منهن إلى العمل في الخفاء وتفادي أعين السلطات، مما يضعهن في وضع هش”.
أما من الناحية القانونية، فإن “مزاولة هذا النشاط بمثابة نقل سري، وتترتب عنه عقوبات قد تشمل السجن من 6 أيام إلى 6 أشهر، وغرامة مالية من 1000 إلى 10 آلاف درهم، وذلك حسب الفصل 24 من مدونة السير”، وفق ما أوضحت الكحلي.
وأضافت الكحلي أن “معاناة السائقات تتضاعف عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع الزبائن، إذ قد تختار السائقة زبونة امرأة، لكن عند وصولها تجد في انتظارها رجلا أو أكثر، وهو ما يعرضها لمواقف خطيرة قد تتطور إلى عنف أو تهديد، خاصة في المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية حيث تقل فرص طلب النجدة أو الحصول على الحماية”.
واعتبرت أن “هذه الوضعية تجعل السائقات في حالة ضعف مستمرة، لأنهن يشتغلن خارج الإطار القانوني الذي من شأنه أن يوفر لهن الحماية عند التعرض لأي اعتداء”.
من جهة أخرى، يجد السائقات أنفسهن كذلك في مواجهة دائمة مع مهنيي سيارات الأجرة الذين يعتبرون نشاطهن منافسة غير قانونية، وقد يصل الأمر إلى اعتراض طريقهن أو إلحاق أضرار بسياراتهن.
وأشارت الكحلي إلى أن “السائقات لا يستطعن في مثل هذه الحالات الدفاع عن أنفسهن أو التوجه إلى القضاء بشكل فعال، لأن ممارستهن أصلا للنقل عبر هذه التطبيقات غير معترف بها قانونيا”.
واعتبرت الكحلي أن “هشاشة وضع السائقات تعود بالأساس إلى غياب أي إطار تشريعي ينظم هذه التطبيقات”، مؤكدة على أن “كل ما يروج بشأن إمكانية تقنينها لا يعدو أن يكون إشاعات”، مع غياب نقاش رسمي داخل البرلمان أو الحكومة حول هذا الملف.
منافسة غير عادلة
بجسدها النحيل المتعب، وذراعيها اللتين تلفحهما أشعة الشمس طيلة النهار، تواصل فاطمة كفاحها لكسب قوت يومها، متحدية قيود المجتمع الذكوري الذي لا يعترف للمرأة بمكان في هذا المجال، لكنها انتصرت، وحققت ذاتها بعد أكثر من 12 سنة من العمل.
فاطمة، سائقة سيارة أجرة، رفضت الكشف عن تفاصيل أخرى عنها، لكنها ترى، في حديثها مع “هنَّ”، أن “انتشار تطبيقات النقل غير المرخصة يلحق ضررا كبيرا بحقوق المهنيين الذين يشتغلون وفق القوانين المنظمة للقطاع”، مؤكدة على أن “سائقي وسائقات سيارات الأجرة يؤدون ما يفرضه القانون من التزامات مهنية وضريبية، ويعملون في إطار واضح يضمن لهم وللركاب الحماية القانونية، في حين يشتغل العاملون عبر التطبيقات خارج هذا الإطار، مما يخلق منافسة غير عادلة ويفتح الباب أمام الفوضى”.
وأضافت فاطمة أن سائقي الأجرة “يواجهون صعوبات يومية للحفاظ على مصدر رزقهم، ومع ذلك يلتزمون بالقوانين، بينما تأتي هذه التطبيقات لتأخذ مكانهم دون احترام للشروط والضوابط”.
وخلصت فاطمة إلى أن “استمرار هذا الوضع يهدد استقرار المهنة”، داعية السلطات إلى “التدخل الحازم لوقف هذه الممارسات غير القانونية وصون حقوق المهنيين الذين يمثلون العمود الفقري لقطاع النقل الحضري”.



















