تزويج القاصرات.. مذبحٌ مجتمعيّ لأحلامِ الطفلات الليبيات 

تزويج القاصرات، واحدةٌ من القضايا الاجتماعية الحساسة والمعقدة التي تعاني منها العديد من المجتمعات حول العالم، وفي ليبيا مازالت هذه الظاهرة تُلقي بظلالها على حياة الفتيات وعائلاتهن خصوصًا في المناطق الجنوبية مثل مدينة سبها. 

ففي مجتمع يتداخل فيه العرف بالتقاليد والضرورات الاقتصادية، تتجاوز معاناة الفتيات حدود الطفولة إلى عالم البلوغ والزواج المبكر، ما يطرح أسئلة إنسانية وقانونية واجتماعية حول تأثير هذه الممارسات على الصحة والتعليم والحقوق الأساسية للفتاة.

طفولة أُجهِضت باسم العادات

مريم البالغة من العمر ثلاثة عشر عاما طفلة لم تبلغ بعد، لم تتجاوز أحلامها حدود المدرسة واللعب وعيش طفولتها كبقية أقرانها، ولكن انتهى هذا الحلم حين قرر أهلها تزويجها، معتبرين أن هذا العمر “مناسب للزواج” وفقًا لعادات متوارثة.

الطفلة التي كان من المفترض أن تحمل حقيبتها المدرسية، حملت عبئ المسؤولية مبكرا، حيث دخلت مريم قفص الزوجية قسرًا بعدما عُقد قرانها، وبعد عام زُفّت غصبًا كعروس إلى رجل يكبرها بعدة سنوات.

لم تشفع براءتها ولا صغر سنها أمام أهلها أو زوجها، فُرض عليها الزواج فرضًا، وحُرمت من حقها في استكمال تعليمها، ومن حقها في أن تعيش مراحل طفولتها كاملة. 

بعد الزواج، بدأت معاناة جديدة؛ مريم التي لم يتجاوز عمرها 14 عامًا حاولت الهروب مرارًا وتكرارًا من واقع قاسٍ لا يحتمله عقل طفلة بالكاد بدأت تتعرف إلى الحياة.

خلال زواجها تعرضت مريم لجميع أنواع العنف اللفظي والجسدي، أما والداها، اللذان كان يُفترض أن يكونا مصدر الحماية والأمان والاحتواء، فقد كانا في الواقع جزءًا من القرار الذي غيّر مسار حياتها؛ فبدلًا من أن يكونَا هما ملاذها، ساهما في دفعها إلى واقع قاسٍ، وكأنهما أغلقا عليها باب الطفولة إلى الأبد.

وبعد عامين من الزواج ومع محاولات متكررة من مريم للهروب من هذا الواقع الأليم، في محاولة منها للبحث عن مأوى آمن يخفف عنها وطأة العنف الذي تعيشه، إلا أن زوجها تمكن من العثور عليها، وأعادها بالقوة إلى منزل الزوجية، الذي لم يكن بالنسبة لها سوى مكان موحش يشبه القبر. 

هناك، فُرض عليها واقع أكثر قسوة، إذ أُجبرت على أن تكون أمًا، في وقت لم تكتمل فيه طفولتها بعد.

لم يكتفِ الزوج بإجبارها على أداء دور الزوجة في سن مبكرة جدًا، بل اعتبر الإنجاب وسيلة لإبقائها مقيدة داخل هذا الزواج، ظنًا منه أن الأمومة ستمنعها من الهروب. 

ورغم أنها لم تكن تدرك حجم هذه المسؤولية أو تمتلك القدرة النفسية والجسدية لتحمّلها، إلا أن مريم تحملت آلام الحمل والولادة، لتنجب طفلًا بريئًا يشبهها، وهكذا أصبحت الطفلة أمًا قبل أوانها.

لم يكن لهذه الطفلة الاستعداد النفسي لتحمل مسؤولية طفل، وزاد هذا الأمر من سوء حالتها النفسية، فقررت أن تحزم ما تبقى من شجاعتها وتغادر، باحثة عن بداية جديدة تليق بعمرٍ لم يعش كما ينبغي. زواجٌ مبكر حوّل أحلامها إلى حطام، ودراستها إلى ذكرى، وطموحاتها إلى أسئلة مؤلمة بلا إجابات.

مريم، التي دخلت الحياة الزوجية وهي تحلم بالاستقرار، وجدت نفسها سجينة واقع قاسٍ لا يُحتمل، سنوات من القهر النفسي، والتهميش، وتحطيم الذات، دفعتها تدريجيًا إلى حافة الانهيار النفسي لم يكن الجنون الذي وصلت إليه ضعفًا، بل نتيجة طبيعية لحياة فُرضت عليها دون خيار.

تروي مقربات منها أن مريم “حاولت مرارًا التكيف، والصمت، والنجاة، لكنها في كل مرة كانت تخسر جزءًا من نفسها”، ومع غياب الدعم، واستمرار العنف المعنوي، أصبح الهروب خيارها الوحيد للبقاء على قيد الحياة.

الحلم الذي سرق مبكرا

لم تكن أمل قد أكملت عامها الرابع عشر حين توقّفت عن الذهاب إلى المدرسة، التي كانت تحلم أن تبني فيها أحلامها، ولكن هذه الأحلام استُبدلت فجأة بثوب زفاف أبيض أكبر من جسدها النحيل. 

في القرية الصغيرة التي تعيش فيها، لم يكن هذا القرار صادمًا للجميع، بل بدا لكثيرين “حلًا” لأعباءِ الفقر والخوف من المستقبل.

تقول أمل بصوت خافت، وهي تجلس في زاوية الغرفة: “كنت أريد أن أصبح معلمة، لكنهم قالوا إن الزواج ستر وأمان”.

وهكذا، من أجل الستر تم تزويجها لرجل يكبرها بأكثر من خمسة عشر عامًا. لم تسألها والدتها إن كانت مستعدة، ولم يجرؤ والدها على مخالفة ضغط العائلة والجيران. 

وفي ليلة زفافها، كانت أمل تبكي بصمت، لا خوفًا من المجهول فقط، بل حزنًا على طفولتها التي انتهت دون وداع.

بعد أشهر قليلة، بدأت ملامح التعب تظهر على وجهها؛ تركت اللعب، وانقطعت عن صديقاتها، وأصبحت حبيسة منزل لا تعرف فيه سوى الأوامر. 

لم تكن تفهم معنى الزواج، ولا مسؤولياته، ولا جسدها الذي أُجبر على تحمّل ما لا يطيق؛ “كنت أريد أن أعود إلى أمي، لكنهم قالوا لي: أنتِ الآن زوجة، تحمّلي”، تسرد أمل بحسرة. 

عند حملها الأول، لم تكن أمل تدرك خطورة ما تمرّ به؛ الألم كان مضاعفًا، والخوف أكبر من قدرتها على الفهم. حُملت إلى المستشفى في حالة صحية حرجة، حيث أكد الأطباء أن جسدها غير مهيأ للحمل في هذا العمر. نجت بأعجوبة، لكن الندوب النفسية بقيت أعمق من أي جرح جسدي.

اليوم، تنظر أمل من نافذة صغيرة، تراقب فتيات في عمرها وهنّ في طريقهن إلى المدرسة، تبتسم أحيانًا، ثم تدمع عيناها لتقولَ لنفسها “ياليتني معهم الآن”.

قصة أمل ليست استثناءً، بل واحدة من عشرات القصص التي تتكرر بصمت، بعيدًا عن الأرقام والقوانين. خلف كل حالة تزويج قاصر، طفلة فقدت حقها في الاختيار، وفي التعليم، وفي حياة تبدأ في وقتها الصحيح، لا قبل أوانها.

جسدٌ غير مهيأ للحمل والولادة

تؤكد الدكتورة مبروكة حسن، أخصائية النساء والولادة، أن “جسد الفتاة القاصر في الغالب غير مهيأ بيولوجيًا ولا نفسيًا لتحمّل الحمل والولادة”.

وتشير مبروكة إلى أن “الكثير من القاصرات لا يستطعن تحمّل آلام المخاض الطبيعي، ما يعرّضهن لمضاعفات صحية خطيرة”.

وتوضح حسن أنه من “أبرز هذه المضاعفات؛ النزيف أثناء الولادة، تعسّر الولادة وتسمم الحمل”. 

وتضيف: “في كثير من الحالات نُضطر إلى إجراء عمليات قيصرية للقاصرات، لأن أجسادهن غير جاهزة لتحمّل الولادة الطبيعية، ولذلك فإن نسبة العمليات القيصرية بين القاصرات أعلى مقارنة بغيرهن”.

وعن احتمالية الوفاة أثناء الحمل أو الولادة، تشير الدكتورة حسن إلى أن “معدلات الوفاة لا ترتبط بالعمر بشكل مباشر، إذ لا تختلف إحصائيًا كثيرًا بين القاصرات وغيرهن، إلا أن الخطورة تكمن في المضاعفات المحتملة، وعلى رأسها تسمم الحمل، الذي قد يؤدي في بعض الحالات إلى الوفاة”.

وترجع الطبيبة ذلك إلى قلة وعي القاصرات بطبيعة الحمل والولادة، خاصة أنه غالبًا ما “يكون الحمل الأول، فضلًا عن عدم إدراكهنّ لكيفية التعامل مع أعراضه ومخاطره، الأمر الذي يزيد من احتمالات المضاعفات”.

الهلع والخوف.. عامل نفسي خطير

تلفت الدكتورة مبروكة حسن إلى أن “العامل النفسي يلعب دورًا بالغ الخطورة، إذ تعاني أغلب القاصرات من حالات هلع وخوف شديد أثناء الولادة، ما يجعلهن غير متعاونات في كثير من الأحيان، الأمر الذي ينعكس سلبًا على سير عملية الولادة، ويؤثر صحيًا على الأم والجنين معًا”.

وفيما يتعلق بتأثير الحمل المبكر على الخصوبة، تؤكد حسن أن “الخصوبة لا ترتبط بالعمر وحده، بل تعتمد على التركيبة الجسدية لكل امرأة”.

وتوضح أن “الحمل في سن أصغر قد يكون مصحوبًا بخصوبة أعلى في بعض الحالات، إلا أن ذلك لا يلغي المخاطر الصحية والنفسية المصاحبة”.

السن المناسبة للحمل وفقًا للمعايير الطبية

توضح الطبيبة أن السن المناسب للحمل والولادة هو “السن الذّي تكتمل فيه البنية الجسدية للفتاة، وتصبح قادرة على تحمّل أعباء الحمل وآلام الولادة، وهو غالبًا من عمر 18عامًا فما فوق، مع التأكيد على أن العمر المثالي طبيًا للحمل يتراوح بين 20 و35 عامًا، وفقًا للمعايير الطبية العالمية”.

أما عن الحمل في الأعمار المتقدمة، فتشير حسن إلى أن “الخطورة ترتفع بعد سن الأربعين، حيث تزيد احتمالات التشوهات الخلقية، والمشكلات الصحية، وقد لا يكتمل الحمل بشكل سليم”.

تعامل طبي استثنائي مع القاصرات

وتختتم الدكتورة مبروكة حسن حديثها بالتأكيد على أن التعامل مع حالات الحمل لدى القاصرات يتم بإجراءات استثنائية، موضحة: “نحرص على معاملتهنّ بلطف شديد وكأنهنّ أطفال، ونعتمد على التعاطف والدعم النفسي لمساعدتهن على استيعاب خطورة الوضع”.

وتضيف أن “الطاقم الطبي قد يضطر في بعض الحالات إلى السماح بدخول الأم أو الزوج إلى غرفة الولادة، لتوفير الشعور بالأمان والدعم النفسي، وفي حال فشل كل محاولات التأهيل النفسي والتعاون، يكون الحل الأخير هو اللجوء إلى العملية القيصرية حفاظًا على سلامة الأم والطفل”.

انتهاكٌ صارخ لحقوق الطفولة

في تصريح خاص لهذه المنصة، أكدت الأستاذة سليمة زيدان، المختصة في المجال النفسي والمعالجة النفسية والناشطة في المجتمع المدني، أن تزويج القاصرات “يُعد انتهاكًا صارخًا لحقوق الطفولة قبل أن يكون قضية اجتماعية أو ثقافية”.

وأوضحت زيدان أن “القاصرة، من الناحية النفسية، لم يكتمل لديها بعد النضج الانفعالي والمعرفي الذي يؤهلها لتحمل مسؤوليات الزواج والأمومة”.

أما من الناحية المدنية، فإن “هذا النوع من الزواج يُعد شكلًا من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، حتى وإن تم تبريره تحت مسميات مثل الستر أو العادات والتقاليد”، تضيف الناشطة زيدان.

زيدان، استنادًا إلى الدراسات النفسية وخبرتها الميدانية في العمل مع عدد من النساء المطلقات، تؤكد على أن “الزواج المبكر يعرّض الفتاة لمخاطر تفوق بكثير أي حماية مزعومة. ومن بين هذه المخاطر اضطرابات نفسية متعددة، سواء وجدانية أو ذهانية، مثل الاكتئاب، القلق، والصدمات النفسية بمختلف أنواعها”.

كما أشارت إلى أن “الكثير من الفتيات يعانين من فقدان الإحساس بالذات والاستقلالية نتيجة العنف الأسري، إلى جانب العجز عن طلب المساعدة، أو عدم القدرة على تحمل مسؤولية طفل أو لقب مطلقة”.

“فضلًا عن المخاطر الصحية الجسيمة المرتبطة بالحمل المبكر، والتي قد تصل في بعض الحالات إلى فقدان الحياة أثناء الولادة”، تضيف زيدان. 

ظاهرة صامتة تتطلب مواجهة مجتمعية

رغم أنها لا تُعد من أكثر القضايا الاجتماعية تداولًا، إلا أن ظاهرة تزويج القاصرات ماتزال حاضرة في بعض أحياء مدينة سبها والمناطق المحيطة بها، وفق ما أكدته رئيسة مؤسسة “بيت فزان لتأهيل ورفع كفاءة المرأة والشباب”، الأستاذة عائشة يوسف.

وأشارت يوسف إلى أن “تكرار رصد هذه الحالات ميدانيًا يكشف عن مشكلة حقيقية تستوجب التعامل معها بجدية”.

وتوضح يوسف أن تزويج القاصرات في سبها “لا يقتصر على حالات فردية معزولة، بل يظهر أحيانًا كنمط متكرر لدى بعض الأسر، مدفوعًا بعوامل اجتماعية واقتصادية متداخلة”. 

وتتمثل أبرز هذه العوامل، حسب يوسف؛ “في استمرار بعض العادات والتقاليد التي تتقبل الزواج المبكر، إلى جانب الضغوط المعيشية، ونقص الوعي بحقوق الطفل، فضلاً عن محدودية فرص التعليم والعمل للفتيات، ما يجعل الزواج المبكر خيارًا مقبولًا لدى بعض العائلات”.

وفي هذا السياق، تؤكد رئيسة المؤسسة على أن منظمات المجتمع المدني “تلعب دورًا مهمًا في مواجهة الظاهرة، من خلال تنفيذ حملات توعوية وورش عمل تستهدف الأسر واليافعين، والتعاون مع المدارس والمراكز الثقافية لنشر ثقافة حقوق الطفل وأهمية التعليم، إضافة إلى تقديم الدعم النفسي والاستشارات للفتيات المتأثرات وأسرهن”.

وحول سبل الحد من زواج القاصرات، ترى أن “الحلول الواقعية تبدأ بتعزيز الوعي المجتمعي المستمر، وتمكين الفتيات تعليميًا واقتصاديًا عبر برامج التدريب وتنمية المهارات، إلى جانب التعاون مع الجهات الرسمية لوضع تشريعات واضحة تحدد الحد الأدنى القانوني للزواج وتضمن تطبيقها. كما تشدد على أهمية إشراك القيادات المجتمعية والدينية في توجيه رسائل واضحة ترفض الزواج المبكر، ودعم الأسر اقتصاديًا للتخفيف من الضغوط التي قد تدفعها إلى هذا الخيار”.

وتوجّه رئيسة مؤسسة بيت فزان رسالة مباشرة إلى الأسر التي ترى في الزواج المبكر حلًا، مؤكدة أن “هذا الخيار يحرم الفتاة من حقها في التعليم والصحة وفرص المستقبل، ويضعها أمام مسؤوليات لا تتناسب مع سنها”، داعية إلى “الاستثمار في تعليم الفتيات وتمكينهنّ باعتباره الأساس لبناء مجتمع متماسك ومستقر”.

كما تؤكد على الدور المحوري للإعلام في معالجة هذه القضية، مطالبة بـ”تناولها بمهنية ومسؤولية، بعيدًا عن التهويل أو التجميل، مع الاستمرار في تسليط الضوء على أبعادها الإنسانية والاجتماعية، وإبراز التجارب الإيجابية التي أسهمت في الحد من هذه الظاهرة”.

القانون حاضر والتطبيق غائب

رغم وجود نصوص قانونية واضحة تُنظم سن الزواج في ليبيا، مازالت ظاهرة تزويج القاصرات تفرض نفسها كواقع اجتماعي مقلق، تغذّيه الأعراف والتقاليد، وتُسهم في استمراره ثغرات قانونية وضعف في التطبيق. 

وأوضح المحامي صالح حتيته أن السن القانوني للقاصر في القانون الليبي يعرف “القاصر بأنه كل من لم يبلغ 18 سنة، وبحسب قانون الأسرة الليبي، فإن سن الزواج محدد بـ18 سنة للذكور و18 سنة للإناث، دون تمييز بين الذكور والإناث”.

وأكد حتيته أن القانون، رغم تحديدهِ لسنّ الزواج، “يجيز زواج القاصر في حالات استثنائية، وذلك بإذن قضائي وبموافقة ولي الأمر، وهو استثناء تحوّل في كثير من الأحيان إلى قاعدة تُعمل خارج إطار المصلحة الفضلى للطفل”.

وبحسب حتيته، هناك “عدة ثغرات تُستغل لتكريس زواج القاصرات، من أبرزها؛ عدم توثيق الزواج بشكل رسمي، التلاعب في أعمار القاصرين، استغلال الأعراف المحلية التي تمنح الشرعية الاجتماعية لزيجاتٍ مخالفة للقانون”.

ويؤكد المحامي أن “الزواج العرفي غير الموثق لا يحظى بأي اعتراف قانوني، ويُعتبر باطلًا، حتى وإن كان مقبولًا اجتماعيًا في بعض المناطق، ما يضع القاصرات في وضع قانوني هشّ”.

وفي جوابه على سؤال “من يتحمل المسؤولية القانونية؟”، يؤكد حتيتة على أن “المسؤولية القانونية، تتوزع وفق القانون، على عدة أطراف، هم؛ ولي الأمر، الزوج، المأذون أو من تولّى إبرام عقد الزواج”.

وأوضح أن “تزويج القاصر يُعد جريمة يعاقب عليها القانون، والعقوبات المقررة تتراوح بين الغرامة أو الحبس، وتُحدد وفق تقدير المحكمة، بناءً على ملابسات كل حالة”.

ويؤكد حتيته أن لـ”القاصر الحق في اللجوء إلى القضاء لفسخ الزواج، عبر إجراءات قانونية محددة، خاصة في حال ثبوت الضرر أو مخالفة شروط الزواج القانونية”.

الحمل أو الولادة… تصحيح قانوني مثير للجدل

في بعض الحالات، يُعتبر الزواج صحيحًا من الناحية القانونية إذا تم توثيقه لاحقًا بعد حدوث حمل أو ولادة، وهو إجراء يثير جدلًا واسعًا حول مدى انسجامه مع مبدأ حماية القاصر.

ويرجع المحامي حتيتة استمرار زواج القاصرات إلى: “هيمنة الأعراف والتقاليد الاجتماعية، ضعف الرقابة، قصور واضح في تطبيق القانون، ومواجهة العادات للقانون في واقع الأمر، فكثيرًا ما تتغلب العادات على القانون، ما يُفرغ النصوص القانونية من مضمونها ويُضعف حماية القاصرات”.

ويرى حتيته أن القوانين الحالية غير كافية دون تطبيق صارم، مؤكدًا الحاجة إلى: “تعديل بعض النصوص القانونية، وضع قيود ومعايير واضحة لمنح إذن زواج القاصر، والتركيز على الحملات التوعوية المجتمعية”.

وأوضح أن “المشكلة الجوهرية تكمن في التقصير في تطبيق القانون، ووجود ثغرات تشريعية تسمح باستمرار ظاهرة زواج القاصرات، رغم ما تحمله من مخاطر اجتماعية وقانونية جسيمة”.

من جهتها، تشدد زيدان على أن فكرة “الحماية التي يُسوّق لها في هذا السياق هي فكرة وهمية في نظري وغالبًا ما تُستخدم لتبرير الخوف الاجتماعي، لا لتوفير حماية حقيقية للطفلة”.

وتعتبر زيدان أن تزويج القاصرات “مشكلة مجتمعية حقيقية تستوجب المعالجة الجذرية، ولا يمكن اعتبارها ضرورة اجتماعية بأي حال من الأحوال؛ والمجتمعات التي تبرر هذا الزواج باعتباره ضرورة فهي تعاني غالبًا من مجموعة من العوامل، أبرزها الفقر، ضعف التعليم، غياب الحماية القانونية والخوف من كلام المجتمع”

وشددت على أن “الحل لا يكمن في تزويج الطفلات، بل في تمكين الأسر اقتصاديًا، وتعزيز التعليم، وتطبيق القوانين بصرامة، ونشر الوعي المجتمعي، وتوفير بيئة آمنة ومستقرة للفتيات”.

وأكدت زيدان على أن “إكمال التعليم يمثل أولوية قصوى، لأنه يحمي الفتاة نفسيًا واجتماعيًا، ويمنحها القدرة على اتخاذ قرارات واعية، ويقلل من احتمالية تعرضها للعنف، كما ينعكس إيجابًا على الأسرة والمجتمع ككل”

وأضافت: “الزواج يمكن أن يأتي لاحقًا، أما الطفولة والتعليم إذا ضاعَا فلا يمكن تعويضهمَا”.

ووجّهت زيدان رسالة مباشرة لأولياء الأمور، قائلة: “ابنتك أمانة وليست عبئًا يجب التخلص منه. اسأل نفسك بصدق؛ هل أزوّجها لأن ذلك هو الأفضل لها فعلًا، أم لأنني خائف من المجتمع أو من الظروف؟”.

ونصحت أولياء الأمور بأن “يستمعوا إلى بناتهم بدلًا من اتخاذ القرار نيابة عنهن يضعوا الصحة النفسية ومخاطر الزواج المبكر في مقدمة أولوياتهم، قبل الخوف على السمعة أو هاجس العنوسة، أن يمنحوهن فرصة للنمو، والتعليم، واختيار مستقبلهن بأنفسهن”.

وختمت حديثها بالقول: “الحماية الحقيقية لابنتك لا تكون بتزويجها مبكرًا، بل بتمكينها”.

طفولة مسلوبة وأعباء تفوق الاحتمال 

تحذّر الدكتورة سالمة ياقة، أخصائية في الصحة النفسية، من التداعيات النفسية الخطيرة لتزويج القاصرات، مؤكدة على أن “الفتاة في هذا العمر تدخل الزواج وهي غير مهيأة نفسيًا أو عاطفيًا، ما يعرّضها لاضطرابات قد تلازمها حتى مراحل متقدمة من حياتها”.

وتوضح الدكتورة ياقة، أن “القاصرات المتزوجات يعانين في البداية من آثار صدمة نفسية حادة، تتحول لاحقًا إلى اضطرابات نفسية متعددة، من أبرزها الاكتئاب والحزن المستمر، القلق والخوف المفرط، واضطرابات النوم مثل الأرق والكوابيس”. 

“كما تعاني كثيرات من ضعف الثقة بالنفس والشعور بالدونية، وفي بعض الحالات يُسجّل اضطراب ما بعد الصدمة، خاصة عند التعرض للعنف الجنسي أو الجسدي”، تضيف الدكتورة.

وتشير الأخصائية النفسية إلى أن “الزواج المبكر يضرب شعور الفتاة بالأمان، إذ تنتقل فجأة من عالم الطفولة إلى تحمّل مسؤوليات تفوق طاقتها. هذا الانتقال المفاجئ يضعف إحساسها بذاتها وقيمتها الشخصية، ويعزز شعورها بأنها مجبرة لا مخيّرة، ما يولد خوفًا داخليًا وصمتًا نفسيًا طويل الأمد”.

وحول قدرة القاصرات على التكيف مع أدوار الزوجة والأم، تؤكد ياقة، على أن “أغلبهن يواجهن صعوبة كبيرة، لأن الفتاة لم تكتمل جسديًا ولا نفسيًا ولا عاطفيًا. وتجد صعوبة في فهم طبيعة العلاقة الزوجية، وتشعر بضغط مستمر لأداء أدوار لا تتناسب مع عمرها. كما أن الأمومة المبكرة تسبب إرهاقًا نفسيًا وخوفًا داخليًا دائمًا قد لا تكون قادرة على تفسيره”.

“الزواج المبكر يؤثر بشكل مباشر على قدرة الفتاة على اتخاذ قرارات مستقلة مستقبلًا، إذ تعتاد أن يكون القرار بيد العائلة أو الزوج، ما يؤدي إلى فقدان الثقة في رأيها، ويجعلها أكثر تبعية وأقل قدرة على الدفاع عن نفسها، وهي آثار قد تستمر معها حتى في كِبرها”، تقول الدكتورة.

وتضيف أن “الزواج المبكر يقيّد العلاقات الاجتماعية للفتاة داخل حدود البيت، فيصبح عالمها الاجتماعي محدودًا، ما يقلل من فرص النمو النفسي والاجتماعي”. 

هذا التضييق، كما تشدد الدكتورة: “يعزلها عن محيطها الطبيعي، ويضعف قدرتها على بناء علاقات صحية ومتوازنة، وهو ما ينعكس سلبًا على صحتها النفسية واستقرارها لاحقًا”.

وتؤكد الأخصائية النفسية على أن “القاصرات المتزوجات أكثر عرضة للعنف النفسي والجسدي، بسبب ضعفهن وقلة خبرتهنّ، وعدم قدرتهنّ على الرفض أو الشكوى، إضافة إلى الخوف من الطلاق أو نظرة المجتمع. ويتخذ هذا العنف أشكالًا متعددة، من الإهانة والتهديد إلى الاعتداء الجسدي”.

“زواج فاشل يسرق الطفولة”

في وقت ماتزال فيه ظاهرة تزويج القاصرات تفرض نفسها كقضية اجتماعية مثيرة للجدل، تتعالى أصوات أولياء الأمور الرافضين لهذه الممارسة لما تحمله من مخاطر جسيمة. 

أثناء إعداد هذا التقرير، إلتقينا الأستاذة رحمة جمعة، وهي أم لفتاتينِ قاصرتين، والتي عن موقفها ورؤيتها تجاه تزويج القاصرات من منطلق تجربة الأم ووعيها بمسؤولية حماية بناتها.

وتؤكد الأستاذة رحمة جمعة في بداية حديثها أن تزويج القاصرات “زواج فاشل بكل المقاييس؛ لأنه ينهي طفولة الفتاة في مرحلة هي بأمسّ الحاجة فيها إلى الرعاية والتعليم والدعم النفسي”. 

وتوضح أن الزواج دون سن الثامنة عشرة “يحمل أضرارًا كبيرة على الفتاة، وهو جريمة بشعة تُرتكب بحق الطفلة وتنعكس آثارها السلبية على حياتها بالكامل”.

وعن فكرة أن الزواج المبكر قد يكون وسيلة لحماية الفتاة، ترفض الأستاذة رحمة هذا الاعتقاد بشكل قاطع، مؤكدة على أن “الزواج في سن مبكرة لا يحمي الفتاة، بل يعرّضها لمخاطر أكبر؛ سواء من الناحية الصحية أو النفسية أو الاجتماعية، ويضعها في مواجهة أعباء تفوق قدرتها على التحمل”.

وترى الأستاذة رحمة، بصفتها أمًا، أن تزويج القاصر لا يمكن اعتباره ضرورة اجتماعية، بل هو “مشكلة حقيقية يجب معالجتها، والمجتمع مطالب بحماية الفتيات من هذه الظاهرة بدلًا من تبريرها أو السكوت عنها”.

وفي المفاضلة بين التعليم والزواج المبكر، تؤكد الأستاذة رحمة جمعة أن “إكمال التعليم هو الأهم بلا شك، لأن تعليم الفتاة وحصولها على شهادة علمية يمنحانهَا الأمان والاستقلالية ويضمنانِ لها مستقبلًا أفضل، بينما يحرمها الزواج المبكر من فرص كثيرة قد لا تُعوّض”.

وفي ختام حديثها، توجه الأستاذة رحمة جمعة رسالة صادقة إلى كل ولي أمر يفكر بتزويج ابنته القاصر، قائلة: “قبل أن يزوّج الأب ابنته، لا بد أن يفكر جيدًا في عواقب هذا القرار. فالزواج ليس وسيلة لحل مشاكل البنات، وليس مجرد زوج أو ستر، بل هو مسؤولية كبيرة تشمل بيتًا وأطفالًا وإنجابًا. وغالبًا ما لا تكون الفتاة القاصر قادرة على تحمّل هذه المسؤولية”.

هذا، ويظلّ تزويج القاصرات جرحًا مفتوحًا في جسد المجتمع، لا يمكن التعامل معهُ على أساسِ حالاتٍ فردية أو أعراف اجتماعية موروثة، بل قضيةً حقوقية وإنسانية تتطلب مواجهة صريحة ومسؤولة. 

وتجمع المصادر التي استشرناها أثناء إعداد هذا التقرير، على أن “حماية الطفولة ليست خيارًا مؤجلًا ولا شعارًا موسميًا، بل التزام أخلاقي وقانوني يبدأ بتطبيق القوانين القائمة، وسدّ ثغراتها، ومساءلة كل من يتورط في انتهاك حق الطفلات في التعليم والصحة والحياة الكريمة، فمستقبل المجتمع لا يُبنى على زيجات مبكرة، بل على طفولة آمنة، واعية، وقادرة على الاختيار”.

“هذا التقرير إنتاج هذه المادة بدعم من “منظمة صحافيون من أجل حقوق الإنسان JHR”

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • حوار| ضحى يحياوي: تضامننا مع غزة واجب إنساني لا يتجزأ 

    منذ بداية العدوان الإسرائيلي الغاشم على غزة، شهدت تونس تحركات احتجاجية واسعة النطاق للتنديد بالمجازر المستمرة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل. كانت النساء التونسيات في طليعة هذه الاحتجاجات والمظاهرات المتكررة، ما يؤكد عمق تجذر القضية الفلسطينية في الوعي النسوي التونسي. الاحتجاج من أجل فلسطين ليس مجرد تعاطف إنساني عابر، بل هو امتداد طبيعي لمسيرة طويلة من…

    أميمة عدواني|

  • العنف الجنسي سلاح حرب صامت في ليبيا.. الناجيات بين الخوف والصمت

    بينما كانت العاصمة الليبية طرابلس تعيش على وقع اشتباكات دامية بين الميليشيات، هزّت جريمة اختطاف وقتل الطفلة رؤيا الرأي العام الليبي. مأساة رؤيا، التي طُويت من دون محاسبة، ليست إلا حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات، على رأسها العنف الجنسي، الذي بات يُستخدم كسلاح حرب صامت لإذلال الخصوم والسيطرة على المدنيين، وسط صمت مخيف وتجاهل…

    رتاج ابراهيم|

  • “المهاجرات هنَّ الحلقة الأضعف”.. السلطات التونسية تفكك مخيما للمهاجرين غير النظاميين

    مواجهات بين قوات الشرطة التونسية، ومهاجرين غير نظاميين من دول جنوب الصحراء، يوم الثلاثاء، بمدينة العامرة التابعة لمحافظة صفاقس، إثر محاولة تحييد مخيماتهم وتفكيك أماكن تجمعاتهم. وحسب تقارير إعلامية تونسية، فإن قوات الأمن "أطلقت قنابل الغاز المسيلة للدموع لفض الاشتباكات، بعدما رفض المهاجرون والمهاجرات إزالة مخيماتهم". وتنتشر مخيمات المهاجرين في الحقول ومزارع الزيتون، على أمل…

    Hounna | هنّ|

  • بين معركة الحضور وإثبات الذات.. كيف تحضر النساء في المشهد الأدبي المغربي؟

    لم تكن الكتابة النسائية يوماً مجرد انعكاس لتجربة فردية، بل هي امتداد لحركة اجتماعية وثقافية تسعى لكسر القوالب النمطية وإعادة تشكيل الوعي الجمعي. فمنذ عقود طويلة، خاضت المرأة معركة الحضور في المشهد الإبداعي، متجاوزة قيود التقاليد ومحدودية الفرص، حتى بات صوتها جزءاً لا يتجزأ من النسيج الأدبي والفكري المغربي. ومع ذلك، فلا تزال التساؤلات تُطرح…

    هاجر اعزة|