تراجيديا السودانيات بين نار الحرب ومُعاناة النزوح في ليبيا

في ظل التصاعد المتواصل لوتيرة الحرب في السودان، وجد آلاف المدنيين أنفسهم مجبرين على الفرار من مدنهم وقراهم، تاركين خلفهم منازلهم ومصادر رزقهم، بحثًا عن الأمان عبر الحدود، غير أن الوصول إلى الأراضي الليبية لم يكن نهاية لمعاناتهم، بل بداية لواقع إنساني أكثر تعقيدًا، حيث اصطدم النازحون السودانيون بظروف معيشية قاسية وتحديات يومية تهدد أبسط مقومات حياتهم.

يتوزع هؤلاء النازحون بين مخيمات مؤقتة تفتقر إلى الخدمات الأساسية، ومناطق هامشية على أطراف المدن الكبرى، في بيئة تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية وأمنية متراكمة، وفي ظل شح الموارد، يجد النازحون صعوبة بالغة في الحصول على الغذاء، والمياه النظيفة، والرعاية الصحية، فيما تبقى فرص التعليم للأطفال شبه معدومة، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على جيل كامل حُرم من حقه في الطفولة.

وتتفاقم معاناة هذه الفئة في ظل غياب إطار قانوني واضح ينظم أوضاعهم، ما يضعهم في دائرة هشاشة دائمة، ويجعلهم عرضة للاستغلال والانتهاكات، خاصة النساء والأطفال، الذين يواجهون مخاطر مضاعفة تتعلق بالأمن، والصحة، والحماية الاجتماعية، كما تشكل محدودية الدعم الإنساني وضعف استجابة الجهات المعنية عبئًا إضافيًا على حياتهم اليومية، في بلد يعاني بدوره من تحديات سياسية واقتصادية خانقة.

بين مطرقة الهروب من الحرب وسندان واقع اللجوء القاسي، يعيش النازحون السودانيون في ليبيا حالة من الانتظار المعلّق، دون أفق واضح للحل أو العودة الآمنة، هذا التحقيق يحاول تسليط الضوء على أوضاعهم الإنسانية، ورصد حجم المعاناة التي يعيشونها، والكشف عن مسؤولية الجهات المحلية والدولية تجاه أزمة إنسانية تتفاقم بصمت.

القبض علينا في الطريق… رحلة هروب لا تنتهي

لم يكن الرحيل عن السودان خيارًا سهلًا بالنسبة لنوال، لكنه كان كما تقول  الخيار الوحيد المتبقي للحياة، فالبقاء وسط القصف والخوف والجوع كان يعني انتظار الموت، يومًا بعد آخر، حملت عائلتها وما تبقى من أمل، واتجهت نحو المجهول، معتقدة أن عبور الحدود سيمنحهم فرصة للنجاة، لكنها لم تكن تعلم أن ليبيا ستكون محطة جديدة للألم، يتبدل فيها شكل الخوف دون أن يختفي.

تستعيد نوال وهي إحدى الناجيات، تفاصيل يوم ما زال عالقًا في ذاكرتها، في أحد أيام الصيف الحارقة، كانت تسير رفقة بناتها في منطقة السراج، في طريقهن إلى “البراكة” التي أقامتها بجهدها كمأوى مؤقت يحميهن من التشرد. لم يكن في بالها سوى تأمين مكان تنام فيه بناتها بسلام، لكن الطريق انقلب فجأة إلى كابوس.

تقول: “فوجئنا بدورية للشرطة توقفنا في الشارع، لم يُشرح لنا السبب، فقط طُلب منا الصعود، اقتادونا إلى مركز الإيواء، هناك وجدتُ نساء أخريات في المكان، بعضهن أُخذن من الشارع، وأخريات من داخل بيوتهن”. 

“داخل المركز، تصاعدت المعاناة، وشعرت أن كرامتي تُسلب أمام بناتي، ولم أستطع حمايتهن”، تضيف بصوت يختلط فيه الغضب بالعجز.

وتروي أنه “لم يكن هذا الألم الأول في حياتي فقبل الوصول إلى ليبيا، كانت الحرب في السودان قد سلبت العائلة كل شيء، زوجي الذي كان يعمل معلمًا، اعتقلته ميليشيات الدعم السريع، تعرض للضرب والتعذيب، وأُحرق داخل السجن، نجا بأعجوبة، لكنه خرج بجسد منهك ومرض مزمن أقعده عن العمل، ورغم ذلك، ظل المعيل الوحيد للأسرة”.

وتواصل في حكيها “كنا مضطهدين هناك، وهربنا بحثًا عن الأمان، لكننا هنا أيضًا نعيش على الهامش، تضيف لا تملك العائلة مالًا، ولا مصدر دخل ثابت، ويظل الإيجار هو الهاجس الأكبر، الكابوس الذي يلاحقنا مع نهاية كل شهر”.

كفاح يومي من أجل البقاء

اليوم، تحاول نوال أن تبقي عائلتها على قيد الحياة بأي وسيلة ممكنة، تجمع الحديد من الشوارع، تنظف المنازل، وتتنقل بين أعمال متفرقة بالكاد تسد الرمق، في بعض الأيام تعود خالية الوفاض، تخفي دموعها عن أطفالها، وتطمئنهم بأن الغد سيكون أفضل.

لكن القلق الأكبر يظل ابنتيها المراهقتين، البالغتين 14و 15 عامًا، نحن غرباء هنا، أخاف عليهما كثيرًا، تقول: العمل قد يعرضهما للمضايقات، والخروج وحدهما ليس آمنًا،  أما الأطفال الأصغر، فيواجهون التنمر في الشوارع، كلمات قاسية تترك أثرًا أعمق من الجوع، وتزيد من معاناتهم النفسية.

رغم كل ذلك، تحاول نوال  التماسك، في الليل حين ينام الأطفال، تفكر في المستقبل المجهول، وفي وطن تركته خلفها ولم يعد آمنًا، وبلد لجأت إليه ولم يمنحها الطمأنينة، بين خوف الاعتقال، وشبح التشرد، وصراع البقاء، تواصل العائلة السير، خطوة ثقيلة بعد أخرى، على أمل أن يأتي يوم لا يكون فيه الطريق فخًا، ولا تكون النجاة مؤقتة. 

رحلة صفاء من أروقة الولادة إلى دروب النزوح

صفاء السنوسي، 25 عامًا، مواطنة سودانية، كانت تعمل قابلة في السودان، متزوجة وأم لطفل واحد، دفعتها الحرب إلى مغادرة وطنها، لتبدأ رحلة نزوح قسرية إلى ليبيا برفقة خمسة من إخوتها، فيما بقي جزء من عائلتها عالقًا داخل السودان.

لم يكن الخروج من السودان بحثًا عن حياة أفضل، بل هروبًا من الموت”، تقول صفاء، مضيفةً أن “النزوح كان الخيار الوحيد بعد تدهور الأوضاع الأمنية، لتتحول ليبيا من محطة أمان محتملة إلى بداية معاناة جديدة، خاصة أثناء محاولة الوصول من سبها إلى طرابلس”.

الابتزاز عند بوابات العبور

أثناء انتقالها من سبها إلى طرابلس، واجهت صفاء وعائلتها عراقيل تتعلق بالأوراق الثبوتية. رغم استخراجهم مستندات في سبها على أساس التنقل داخل ليبيا، أُبلغوا عند إحدى البوابات بأن هذه الأوراق لا تخوّل لهم دخول طرابلس، وطُلب منهم دفع مبلغ مالي مقابل العبور.

عدم توفر المبلغ اضطرهم للعودة مؤقتًا، ثم الرجوع مجددًا بعد جمع المال ودفعه، في مشهد يعكس حجم الانتهاكات التي يتعرض لها النازحون عند نقاط التفتيش، تحت مسمى “إجراءات جديدة” غير واضحة.

من قابلة إلى ممرضة

في ليبيا، عملت صفاء في مصحة خاصة كممرضة، رغم أنها قابلة مجتمعية في الأصل، وتقول إن دخولها المجال الطبي كان بدافع الحاجة لا الاختيار، في ظل غياب آليات الاعتراف بالمؤهلات المهنية للنازحين، واضطرارهم للقبول بأي فرصة عمل متاحة.

وتصف صفاء حياتها في طرابلس بأنها “صعبة”، خاصة في بدايات النزوح، الإيجارات المرتفعة استنزفت معظم الدخل، ما جعل توفير الغذاء تحديًا يوميًا، فضلًا عن الاحتياجات الشخصية والرعاية الصحية، قبل أن يتحسن الوضع نسبيًا بعد حصولها وزوجها على عمل.

التمييز الاجتماعي “أنتم أجانب”

على الرغم من توفر الأدوية في السوق الليبي، إلا أن الوصول إلى الخدمات الصحية لم يكن مضمونًا دائمًا. بعض المستشفيات العامة كانت تستقبلهم، بينما ترفض أخرى علاجهم بحجة أنهم أجانب، ما يضع النازحين أمام واقع صحي غير مستقر، خاصة في الحالات الطارئة.

واجهت صفاء أشكالًا من التمييز أثناء إقامتها في منطقة العزيزية، حيث تقول إن المعاملة كانت قاسية ومشحونة بنظرة دونية. إلا أن انتقالها لاحقًا إلى منطقة أبو سليم خفف من حدة هذه التجربة، بعد أن وجدت تعاملًا إنسانيًا أفضل من السكان.

دعم دولي… وغياب رسمي

لاحقًا، سجّلت صفاء وعائلتها لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وتلقوا مساعدات تموينية ساعدتهم على تجاوز أصعب المراحل. في المقابل، تؤكد أن السفارة السودانية لم تقدّم أي دعم أو مساعدة، رغم الوضع الإنساني الذي يعيشه مواطنوها في ليبيا.

وتكشف قصة صفاء جانبًا من معاناة النازحين السودانيين في ليبيا، حيث تتقاطع الحرب مع الابتزاز، وغياب الحماية القانونية، وضعف الاستجابة الرسمية. وبين بوابات العبور، وصعوبة العيش، والتمييز، يبقى النازح عالقًا بين نجاة ناقصة وحقوق مؤجلة.

وتقول صفاء، “النزوح ليس اختيارًا، بل نجاة مؤقتة من موتٍ مؤكد”، قصتها ليست استثناءً، بل واحدة من آلاف قصص السودانيين الذين دفعتهم الحرب إلى طرقٍ وعرة، وحدودٍ قاسية، ومعاملة غير عادلة، رسالة صفاء هي تذكير بأن النازحين لا يحتاجون إلى شفقة، بل إلى حماية، وكرامة، وحقٍ أساسي في العيش الآمن، بعيدًا عن الابتزاز، والتمييز، والتجاهل الرسمي.

واقع معيشي هش: شهادات من داخل الجالية السودانية 

تعيش آلاف الأسر السودانية النازحة في طرابلس وعدة مدن أخرى أوضاعًا إنسانية بالغة القسوة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الوصول إلى الخدمات الأساسية، وفق ما أكدته نهى سعد محمد، نائب أمين مكتب الشؤون الاجتماعية بالجالية السودانية بطرابلس.

وتشير سعد إلى أن “أزمة السكن تُعد من أبرز التحديات التي تواجه النازحين، حيث تعجز غالبية الأسر عن تحمل تكاليف الإيجارات المرتفعة، ما يضطرها إلى السكن المشترك أو في مبانٍ غير مكتملة تفتقر لأدنى مقومات الحياة، مثل الأبواب والنوافذ والحمامات، رغم قسوة الشتاء”.

وتوضح أن معظم الأسر تعتمد على العمل اليومي غير المنتظم، إذ يعمل رب الأسرة – إن وجد – في ساحات العمال للحصول على دخل “اليوم باليوم”، دون أي ضمانات أو راتب ثابت، فيما تضطر بعض النساء، خاصة الأرامل ومن فقدن أزواجهن خلال الحرب، للعمل في مهن مؤقتة كالتنظيف أو الأعمال الخدمية، بينما تبقى أخريات بلا أي مصدر دخل.

الرعاية الصحية: معاناة مضاعفة للفئات الأضعف

في الجانب الصحي، تصف نائب أمين الشؤون الاجتماعية الوضع بـ”الحرج للغاية”، مؤكدة وجود حالات مرضية خطيرة بين الأطفال وكبار السن. وتلفت إلى أن ضعف الخدمات في المستشفيات العامة يدفع كثيرًا من الأسر إلى اللجوء للمصحات الخاصة، بتكاليف باهظة تفوق إمكاناتهم.

وتسجل سعد حالات لأطفال يحتاجون إلى عمليات جراحية عاجلة، ومرضى سرطان يعجزون عن توفير جرعات العلاج الكيماوي المنتظمة، إضافة إلى مرضى يعانون من أمراض مزمنة كالسكري وارتفاع ضغط الدم، ما يعرض حياتهم لمخاطر حقيقية.

نساء وأطفال خارج دائرة الأمان

وتعد النساء والأطفال من أكثر الفئات هشاشة، بحسب سعد، إذ تواجه النساء اللاجئات، خصوصًا الأرامل ومن فُقد أزواجهن، صعوبات مضاعفة في تأمين السكن والعمل والتعليم لأطفالهن. كما يعاني الأطفال من انقطاع طويل عن الدراسة، في ظل عدم قدرة الأسر على تحمل الرسوم الدراسية في المدارس السودانية، رغم الحديث عن وجود دعم من بعض المنظمات الدولية.

وتشير الشهادة إلى أن عددًا من الأطفال السودانيين ظلوا خارج مقاعد الدراسة لسنوات منذ اندلاع الحرب في السودان، إما بسبب ارتفاع الرسوم أو بسبب أوضاع الإقامة القانونية لذويهم، ما يهدد مستقبل جيل كامل بالضياع.

الوصول إلى الخدمات الأساسية… طريق شائك

وعن إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية، توضح سعد أن النازحين يواجهون صعوبات حقيقية داخل بعض المرافق الصحية الحكومية، خاصة النساء الحوامل، بسبب اشتراطات تتعلق بالهوية أو الإقامة، ما يدفعهم مجددًا إلى القطاع الصحي الخاص، حيث تُفرض عليهم فواتير مرتفعة لا يستطيعون سدادها.

الاحتجاز وتنظيم الوجود

وفيما يتعلق بالاحتجازات، تشير سعد إلى أن بعض السودانيين يتعرضون للاحتجاز بسبب مخالفات تتعلق بالهجرة غير النظامية أو تنظيم الشارع، مؤكدة أن السفارة السودانية تتدخل عبر لجنة مختصة للتواصل مع الجهات الليبية والعمل على الإفراج عن المحتجزين.

دور المنظمات… دعم محدود واحتياجات أكبر

وتثمن نائب أمين مكتب الشؤون الاجتماعية جهود عدد من المنظمات الدولية والمحلية، مثل المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، ومنظمة اليونيسف، ومؤسسات خيرية ليبية، مؤكدة أن هذه الجهود تبقى في إطار المساعدات الإسعافية وغير المنتظمة، ولا ترقى لتغطية الاحتياجات المتزايدة للأسر النازحة.

العودة الطوعية… خيار اضطراري

وفي ظل تفاقم الأوضاع المعيشية، برز خيار العودة الطوعية إلى السودان كحل اضطراري لكثير من الأسر، خاصة الفئات الأكثر هشاشة. وتشير سعد إلى تسجيل آلاف السودانيين الراغبين في العودة، في إطار مبادرة تم تنسيقها بين الحكومة الليبية والسفارة السودانية، لتأمين عودتهم عبر البحر.

نداء إنساني عاجل

وتختتم سعد بشهادة إنسانية تطالب فيها بحصر الحالات المرضية الحرجة بين النازحين السودانيين، وتوفير العلاج العاجل لهم، لا سيما مرضى السرطان والأطفال الذين يحتاجون إلى علاجات دورية لا تحتمل التأخير، مؤكدة توفر التقارير الطبية التي توثق هذه الحالات.

واقع حقوقي هش وتفاوت جغرافي

يرى الناشط الحقوقي طارق لملوم أن واقع حقوق النازحين السودانيين وطالبي اللجوء في ليبيا لا يزال دون الحد الأدنى المقبول، ويتسم بتناقض واضح في المعاملة والاعتراف بوضعهم القانوني، حيث يختلف التعامل معهم بشكل ملحوظ بين شرق البلاد وغربها

اعتراف محدود في الشرق وانتهاكات مستمرة

يوضح لملوم أنه في شرق ليبيا جرى الاعتراف بالسودانيين كنازحين فارّين من النزاع، مع اتخاذ بعض الإجراءات الإدارية مثل إصدار بطاقات حصر وشهادات صحية، وتقديم مساعدات محدودة من قبل الوكالات الدولية، وإن لم تشمل الجميع، إلا أن هذا الاعتراف لم يمنع تسجيل حالات احتجاز لبعض المرضى وإعادتهم قسرًا إلى السودان، رغم أوضاعهم الصحية الحرجة.

غرب ليبيا: غياب الآلية وتناقض التصريحات

في المقابل، يؤكد لملوم أن غرب ليبيا يفتقر إلى آلية موحّدة وثابتة للتعامل مع النازحين السودانيين، ولا توجد خطوات حقوقية عملية للاعتراف بوضعهم، ورغم تصريحات رسمية صدرت في نوفمبر الماضي تؤكد احترام وضع السودانيين وعدم إعادتهم إلا طوعًا، إلا أنها لم تُترجم فعليًا إلى ممارسات على الأرض.

النساء في مواجهة العنف والاستهداف

ويشير لملوم إلى أن النساء السودانيات يتعرضن لانتهاكات جسيمة، حيث تم توثيق أكثر من ست حالات خطف واعتداء منذ يونيو الماضي، تعرّضت غالبيتهن لاعتداءات جنسية أثناء عودتهن من أعمالهن ليلًا، كما تستمر ممارسات التضييق الأمني بحقهن والقبض على بعضهن في الشوارع والأسواق بذريعة “التسوّل”.

أطفال خارج مقاعد الدراسة

يعدّ لملوم حرمان الأطفال السودانيين من التعليم من أخطر الانتهاكات، خاصة بعد تعميم وزارة التعليم قرارًا يمنع قبول أي طالب أجنبي دون إقامة رسمية، دون استثناء فئة النازحين الفارّين من النزاع، ما أدى إلى إخراج آلاف الأطفال من المنظومة التعليمية.

حماية قانونية شبه منعدمة

بحسب لملوم، لا تزال الحماية القانونية ضعيفة في عموم ليبيا، ففي الشرق تقتصر على إجراءات إدارية لا ترقى إلى حماية مستدامة، بينما تكاد تكون منعدمة في الغرب نتيجة غياب إطار قانوني واضح، واستمرار التعامل مع النازحين من منظور أمني بدل الإنساني.

ركود اللجوء وإعادة التوطين

يتحدث لملوم عن ركود شديد في إجراءات اللجوء وإعادة التوطين، رغم تسجيل أعداد كبيرة من السودانيين لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ما دفعهم لتنظيم وقفات احتجاجية متكررة خلال الشهرين الماضيين للمطالبة بإعادة توطينهم خارج ليبيا، في ظل ضعف التزام الدول الأوروبية بحصص إعادة التوطين.

احتجاز وترحيل قسري

ويؤكد لملوم توثيق حالات احتجاز تعسفي في غرب ليبيا ضمن حملات أمنية عشوائية، إضافة إلى تسجيل حالات طرد وإعادة قسرية لبعض المرضى السودانيين في شرق البلاد، رغم خطورة أوضاعهم الصحية.

دور دولي محدود واستجابة غير كافية

يرى لملوم أن دور المنظمات الدولية لا يزال محدودًا، حيث تُقدَّم مساعدات جزئية لا تغطي الاحتياجات الأساسية، بينما تبدو المفوضية غير قادرة على تنفيذ عمليات إعادة توطين مؤثرة، في ظل غياب الإرادة السياسية الدولية، واستمرار السياسات الأوروبية التي تركز على الاحتواء والعودة بدل الحماية.

الرعاية الصحية… الفجوة الأخطر

يؤكد الناشط الحقوقي أن الرعاية الصحية تمثل أكبر فجوة في الاستجابة الإنسانية، إذ يُحرم المرضى، خصوصًا النساء الحوامل، من العلاج في المستشفيات العامة والخاصة، لا سيما في طرابلس، بسبب تعميمات أمنية تمنع استقبال غير الحاصلين على إقامة رسمية، ما يدفع الكثيرين للعلاج الذاتي في ظروف خطرة.

مطالب عاجلة لحماية النازحين

ويختتم لملوم بالدعوة إلى إجراءات عاجلة تشمل توحيد السياسات بين شرق وغرب ليبيا، ومنع الاحتجاز التعسفي، وضمان الوصول غير المشروط إلى الرعاية الصحية، وفتح نقاط تسجيل للمفوضية في الجنوب والشرق، إضافة إلى دعوة الاتحاد الأوروبي والدول المعنية لتحمّل مسؤولياتها تجاه أزمة السودان ودعم استجابة إنسانية حقيقية.

مفوضية اللاجئين: فجوة التمويل تدفع الفارين من السودان نحو خيارات خطرة

في ظل استمرار الحرب في السودان، لا تزال ليبيا إحدى محطات اللجوء القسرية لآلاف الفارين من العنف، وسط أوضاع إنسانية معقّدة تضغط على اللاجئين والمجتمعات المستضيفة على حد سواء، ووفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يصل كثير من السودانيين إلى ليبيا في ظروف بالغة القسوة، بعد رحلات نزوح طويلة، دون موارد تُذكر، ويواجهون صعوبات حادّة في تأمين الاحتياجات الأساسية.

تقول كارمن صخر، رئيس بعثة المفوضية في ليبيا، إن المفوضية تشعر بـ«قلق بالغ إزاء الوضع الإنساني للأشخاص القادمين إلى ليبيا من السودان فرارًا من الحرب»، مشيرة إلى أن أغلبهم يصلون وهم لا يملكون سوى الملابس التي يرتدونها، في وقت تعاني فيه الخدمات المحلية أصلًا من شحّ الموارد، ما يضاعف العبء على المجتمعات الليبية المستضيفة.

وبحسب صخر، تعمل المفوضية، بناءً على طلب السلطات الليبية ودعمًا لها، بالتعاون مع الشركاء الوطنيين والإنسانيين، ضمن إطار خطة الاستجابة الإقليمية، لتلبية الاحتياجات العاجلة، والتي تشمل تسجيل الوافدين وتحديد هوياتهم لفهم مواطن الضعف لديهم، وتوزيع مواد الإغاثة الأساسية، إلى جانب دعم خدمات الصحة والحماية، مع إعطاء أولوية خاصة للنساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، ممن تعرّض كثير منهم لنزوح متكرر وصدمات نفسية.

ولا تقتصر تدخلات المفوضية على اللاجئين فقط، بل تمتد ” وفق رئيسة البعثة ” إلى دعم المجتمعات الليبية المستضيفة، عبر توزيع مواد الإغاثة وإعادة تأهيل مرافق صحية ومدارس ومساحات عامة، إضافة إلى تزويد مستشفيات في مناطق مختلفة من البلاد بمعدات وإمدادات طبية.

غير أن حجم الاستجابة يبقى محدودًا أمام اتساع الاحتياجات، وتؤكد المفوضية أن الأزمة تواجه فجوة تمويلية كبيرة، إذ لم يُؤمَّن سوى 28 في المائة من التمويل المطلوب، ما اضطرت الجهات الإنسانية إلى تقليص المساعدات في وقت تتزايد فيه أعداد الوافدين واحتياجاتهم، وتحذّر صخر من أن تخفيض التمويل «له آثار فورية وحقيقية على حياة الناس»، ويترك العديد من الأسر دون دعم كافٍ.

وتشير المعطيات إلى أن هذا العجز يدفع بعض الأسر إلى تبنّي آليات تكيّف سلبية، فيما يلجأ آخرون، بدافع اليأس، إلى محاولات خطيرة لمغادرة ليبيا، بما في ذلك ركوب البحر عبر طرق محفوفة بالمخاطر، ما يعرّض حياتهم لخطر جسيم.

أما على مستوى الحلول الدائمة، فتؤكد المفوضية أنها ما تزال محدودة للغاية في السياق الراهن، فالعودة الطوعية إلى السودان غير ممكنة بسبب استمرار الحرب وانعدام الأمن، في حين تبقى فرص الإجلاء أو المسارات التكميلية خارج ليبيا نادرة، وفي هذا الإطار، تُعد إيطاليا الدولة الوحيدة التي توفر ممرات إنسانية من ليبيا، وبأعداد محدودة لا تتناسب مع حجم الاحتياجات.

كما تواجه آلية العبور الطارئ إلى رواندا اختناقات كبيرة، نتيجة تأخر دول الاستقبال في معالجة ملفات اللاجئين الذين تم إجلاؤهم سابقًا، ما يعوق عمليات مغادرة حالات جديدة من ليبيا، وترى المفوضية أن تسريع معالجة هذه الملفات بات ضرورة لإتاحة المجال أمام الفئات الأكثر عرضة للمخاطر.

وتؤكد كارمن صخر أن الأزمة تتجاوز قدرة العمل الإنساني وحده، مشددة على أن الحل الأكثر استدامة يكمن في تجديد الجهود الدولية لإنهاء النزاع في السودان، وتهيئة الظروف لعودة آمنة وكريمة، كما تحذّر من أن استمرار تحميل دول الخطوط الأمامية، مثل ليبيا، عبئًا غير متناسب دون تضامن دولي وتقاسم للمسؤولية، سيقوّض أي استجابة إنسانية فعالة.

وخلف الأرقام، تقول المفوضية، «أناس حقيقيون» يعيشون هذه المأساة يوميًا، أمهات يحاولن حماية أطفالهن، وكبار سن نزحوا مرارًا، وشباب خسروا سنوات من التعليم والاستقرار، وبينما تواصل المفوضية عملها الممتد منذ 75 عامًا في حماية المجبَرين على الفرار، يبقى مستقبل آلاف السودانيين في ليبيا رهينًا بمدى التزام المجتمع الدولي بتوفير التمويل، وتوسيع المسارات الآمنة، والعمل الجاد لإنهاء الحرب التي دفعتهم إلى النزوح أصلًا.

وفي سياق هذا التحقيق الذي يتناول الأوضاع الإنسانية لنازحي الحرب السودانيين ، حاولت التواصل مع عميد بلدية الكفرة، والمتحدث الرسمي باسم البلدية ، إضافة إلى رئيس لجنة الطوارئ والأزمات بالمنطقة، بهدف الحصول على إفادات رسمية توضح دور الجهات المحلية في التعامل مع هذا الملف الإنساني، وآليات الاستجابة للتحديات المتزايدة التي يواجهها النازحون.

ورغم تكرار محاولات التواصل عبر قنوات مختلفة، لم أتلقى أي رد رسمي حتى لحظة إعداد هذا التحقيق، حيث قوبلت هذه المحاولات بعدم الاستجابة، دون توضيح أسباب ذلك.

ويأتي هذا الغياب في وقتٍ يُسلّط فيه التحقيق الضوء على واقع معقّد يعيشه نازحو الحرب السودانيون في الكفرة، يشمل صعوبات في السكن، والرعاية الصحية، وتأمين الغذاء، والحماية الإنسانية، وهي ملفات تُعد من صميم اختصاص الجهات المحلية ولجنة الطوارئ والأزمات، أيضاً تواصلت مع القنصلية السودانية في مدينة بنغازي ولكن قبلت بعدم إمكانية الحصول على إجابات لأسئلتي التي طرحتها رغم استلامهم لها. .

وأؤكد أن هذا التحقيق ما يزال مفتوحًا، وأن حق الرد مكفول لكافة الجهات ذات العلاقة، التزامًا بأخلاقيات العمل الصحفي وحق الرأي العام في الوصول إلى المعلومة.

ليبيا: ليست محطة أمان! 

لم تكن ليبيا محطة أمان كما تخيلها آلاف السودانيين الفارين من أتون الحرب، بل تحولت إلى مساحة انتظار قاسية، تتراكم فيها الأزمات بدل أن تنتهي، فبين سكن غير لائق، وعلاج مؤجل، وتعليم معطّل، يعيش النازحون السودانيون في ليبيا واقعًا هشًا تُدار فيه الحياة بمنطق “اليوم بيومه”.

ورغم الجهود التي تبذلها منظمات دولية ومحلية، وما قدمه المجتمع الليبي من دعم إنساني، تظل هذه الاستجابات محدودة الأثر أمام حجم الاحتياجات المتصاعدة، خصوصًا لدى النساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة، ومع غياب حلول مستدامة وآليات حماية شاملة، يتحول اللجوء من ملاذ مؤقت إلى أزمة مفتوحة.

وفي ظل هذا المشهد، لا تبدو العودة الطوعية إلى السودان خيارًا نابعًا من تحسن الأوضاع بقدر ما هي محاولة أخيرة للهروب من واقع لم يعد يُحتمل، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: من يتحمل مسؤولية حماية هؤلاء، وإلى متى سيبقون عالقين بين حرب لم تنتهِ، ولجوء لا يوفر الأمان؟

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR

اقرأ أيضا

  • جزائرية تضع مولودها في مدينة سبتة بعد قطعها 5 ساعات سباحةً من المغرب

    وضعت شابة جزائرية تبلغ من العمر 26 عاما، مولودها في المستشفى الجامعي بمدينة سبتة، بعد وصولها إليها قبل أيام، عقب عبورها من المغرب سباحةً لمدة خمس ساعات.وبحسب مصادر تحدثت لـ"هنَّ"، من الخدمات الصحية والاجتماعية، "وصلت الشابة فاطمة إلى ساحل سبتة قبل أيام بعد قفزها في الماء من شاطئ مغربي قريب، رغم أنها حامل في شهرها…

    Hounna | هنّ|

  • مغربية تُرحَّل في خضم علاجها من السرطان.. فضيحة تهز نظام التعاقد الموسمي في إسباني

    في صباح اليوم الرابع من شهر يونيو الجاري، كانت زينب، عاملة زراعية مغربية، تودّع حقول الفراولة الإسبانية في مدينة هويلفا ليس لأنها أنهت موسم العمل، بل لأن أحدهم قرر أن رحلتها يجب أن تنتهي هنا. لم تغادر بإرادتها، ولا أنهت عقدها بسلام. زينب، التي شُخّصت حديثًا بسرطان عنق الرحم في مرحلته الرابعة، أُجبرت على ركوب…

    Hounna | هنّ|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • “المهاجرات هنَّ الحلقة الأضعف”.. السلطات التونسية تفكك مخيما للمهاجرين غير النظاميين

    مواجهات بين قوات الشرطة التونسية، ومهاجرين غير نظاميين من دول جنوب الصحراء، يوم الثلاثاء، بمدينة العامرة التابعة لمحافظة صفاقس، إثر محاولة تحييد مخيماتهم وتفكيك أماكن تجمعاتهم. وحسب تقارير إعلامية تونسية، فإن قوات الأمن "أطلقت قنابل الغاز المسيلة للدموع لفض الاشتباكات، بعدما رفض المهاجرون والمهاجرات إزالة مخيماتهم". وتنتشر مخيمات المهاجرين في الحقول ومزارع الزيتون، على أمل…

    Hounna | هنّ|

  • الفيديوهات

  • “لم نتوصل بالدعم”..نساء الحوز يكشفن الوجه الآخر لإهمال ضحايا الزلزال

    يبدو أن بلدة مولاي إبراهيم بإقليم الحوز، جنوب مدينة مراكش، لن تتعافى قريبا من تبعات الزلزال الذي بعثر سبل العيش هناك، خاصة أن أغلب سكان البلدة كانوا يعيشون على نشاط السياحة الداخلية التي يجلبها ضريح مولاي إبراهيم، فالتجارة والإيواء وخدمات أخرى توفرها الساكنة، خاصة نسائها، توقفت اليوم بشكل كلي، ولا أمل يلوح في الأفق لعودة…

  • محاكمة عسكرية للمعارضة التونسية شيماء عيسى

    لم تغلق المحكمة العسكرية بعد، ملف محاكمة شيماء عيسى، المعارضة التونسية والقيادية في جبهة الخلاص الوطني، فقد تم تأجيل جلسة، محاكمتها إلى 10 أكتوبر، القادم.