“تحت ضغط الرقابة”.. تآكل حرية العمل الصحفي في تونس

أصدرت نقابة الصحفيين التونسيين تقريرها السنوي، الذي يمثل تشخيصًا وتوثيقًا للواقع الصحفي في البلاد خلال سنة  شهدت جملةً من الأحداث والتطورات السياسية والتشريعية والاجتماعية.

فبينما يواصل المرسوم 54 “سيئ الذكر”، إحكام قبضته على حرية الصحافة، يواصل تأثيره السلبي بشكل مباشر على واقع حرية الصحافة وسلامة الصحفيين/ت في تونس وعلى حق المواطن  في النفاذ على المعلومة.

كما اتسمت هذه المرحلة بـتزايد التوتر بين الفاعلين الإعلاميين والسلطة التنفيذية، في ظل غياب رؤية حكومية واضحة تضمن حق المواطنين في إعلام حر ومستقل.

149 اعتداء ضد الصحفيين

سجلت وحدة الرصد بمركز السلامة المهنية التابع للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، ما مجموعه 149 اعتداءً استهداف الصحفيين والمصورين الصحفيين خلال الفترة الممتدة من 15 أكتوبر 2024 إلى 15 أكتوبر 2025. 

ومن الملاحظ أن هذا العدد يمثل تراجعًا في وتيرة الاعتداءات مقارنة بمتوسط السنوات الخمس السابقة،  لكن  المسؤولة عن وحدة الرصد الصحفية خولة شبح في تصريحها لمنصة “هنّ”، تعتبر أن  هذا “ليس بمؤشر إيجابي بل جاء نتيجة تراجع العمل الصحفي ونشاط الصحفيين نتيجة شعورهم  بالخوف  وممارستهم الرقابة الذاتية”.

“التراجع المسجل في أعداد الاعتداءات هو في الحقيقة كالشجرة التي تُخفي الغابة، إذ لا يعكس تحسناً حقيقياً في واقع الحماية، بل يمثل انكماشاً في مساحة العمل الصحفي الحر”، تقول شبح.

وتشير إلى أن “بعض المواضيع أصبحت اليوم من المحرمات على الصحفيات والصحفين، مثل التحقيقات المتعلقة بالهجرة أو الجمعيات وغيرها من القضايا الحساسة”، وتحوّل العمل الصحفي  إلى صراع داخلي مستمر،  حيث “تجد الصحفيات والصحفيين أنفسهم  يقاومون داخل مؤسساتهم/ن لإقناع رؤساء التحرير بالعمل على مواضيع تتجنبها الإدارات خوفاً من التتبعات القانونية، مما يرسخ الرقابة الذاتية كآلية حتمية للحفاظ على السلامة المهنية، وهذا يمثل ضغطا نفسيًا مزمنًا يلازم الصحفي يوميًا”.

النساء في مرمى الاعتداءات

تعرضت 13 صحفية من إجمالي 149 صحفي إلى اعتداءات مختلفة بولاية تونس.

 كما وكشفت بيانات الرصد أن الاعتداءات خلال أسطول الصمود طالت ما مجموعه 164 ضحية، حيث توزعت الإصابات بين 70 من النساء و94 من الرجال. ومن حيث الصفة المهنية، بلغ عدد الصحفيين المتضررين 133 صحفياً وصحفية، في حين تعرض 31 مصوراً ومصورة صحفية للاعتداء. 

أما عن الانتماء المؤسساتي، فقد كان الضحايا يعملون لصالح 58 مؤسسة إعلامية مختلفة، بالإضافة إلى 19 صحفياً ومصوراً صحفياً يعملون بصفة مستقلة، وتتركز هذه الاعتداءات بشكل خاص في العاصمة التونسية.

وعلى الرغم من وجود المكتسبات القانونية الهامة مثل قانون مناهضة العنف ضد المرأة، يظل العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي يستهدف الصحفيات بشكل مخيف، حيث تظهر أشكال جديدة منه كالعنف الرقمي، حيث يمتد العنف إلى وسائل التاوصل الإجتماعي ويلاحق النساء الصحفيات.

وسجلت الوحدة ما مجموعه 13 اعتداءً على أساس النوع الاجتماعي ضد الصحفيات في ولاية تونس، تنوعت بين 6 حالات تحريض تصدرت القائمة، و4 حالات اعتداء لفظي، وحالتي مضايقة، وحالة اعتداء جسدي واحدة. أما الجهات المسؤولة عن هذه الانتهاكات فكانت في الغالب من نشطاء التواصل الاجتماعي الذين تورطوا في 7 حالات، يليهم الإعلاميون في 3 حالات، بينما جاءت الحالات المتبقية من محتجين ومواطنين وموظفين بشركة خاصة؛ وتأكيداً للطبيعة الرقمية لهذا العنف، سُجلت أغلب الاعتداءات (9 مناسبات) على شبكات التواصل الاجتماعي.

عنف بمختلف أنواعه

سجلت وحدة الرصد في تقريرها السنوي 14 اعتداء جسدياً طال صحفيات وصحفيين من قبل جهات أمنية ومواطنين، وعن هذا الوضع تشير خولة شبح إلى أنه “في ظل هذا المناخ المضطرب، برزت أشكال جديدة من العنف أكثر شراسة خلافاً للعنف الجسدي، رصدتها وحدة الرصد في مقدمتها حملات التشويه والتحريض التي طالت صحفيات وصحفيين”.

ووثقت وحدة الرصد 25 حالة تحريض ضد الصحفيين، ويُعرّف التحريض بأنه أي حالة تحريض على الكراهية، العداوة، العنف، أو التمييز ضد الصحفي على خلفية رأي أو مقال نشره، أو لمجرد صفته المهني

كما سجلت وحدة الرصد ما مجموعه 26 حالة منع من العمل، وتصدر الأمنيون قائمة الجهات المسؤولة عن هذه الانتهاكات بـ8 حالات. وتتهم كل من الجهات القضائية والمكلفين بالاتصال بالتساوي، حيث كانتا مسؤولتين عن 5 حالات لكل منهما.

إضافة إلى المنع من العمل، حيث يتعرض الصحفيات والصحفيين إلى  ممارسات هدفها عرقلة  العمل الصحفي وعدم تمكينه من  النفاذ إلى المعلومة. وقد سجلت وحدة الرصد 26 حالة مضايقة خلال الفترة المشمولة بالتقرير، صادرة عن فئات مختلفة نذكر منها موظفيين وجهات أمنية.

متابعات قضائية للصحفيين خارج إطار المرسوم 115 لسنة 2011

وسجلت الوحدة خلال الفترة المشمولة بالتقرير 21 حالة تتبع من هذا النوع، حيث كانت النصوص القانونية الأكثر استخداماً في إحالة الصحفيين هي المرسوم 54 الذي استُعمل في 10 حالات، تليه المجلة الجزائية في 8 حالات، بالإضافة إلى قانون مكافحة الإرهاب ومجلة الاتصالات. 

أما عن الجهات المسؤولة عن إثارة هذه التتبعات، فقد تصدرتها الجهات القضائية بـ8 حالات، تلتها مبادرات من المواطنين في 4 حالات، ومن ثم إدارات المؤسسات الإعلامية، بينما جاءت بقية الحالات من الهيئات المستقلة، والأطباء، والإعلاميين، والمؤسسات العمومية.

20 فبراير تحرك الصحفيين  

من جهتها دعت نقابة الصحفيين خلال بيان لها، عموم الصحفيين وممثلي وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية إلى المشاركة المكثفة في حراك وطني بساحة الحكومة بالقصبة يوم الخميس 20 نوفمبر 2025، “من  أجل حقوق الصحفيات والصحفيين والدفاع عن كرامة وحرية المهنة”.

وأكدت النقابة على أن الوضع الحالي يعكس “اتجاهًا ممنهجًا نحو التضييق على حرية التعبير واستقلالية الإعلام”، مشيرة إلى أن “السلطة التنفيذية تقف وراء سلسلة من التجاوزات والانتهاكات التي طالت المؤسسات الإعلامية العمومية والخاصة والجمعياتية”.

وأكدت النقابة على أنها “استنفدت جميع مسارات التواصل والحوار مع الهياكل الرسمية، إلا أن جهودها قوبلت بالتجاهل والتملّص والصمت المريب، مما ألحق  المزيد من الضراراً فادحة بالمهنة وكرامة العاملين فيها”.

وفي حديثها لمنصة “هنَّ”، توضح شبح أن هذه الوقفة هي “من أجل توحيد الصفوف بين الصحفييات والصحفيين والمطالبة بحقوقنا المشروعة، والتي في مقدمتها؛ تمكين الصحفيين من بطاقة الصحفي المحترف، وتمكين مراسلي الإعلام الدولي  من الرخص، وإصلاح  الإعلام العمومي والتطرق التشغيل الهش والتغطية الاجتماعية للصحفيات والصحفيين، وإلغاء المرسوم 54 سيئ الذكر”. 

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • “أُدخلتُ إلى السجن وأُخرجتُ منه بالقوة”.. طالبة مغربية تحكي تجربة الاعتقال

    "رفضت الخروج من السجن إلا في الوقت المحدد لإطلاق سراحي، لأنني لا أحتاج للعفو من أحد، فأنا لست مجرمة ولا مذنبة، فذنبي الوحيد هو أنني حلمت بوطن أفضل تصان فيه كرامة الإنسان، ودافعت عن حقي وحق كل أبناء وبنات الشعب في تعليم مجاني... فقال لي مدير السجن بالحرف الواحد أنه عليّ الامتثال لأوامره والخروج الآن…

    شادي بخاري|

  • تحديًا للفقر والبطالة.. نساء يؤنثن عمل الذكور بتونس

    لايزال إدماج المرأة التونسية في سوق العمل ناقص للغاية، رغم أن حضور النساء في تونس موجود في كل المجالات وفي كل المهن; محاميات، طبيبات، معلمات وغيرها من المهن، لكنهن لا يشكلن سوى 30 بالمائة في سوق العمل، على الرغم من أنهن الأفضل تعليمًا بالبلاد، فهن يشكلن الأغلبية في التعليم، خاصة التعليم الجامعي، حيث يبلغ عدد…

    ريم بلقاسم|

  • حوار| بعد قرار الأطباء العودة للاحتجاج.. سلمى ذُكار: “فقدنا الثقة والتعامل معنا واجب وليس تفضلاً”

    في الفترة الماضية، ومنذ أربعة أشهر، خاض الأطباء الشبان في تونس سلسلة من التحركات الاحتجاجية المكثفة، شارك فيها أكثر من 12 ألف طبيب شاب، وتوّجت بتوقيع اتفاق مع وزارة الصحة في يوليو الماضي، وُعدوا بموجبه بمكاسب مهمة كتحسين الأجور وظروف التكوين ومنح الاستمرار.  ومؤخرًا أعلنت "المنظمة التونسية للأطباء الشبان" عن جولة ثانية، "الروندة الثانية" من…

    أميمة عدواني|

  • “اللغة تحرمنا من حقوقنا”.. الأمازيغيات ومعضلة التواصل في المؤسسات

    بعد ستة أشهر من الانتظار، يصل أخيراً موعد فحص رقية الطبي. غير أن هذا الفحص الروتيني استلزم من ابن رقية، كالعادة، التغيب عن عمله من أجل مرافقة والدته. ليس لدعمها فقط، ولكن أيضاً للعب دور المترجم بين الطبيب ووالدته التي لا تتحدث العربية، والتي تعول كلّياً على ابنها سعيد لفهم ما سيقال لها، أو للتعبير…

    هاجر اعزة|