عند النظر إلى واقع الفقر في ليبيا، لا يمكن التعامل معه كأزمة اقتصادية صرفة أو نتيجة مباشرة للحرب والصراع. بل هو انعكاس لعلاقات سلطة مركّبة، تتقاطع فيها الطبقة، والنوع الاجتماعي، والسياسة، والدين، لتنتج واقعًا يُقصي النساء بشكل ممنهج من الموارد والفرص.
اقتصاد ريعي وأبوي
هذا الإقصاء ليس حالة طارئة، بل بنية مستمرة، تُعاد صناعتها يوميًا عبر أدوات اقتصادية وقانونية واجتماعية مترابطة. وفي مقابلة حصرية لمنصة “هُنَّ” مع الصحفي الاستقصائي خليل الحاسي، يؤكد أن تأنيث الفقر في ليبيا يرتبط جذريًا بطبيعة الاقتصاد الريعي والأبوي.
ويقول الحاسي: “عند النظر إلى طبيعة الاقتصاد القائم على صرف أموال النفط في شكل اعتمادات لشركات قائمة على النهب والسلب والاستحواذ، لن يصعب علينا استنتاج أن منافسة المرأة لهذا النظام خاسرة منذ البداية”.
التحديات التي تواجه النساء في ليبيا ليست من النوع الذي يمكن تجاوزه بإرادة فردية أو مشاريع صغيرة. إنها تحديات بنيوية تتطلب تغييرًا في أنظمة السلطة ذاتها.

سلطة سياسية تمثيلية… بلا تمكين!
غياب النساء عن مواقع صنع القرار لا يُعد مجرد نقص في التمثيل، بل هو جزء من آلية إقصاء أوسع.
ويرى الحاسي أن النساء البرلمانيات والوزيرات في ليبيا “يتحولن في كثير من الأحيان إلى واجهات سياسية ومالية لشخصيات أخرى وشبكات مصالح في الظل”.
المشكلة ليست في غياب الكفاءات النسائية، بل في نظام سياسي يرى في النساء أدوات لتجميل الصورة لا أكثر. هذا الاستخدام الشكلي يُعيد إنتاج سلطة ذكورية لا تسمح بتهديد مصالح الطبقة المسيطرة، ويحول الوجود النسائي إلى مادة استهلاكية إعلامية لا تأثير فعليًا لها على السياسات.
التنمية كغطاء سياسي
يتجلى هذا التواطؤ في ما يُعرف بـ”مشاريع التنمية”، مثل حملة “عودة الحياة”، التي تُسوّق إعلاميًا كإنجازات وطنية، لكنها في الواقع، كما يصفها الحاسي، بأنها “مشاريع لشراء الأصوات الانتخابية”.
وعلى أرض الواقع، تبقى الفئات النسائية الأكثر هشاشة — مثل الأرامل، المطلقات، النساء ذوات الإعاقة والمعيلات — خارج دائرة الاستفادة الحقيقية؛ حيث لا توجد شبكات أمان اجتماعي فعالة، ولا سياسات لإعادة توزيع عادلة، بينما تغرق المؤسسات الرسمية مثل صندوق التضامن الاجتماعي في الفساد وسوء الإدارة.

“مديرو هذه المؤسسات منشغلون بأمور لا تمتّ بصلة لتمكين النساء أو دعم الفئات المستحقة”، يوضح الحاسي.
النساء ذوات الإعاقة.. التمييز مستمر بعد الزواج
تُعد النساء ذوات الإعاقة إحدى أبرز ضحايا هذه البنية التمييزية، هذا ما يوضحه فيلم “البطلة” للمخرج محمد المصلي، حيث نتابع قصة امرأة ليبية تتحدى القيود المجتمعية وتشارك في الأولمبياد الخاص، لكنها تصطدم بواقع عبثي؛ فبمجرد زواجها، يُقطع عنها معاش الإعاقة الشهري.
والمفارقة أن هذا الإجراء لا يُطبق على الرجال ذوي الإعاقة.
ورغم تعديل القانون في 2017 لمنع هذا النوع من التمييز، لا تزال اللوائح الداخلية لمؤسسة التضامن الاجتماعي تشترط على المرأة أن تكون ذات “إعاقة مزدوجة” لتستمر في تلقي الدعم المالي بعد الزواج، وهو شرط غير مطبق على الرجال.
هذه الحالة تُظهر كيف يمكن للقانون أن يُعدَّل نظريًا، بينما تستمر البنية التنظيمية في إعادة إنتاج التمييز عبر بيروقراطيات صامتة وغير خاضعة للمساءلة.
لا إصلاح بلا مواجهة للبُنية
يقول الحاسي إن الحديث عن إصلاح الخطاب الديني، أو المناهج التعليمية، أو حتى التشريعات، يبقى ضروريًا لكنه غير كافٍ.
ويعتذر أن “الانقسام السياسي، والفساد، وغياب المؤسسات، والاحتراب الداخلي، كلها عوامل تجعل أي إصلاح حقيقي شبه مستحيل في المدى القريب”.

ولهذا، يحذر من الانجرار وراء حلول فردية أو استعراضات نخب اقتصادية تستثمر في نساء مختارات لتلميع صورة الدولة، دون تغيير حقيقي في ميزان القوة.
وبدلًا من ذلك، يراهن الحاسي على المبادرات القاعدية، انطلاقًا من الأسرة، والمدرسة، والجمعيات المستقلة، والشبكات التضامنية، “لا بد من استمرار النساء الليبيات في افتكاك ما يستطعن افتكاكه من حقوق وأدوار، رغم هشاشة المرحلة”.
تفكيك البنية… لا ترقيعها
في النهاية، لا يمكن اختزال ظاهرة تأنيث الفقر في ليبيا في أرقام البطالة أو معدلات الدخل. إنها مرآة تعكس بنية إقصاء طبقي وجندري، لا يمكن تفكيكها بخطابات “التمكين” التجميلية، ولا بمشاريع مؤقتة لا تلمس الجذور.
إنها مسألة توزيع قوة، لا مجرد توزيع موارد، ومادامت الهياكل التي تنتج هذا الإقصاء قائمة، فستبقى النساء في ليبيا في صراع مفتوح من أجل البقاء، ويبقى والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم؛ من سيحمل هذا الصراع إلى قلب السياسات، لا إلى هامشها؟














