بين الخيام وصراعات الحرب.. مأساة النساء المغربيات في مخيم الهول

في مخيم الهول قرب الحدود السورية-العراقية، تعيش سعاد، مغربية محتجزة مع أبنائها، ظروفًا تتراوح بين شعور نسبي بالأمان وقلق دائم من الترحيل القسري. 

تصف سعاد وضعها بالقول: “عرفت الأوضاع الأمنية والخدماتية تحسنًا نسبيًا عقب دخول الحكومة السورية الجديدة إلى المنطقة، ننام في أمان، ونعيش يومنا في أمان عكس الفترة السابقة التي كانت الأمور بيد القوات الكردية، مع ذلك، يظل هاجس ترحيلنا إلى العراق لمحاكمتنا على أفعال لم نرتكبها، ولم نكن طرفًا فيها، يطاردنا ويقض مضجعنا”. 

وتشير سعاد إلى أن هذا التحسن شمل أيضًا الخدمات الصحية، حيث أصبح الحصول على الرعاية الطبية أسهل وأكثر تنظيمًا، “الخدمات الصحية كانت متوفرة، إذا مرض أحد، تأتي سيارة وتنقل المرضى إلى المستشفى”، مؤكدة على أن “هناك عدد من المشاكل الكبرى من قبيل التدريس”.

وتضيف سعاد بعد صمت: “كان التعليم جيدا، ولو أنه في إطار غير نظامي، عبر المنظمات الإنسانية مثل منظمة “سايف ذي شيلدرن” “ومنظمة ‘بلمونت”، لكنهما غادرتا بعد التغيّرات الأخيرة، ودخول الحكومة الجديدة، ما أسفر عن تفكك منظومة الدعم، وتوقفت الأنشطة التعليمية بشكل شبه كامل، والآن لم تعد هناك دراسة، المنظمات التي كانت تُدرّس الأطفال غادرت ولم تعد إلى حدود اليوم”.

سعاد تحكي أيضًا عن الظروف المأساوية التي كان يعيشها الأطفال خلال فترة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” على المنطقة والمخيم موضحة: “كانت قوات “قسد” تقوم بحملات تتخللها الإهانات والضرب، وأحيانا يتم نزع الأطفال من أحضان أمهاتهم، خصوصا من تزيد أعمارهم عن ثلاثة عشر عامًا، ينقلونهم إلى المراكز التأهيلية، حيث يقضون سنوات هناك، لاتتجاوز فترة تواجدهم شهرًا أو شهرًا ونصف في تلك المراكز، نتواصل معهم مرة كل خمسة أشهر، وقد يصل الأمر إلى السنة، بينما في مخيم الروج يتواصلون مع أبنائهم بعد شهرين أو حتى أقل”.

وتضيف: “بالنسبة لي فابني الأكبر محتجز منذ أربعة سنوات لم أره من حينها، وتم احتجاز إبني الأصغر أيضا لثمانية أشهر سنة 2025 من طرف قوات “قسد” عاش خلالها المرارة والسجن الانفرادي، كما كان يتعرض للعنف والتعذيب، بعدها أعادوه إليّ في حالة نفسية مدمرة، ليتم اعتقاله مرة أخرى شهر شتنبر من السنة نفسها، ومن حينها لا تواصل بيني وبينه سوى برسالة عبر الصليب الأحمر يطمئنني فيها عليه”.

غياب المنظمات الإنسانية

تنفست سعاد بعمق مضيفة: “أحاول كأم تدريس أبنائي بنفسي، لكن هذا لا يمكن أن يعوّض المدرسة، لكن هناك مشكل أكبر، فعلى مستوى المعيشة، نعيش وضعًا بالغ الصعوبة مقارنة مع الفترة السابقة، حيث كانت المنظمات الدولية تقدم لنا المساعدات، مثل الملابس والمواد الغذائية، اليوم المساعدات الحالية تقتصر على المواد الأساسية فقط، السكر والزيت والأرز والبرغل والحمص، نضطر إلى بيع جزء منها لنشتري أشياء أخرى، مثل الفاكهة أو الدجاج من حين لآخر”.

وفي ظل غياب مورد رزق ثابت، يبقى دعم العائلة في المغرب طوق نجاة أساسي بالنسبة لي ولباقي المغربيات المتواجدات في المخيم؛ “عائلتي في المغرب ترسل لي مصروفًا بالرغم من الصعوبات التي تصاحب ذلك، وهو ما يساعدني على العيش هنا، في انتظار مستقبل أقل قسوة”.

“جئتُ مكرهةً واخترتُ أطفالي”

لم تكن الهجرة إلى سوريا خيارًا نابعًا من قناعتها، بل جاءت نتيجة ضغط وتهديد مباشر، هذا ما تحكيه سعاد بهدوء، وهي تستعيد مسار حياتها الذي عرف منعطفًا حاسمًا منذ لحظة وصولها إلى هناك.

“جئتُ إلى هنا مع زوجي وأطفالي، وأعتبر نفسي ضحية زوجي الذي كان يهددني بحرماني من أبنائي، لذلك ضحّيت من أجلهم، لديّ ولدان وبنتان، وكان التفكير في تركهم أمرًا بالغ الصعوبة عليّ فقررت مرافقتهم إلى هذا المجهول”، تقول سعاد.

أمام هذا التهديد، لم تجد نفسها أمام خيارين متكافئين، بل أمام معادلة قاسية؛ إما الرحيل مع الزوج، أو فقدان الأطفال. فاختارت أبناءها، حتى وإن كان الثمن حياة غير مستقرة في بلد يعيش على وقع الحرب.

بعد تنهيدةٍ تخفي ألمًا عميقًا، تضيف سعاد: “توفي زوجي سنة 2016 تحوّلت من زوجة مرافِقة إلى أمّ وحيدة تتحمل مسؤولية أربعة أطفال في ظروف شديدة الهشاشة”.

الأمل في حل! 

على عكس عدد من النساء اللواتي كن محتجزات في مخيم الهول، واخترن الهروب بحثا عن حياة مستقرة، اختارت سعاد البقاء في هذا المخيم صحبة أبناءها وكلها أمل أن تتدخل السلطات الأمنية، وكل الجهات المغربية المعنية من أجل عودتها وأبنائها إلى حضن الوطن، والعائلة.

“مخيم الهول يضم نساء لا ذنب لهن، هن ضحايا أزواجهن، لم يقترفنَ أي جرم، فوجدن أنفسهن في مواجهة العنف، والظلم، وقسوة المناخ، حيث تتسبب الأمطار في الفيضانات، والعواصف بتدمير الخيام”، توضح سعاد.

تؤكد سعاد بنبرة صوتها التي تحمل حزنًا عميقًا:”نخاف كثيرا من ترحيلنا كنساء، أو ترحيل أبنائنا إلى العراق للمحاكمة، لم نرتكب أي ذنب، وأتمنى أن يتم حل هذا الملف، ونعود إلى أسرنا في المغرب نحن النساء لسنا إلا ضحايا لأزواجنا”.

عنف وضغط نفسي بمخيم الروج

“النساء في مخيم الروج تعشنَ أوضاعا كارثية، حيث تمارس قوات قسد، مختلف أنواع العنف، والضغط النفسي، التفتيش كل وقت ليل نهار، معاملة مهينة لا تعرف المحتجزات سببا لها”، تقول فاطمة إحدى المحتجزات هناك لمنصة “هنَّ” بعد تردد كبير في التواصل بسبب الخوف.

وتضيف: “مؤخرا تم تفتيش جميع الخيام، وتم ضرب سيدة نرويجية ضربا مبرحا بحثا عن هاتفها، كما تعرض طفلها إلى العنف”.

بألم تتحدث فاطمة عن غياب الأمن، والحياة المأساوية التي تعيشها النساء بصحبة أطفالهن، والمعاناة السيئة من طرف الأكراد قائلة: “كأنهم ينتقمون منا بسبب الحكومة السورية الجديدة، فالضغط الذي يمارسوهُ ضدنا لا سبب له”.

أثناء الحديث مع فاطمة، عبر الهاتف، انقطع الاتصال بها، ولم تتمكن منصة “هنَّ” من التواصل معها مرة أخرى، بسبب الإجراءات الأمنية المشددة، وخوفها الكبير من أن يُكشف أمرها على يد الأكراد.

تحدٍّ حقوقي وإنساني 

يشكّل ملف المغربيات المحتجزات في مخيمات الهول والروج، شمال شرق سوريا، أحد أبرز التحديات الحقوقية، والسياسية في مرحلة ما بعد انهيار تنظيم “داعش”، خصوصًا بالنسبة للدول التي مازالت مترددة في استعادة مواطناتها، والتي من بينها المغرب. وتعد هذه المخيمات من أكبر مراكز الاحتجاز التي تضم عشرات الآلاف من عائلات مقاتلي التنظيم في محافظة الحسكة، قرب الحدود السورية-العراقية.

وبحسب إحصائيات التنسيقية الوطنية لعائلات العالقين والعالقات في سوريا والعراق، يبلغ عدد المغربيات المحتجزات في مخيمي الهول والروج نحو 110 من النساء، يرافقهنَّ 292 طفلاً، بينهم 31 يتيمًا، إضافة إلى أطفال آخرين منفصلين عن أمهاتهم ويخضعون لبرامج تأهيل خاصة.

وحسب المعطيات التي استقتها منصة “هنَّ” فإن “نحو 53 مغربية تمكنّت من مغادرة مخيم الهول عقب انسحاب قوات سوريا الديمقراطية ‘قسد’، وهن حاليًا داخل الأراضي السورية في انتظار تدخل السفارة المغربية للحصول على الوثائق الرسمية اللازمة”.

وتشهد المنطقة حاليًا توترًا أمنيًا متصاعدًا بسبب الاشتباكات المسلحة بين قوات سوريا الديمقراطية والجيش السوري في ريف الحسكة، حيث يقع مخيم الهول، ما يزيد من مخاوف النساء اللواتي مازلن داخله، خصوصًا مع استمرار احتجاز بعض أبنائهن في مراكز التأهيل. 

وفي المقابل، يظل مخيم الروج تحت سيطرة “قسد”، حيث تعيش النساء المحتجزات ظروفا معيشية قاسية تشمل الإهانة، وسوء المعاملة، ونقص الغذاء.

ورغم التحركات الحقوقية والمدنية، لم ينخرط المغرب بعد في برنامج جماعي لإعادة المحتجزين، أو برنامج خاص بالمغربيات، وذلك بسبب اعتبارات أمنية. 

وتواصل التنسيقية الوطنية جهودها عبر لقاءات مؤسساتية، من بينها اجتماع اللجنة البرلمانية المكلفة بالعدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب سنة 2020، حيث تمت المطالبة بتفعيل آليات وطنية لإعادة النساء والأطفال، وإدماجهم وفق مقاربة متوازنة تراعي البعدين الإنساني والأمني، إلى جانب التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان، كما تم تنظيم وقفات احتجاجية ومراسلة جهات وطنية ودولية بحثاً عن حلول عاجلة لهذا الملف.

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • غرف التعذيب الشرعية.. أجساد النساء تُنتهك في جلسات الرقية

    في الجزائر، لا تبدأ رحلة العلاج دائماً من المستشفى، بل من غرفةٍ مغلقة يُتلى فيها القرآن وتُمارَس فيها طقوس تُنسب إلى “الرقية”. هناك، لا يُشخّص الطبيب، بل الشيخ. ولا تُفهم الأعراض وفق العلم، بل وفق الغيب. في هذا التحقيق، تكشف منصة "هنّ"، كيف يتحوّل هذا "العلاج الروحي"، في كثير من الحالات إلى بابٍ للتعنيف الجسدي،…

    ضحى عمراني|

  • بوحِيرد.. أيقونة النضال ضد الاستعمار والاستبداد

    جميلة بوحِيرد، رمز من رموز  مقاومة الإستعمار الفرنسي في الجزائر والعالم العربي، صدر في حقها حكم بالإعدام بعد مشاركتها بما يعرف بـ"معركة الجزائر"، وقد أثارت قضيتها سخط العالم وتدخلت لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة من أجل تأجيل إعدامها وإلغائه فيما بعد.  وألهمت قصة جميلة عددا من الفنانين والشعراء، حيث غنت لها المطربة اللبنانية فيروز أغنية…

    Hounna | هنّ|

  • فاطمة التامني: مشروع إصلاح “مجلس الصحافة” بُني على أسس تُعيد إنتاج منطق التحكم بدل الإصلاح الحقيقي

    تعيش مهنة الصحافة في المغرب لحظة دقيقة تتسم بتقلبات على مستوى التنظيم المهني والتمثيلية المؤسساتية. ففي الوقت الذي يفترض فيه أن يشكل “المجلس الوطني للصحافة” آليةً للتنظيم الذاتي، وضمانةً لاستقلالية المهنة عن السلطة التنفيذية، طُرِح مؤخرًا مشروع قانون لإعادة تنظيم المجلس، أثار موجة من الانتقادات في صفوف الصحافيين وممثلي الهيئات المهنية والحقوقية. المشروع الجديد، الذي…

    سناء كريم|