بين الحُب والتجنيد.. قصة شقيقتين مغربيتين في قبضة التطرف بإسبانيا

في أحد الأحياء السكنية الهادئة بمدينة ألكوركون، على مشارف العاصمة الإسبانية مدريد، تمكّنت السلطات الأمنية من تفكيك ما وصفته بـ”خلية تجنيد نسوية رقمية”، تقودها شقيقتان إسبانيتان من أصل مغربي، في قضية صادمة هزّت الجالية المغربية وأثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الإعلامية والحقوقية.

الفتاتان، البالغتان من العمر 19 و21 عامًا، تواجهان تهمًا خطيرة تتعلق بنشر الفكر المتطرف والتجنيد لصالح تنظيم “داعش”، عبر ما وصف بـ”أكاديمية جهادية” رقمية استهدفت بالخصوص النساء الناطقات بالإسبانية في أوروبا.

من الحب إلى التطرف

بحسب مصادر التحقيق، بدأت القصة من علاقة عاطفية بين الشقيقة الكبرى وشاب متشدد، سرعان ما تحولت إلى مدخل نحو الفكر السلفي الجهادي. ورغم انتهاء العلاقة، احتفظت الفتاة بقناعاتها الجديدة، فتخلّت عن عملها، وانعزلت اجتماعيًا، ثم بدأت في الترويج لمحتوى ديني متشدد على وسائل التواصل الاجتماعي.

تم اعتقال الشقيقتين في عملية مشتركة بين المفوضية العامة للمعلومات والفرقة الإقليمية لمكافحة الإرهاب في مدريد. ووجهت إليهما السلطات التهم التالية: “إنشاء وتسيير منصات رقمية لتلقين الفكر الجهادي”، نشر محتوى دعائي يمجد “الشهادة والجهاد”، وصور مفبركة لهما بأسلحة وشعارات تنظيم داعش، والتواصل مع متطرفين سبق اعتقالهم في قضايا إرهابية داخل التراب الإسباني.

وتقرر إيداع الشقيقة الكبرى السجن الاحتياطي، بينما تم الإفراج عن الصغرى رهن المتابعة القضائية.

“أكاديمية جهادية” مغلّفة بخطاب نسوي

ما يثير القلق في هذه القضية، حسب مصادر الشرطة، هو الطابع النسوي والتنظيمي للنشاط المتطرف. فقد أنشأت الشقيقتان جمعية ظاهرها “تعزيز الهوية الإسلامية” في مدريد، وكانت تنظم أنشطة للأطفال وورش عمل في بعض المساجد، تتناول مواضيع مثل اللباس الشرعي والسلوك الديني.

غير أن التحقيقات كشفت عن وجه آخر موازٍ، حيث أدارتا مجموعات مغلقة على تطبيقات واتساب وتليغرام، تضم أكثر من 1000 عضو، ينشرن فيها مواد تحريضية، وخطابات لرموز متطرفة كابن تيمية وسيد قطب، ويُشجّعن على ما يصفنه بـ”الاستشهاد في سبيل الله”.

هذه القضية تسلط الضوء على تحول خطير، حيث أن دور النساء لم يعد يقتصر على الاستقطاب، بل أصبحن يتولين القيادة والتنظيم في الدول الأوروبية. 

هذا الأمر وفق متابعين يدفع إلى مساءلة عدة عوامل، هل التطرف في هذه الحالة كان بحثًا عن هوية مفقودة؟ هل شعرت الفتاتان بانفصال عن المجتمع الإسباني، أو بعدم قبول من الجالية المغربية نفسها؟ هل جرى استغلال رغبتهما في التمكين والفاعلية داخل الدين والمجتمع؟

ناشطة حقوقية من أجل إدماج المهاجرين في إسبانيا، ترى في تصريح لـ”هنَّ” أن “الخطاب الجهادي الموجه للنساء لم يعد يعتمد على الضحية فقط، بل يقدم نفسه كحركة تمكين ديني، تَعد الفتيات بدور بطولي ومكانة معنوية وروحية، خاصة لمن يشعرن بالتهميش في أوروبا”. 

“ومن هنا، يظهر التطرف النسائي كاستجابة مغلفة بوعود بالتمكين والمشاركة الفاعلة، تقدم للمرأة دورًا مركزيًا في إطار إيديولوجي يبدو لهم خيارًا جذابًا لاستعادة السيطرة على مصيرهن، وتعويض ما يفتقدنه من انتماء وقبول في المجتمعات التي يعيشون فيها” تفسر لـ”هنَّ” الناشطة التي تحفظت على ذكر هويتها.

الشبكات النسائية

ورغم التهم، يبقى السؤال معقدًا، هل نحن أمام شابتين ضحيتين لغسيل دماغ وتلاعب نفسي؟ أم أمام فاعلتين بكامل وعيهما في شبكة خطيرة؟

هذا القضية وفق مصادر حقوقية استشارتها منصة “هنَّ” تفرض على السلطات؛ في إسبانيا والمغرب؛ التفكير في سياسات وقاية ناعمة إلى جانب المقاربة الأمنية، تقوم على، تعزيز دور الأسرة في المراقبة التربوية، توفير فضاءات آمنة للنقاش الديني المعتدل، ودعم الفتيات المهاجرات نفسيًا وثقافيًا لمواجهة أزمة الهوية.

جدير بالذكر، أن هذه الظاهرة ماتزال هامشية، لكنها تنذر بتحديات مستقبلية، حيث تتحول الشبكات النسائية إلى أدوات رئيسية في صناعة التطرف… تحت ستار “الدعوة” وبلغة ناعمة تخاطب النساء بلغتهن، وحاجاتهن. 

اقرأ أيضا

  • الحب الممنوع بين مغاربة وإسبانيات.. الرسائل التي منعها نظام فرانكو

    "متى ستعود إلى إسبانيا؟، وقلي أنك لا تنظر إلى أي امرأة أخرى"، هذا ما كتبته كارميلا من غرناطة إلى حبيبها في المغرب عام 1944، عندما كانت إسبانيا تعيش تحت دكتاتورية نظام الجنرال فرانسيسكو فرانكو. ولكن تلك الكلمات، وغيرها الكثير من الحب والبوح، الذي حملته رسائل عدة؛ لم تصل أبدًا إلى وجهتها. فقد صادرها نظام فرانكو…

    ليلى محمد|

  • الفيديوهات

  • “لم نتوصل بالدعم”..نساء الحوز يكشفن الوجه الآخر لإهمال ضحايا الزلزال

    يبدو أن بلدة مولاي إبراهيم بإقليم الحوز، جنوب مدينة مراكش، لن تتعافى قريبا من تبعات الزلزال الذي بعثر سبل العيش هناك، خاصة أن أغلب سكان البلدة كانوا يعيشون على نشاط السياحة الداخلية التي يجلبها ضريح مولاي إبراهيم، فالتجارة والإيواء وخدمات أخرى توفرها الساكنة، خاصة نسائها، توقفت اليوم بشكل كلي، ولا أمل يلوح في الأفق لعودة…

  • محاكمة عسكرية للمعارضة التونسية شيماء عيسى

    لم تغلق المحكمة العسكرية بعد، ملف محاكمة شيماء عيسى، المعارضة التونسية والقيادية في جبهة الخلاص الوطني، فقد تم تأجيل جلسة، محاكمتها إلى 10 أكتوبر، القادم.