بين  الإهمال والتهديد.. أطباء تونس الشبان ينتفضون من أجل تحسين ظروف العمل 

“أنتم نخبة المجتمع، أنتم من يعملون 120 ساعةً متواصلةً، انتم من لا يجدون سريرًا مريحًا  للنوم عليه أثناء المناوبة الليلية، أنتم الذين تأكلون أكلات سيئة، حافظوا على المستشفى العمومي مستشفى الضعفاء والفقراء،  حافظوا على  روح جاد بينكم”، بحرقة، وعيون باكية تلخص لوعة الفقد، ظهرت والدة جاد الهنشيري، الطبيب التونسي المُتوفى حديثًا، وأحد مؤسسي “المنظمة التونسية للأطباء الشبان”، والمعروف بنضاله من  أجل قطاع الصحة العمومية. 

انضمت والدة جاد إلى الوقفة الاحتجاجية التي نفذها الأطباء الشبان  الثلاثاء فاتح يوليو الجاري، أمام المسرح البلدي بالعاصمة التونسية،  وتأتي هذه الوقفة التي  رُفعت  فيها شعارات  مثل “طبيب مقهور أين الدستور’’، “هنا يُعذب الطبيب خلسة’’، “ما تخيرنيش بين خدمتي وولدي’’، شعارات متنوعة لخص من خلالها الأطباء الشبان مطالبهم الأساسية والتي يعتبرونها حقوق مشروعة “يُخجل من أن يطالب بها”، على حد قولهم.

جلسة حوارية انتهت بتهديدات

تأتي هذه الوقفة بعد فشل جلسة حوارية، يوم الإثنين الماضي، مع  وزارة الشؤون الاجتماعية وممثلين عن وزارة الصحة، وصفت بـ“المخيبة للآمال المنظمة التونسية للأطباء الشبان’’، و انتهت  “بتهديدات تتبعات قضائية لبعض المنخرطين فيها’’.

وتقول سلمى ذُكار الناشطة  في “الجمعية التونسية للأطباء الشبان”، أن  السلطات التونسية من “خلال هذه الممارسات القمعية في حق الأطباء الشبان وممارساتهم النضالية؛ يكرهو  فيهم في الواجب الوطني ويهجروا فيهم في اتجاه بلدان أخرى تحترم كفائتهم”. 

وترى سلمى ذكار في حديثها لـ“هنّ”، أن الأطباء هم “سجناء كليات الطب وسجناء داخل أسوار المستشفيات، كرسوا حياتهم من أجل هذه المهنة  ليقابلو في النهاية بالتهديد والهرسلة”.

وفي ردها على ما تم تداوله بشأن التهديد المتعلق بجلب أطباء من  خارج تونس تحديدا من الصين والمجر تعتبر سلمى أنه  “تهديد غير جدي وغير ممكن أصلا، خاصة في ظل الأزمة الصحية ووضع البلاد الاقتصادي بصفة عامة”.

منحة الاستمرار: بين دينار ودينارين!  

في تصريح خاص لـ“هنّ”، تتحدث الناشطة بالمنظمة التونسية للأطباء الشبان سلمى ذُكار عن وضعية الأطباء الشبان المقيمين في المستشفيات التونسية، بما في ذلك وضعيتهم المادية، فالمنح التي يتلقونها،والتي تُعرف بـ“منحة الاستمرار”: “تتراوح بين دينار ودينارين”، مع الإشارة إلى أن بعض المستشفيات التونسية لا تصرف هذا الامتياز أحياناً.

وتعني “منحة الاستمرار”، الحافز المالي أو الامتياز الذي يُقدم للأطباء المقيمين أو الداخليين (أي الأطباء الشبان في طور التكوين) خلال تربصهم، وذلك مقابل استمرارهم في العمل لمدة 18 ساعة متواصلة بعد ساعات العمل العادية في المستشفى.

وتطالب “المنظمة التونسية للأطباء الشبان”، بالزيادة في أجور الأطباء الشبان، التي يعتبرونها لا تستجيب لمستلزمات حياتهم اليومية، خاصة في ظل التضخم وغلاء المعيشة الذي تشهده تونس. 

وتعتبر المنظمة أن هذا النوع من الزيادات من شأنه أن يمثل حافزاً للأطباء الشبان للبقاء في تونس والمواصلة في السلك العمومي، خاصة في المستشفيات والمناطق التي تعاني من نقص الكوادر الطبية، وعدم اللجوء إلى الهجرة أو القطاع الخاص.

وتشير معطيات تونسية إلى أن أعداد الأطباء التونسيين المهاجرين تتراوح بين 3300 إلى 4000 طبيب في السنوات الأخيرة، هذا الرقم الكبير يقابله نقص فادح في الإطار الطبي والمعدات الطبية داخل المستشفيات التونسية التي تشكو من الإهمال والفقر والتهميش.2

إجبارية الخدمة المدنية طبيبات حوامل تُعاني

من بين مطالب الأطباء الشبان إعفاء الخدمة المدنية،  والخدمة المدنية هي فترة إلزامية لمدة سنة يوجبها القانون التونسي على الأطباء، خاصة أطباء الاختصاص، قبل أن يتمكنوا من ممارسة الطب في القطاع الخاص أو في مناطق أخرى بحرية كاملة، بهدف ضمان تغطية صحية عادلة في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك المناطق المحرومة التي لا يجذبها القطاع الخاص.

لكن هذه الخدمة المدنية تتحول إلى عائق وعبء في بعض الحالات الخاصة، فبعض الطبيبات الحوامل تجدن أنفسهن مجبرات على أداء هذه الخدمة دون أدنى مراعاة لوضعيتهنّ الصحية  الحساسة، حسب ما أشارت له مُحدثتنا سلمى ذُكار. 

وبدورهنّ رفعت بعض الطبيبات الشابات شعارات كُتب عليها: “لا تُخيرني بين عملي وابني”. 

وتعمل الخدمة المدنية على أساس توزيع عشوائي للأطباء في مناطق مختلفة بالبلاد التونسية، وعلى هذا الأساس تتم عملية انتقال الطبيب إلى تلك المنطقة لمزاولة خدمته هناك. بعض الأزواج من نفس القطاع تتم تفرقتهم على هذا الأساس، مما يهدد استقرارهم الزوجي.

الطبيب يداوي أما معندوش الحق يداوى في السبيطار!

الأطباء الشبان، الذين يُفترض بهم أن يكونوا خط الدفاع الأول عن صحة المواطن، ويُكرسون حياتهم لعلاج جراح المرضى وتخفيف آلامهم، يُحرمون هم أنفسهم من حق أساسي وبديهي ألا وهو التغطية الصحية.

وتعتبر منظمة الأطباء الشبان أن هذا  تهديد حقيقي لأبسط متطلبات العمل الكريم  ففي الوقت الذي يُطالب فيه الطبيب الشاب بالعمل لساعات  ومناوبات مرهقة وتحمل ضغط نفسي وبدني هائل في ظروف صعبة، يُقابل هذا الإخلاص والتفاني بالحرمان من ضمان صحته الشخصية.

منظمات المجتمع  المدني تدعم الأطباء الشبان

عبرت جمعيات ومنظمات وطنية عن مساندتها لحراكِ الأطباء الشبان، من بينهم “الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان”، التي أكدت على دعمها للحراك السلمي الذي يخوضه الأطباء الشبان من أجل مطالبهم العادلة داعية وزارة الصحة إلى “التفاعل الجاد مع مطالبهم”.

بدورها جمعية “أصوات نساء” أعربت عن “تضامنها الكامل مع الأطباء الشبان-والشابات في نضالهم.هن المشروع من أجل تحسين ظروف العمل وتوفير المعدّات الطبية الأساسية التي تمكّنهم من أداء مهامهم الإنسانية على الوجه المطلوب”.

بيان رئاسي.. هل  تنتهي الأزمة؟ 

عقب لقاء رئيس الجمهورية التونسية، قيس سعيد، بوزير الصحة مصطفى الفرجاني، أمس الإثنين، صدر بيان رئاسي مساء دعا خلاله رئيس الجمهورية إلى الإسراع في “وضع نظام قانوني جديد يحفظ حقوق وكرامة الأطباء والإطار شبه الطبي والعمال”.  لكن من جهتها أشارت وزارة الصحة أن المسألة المتعلقة  بالزيادات  تتطلب دراسة مشتركة  بين الحكومة ووزارة المالية.

وتتزامن مخرجات اللقاء مع مرور إعلامي  أمس الأربعاء مع تصريح رئيس منظمة الأطباء الشبان، وجيه ذُكار خلال إحدى الإذاعات التونسية الخاصة، حيث قال وجيه في التصريح أنه ’’ هناك بداية انفراج للأزمة،  لتعلن المنظمة فيما بعد  خلال بيان عبر صفحتها على فيسبوك تعليق الإضراب شريطة أن  تُلغي  الحكومة التساخير المفروضة على الأطباء الشبان. 

من جهتها، رفضت الحكومة إلغاء التساخير، لتنشر “المنظمة التونسية للأطباء الشبان”، بيانًا فجر اليوم الخميس، أكدت فيه على “العودة إلى الإضراب والاحتجاج ورفض الوساطة التي سبق وأن قامت بها عمادة الأطباء بين المنظمة والوزارة”.  

وأكد الأطباء الشباب في بيانهم على “غياب الجدية من طرف وزارة الصحة في التعامل مع  مطالبهم”. 

وحملت منظمة “الأطباء الشبان” وزارة الصحة “كامل المسؤوليات والتبعات، خاصة أنه كان من المقرر عقد جلسة حوارية اليوم الخميس بوساطة من عمادة الأطباء بين المنظمة والوزارة”.

اقرأ أيضا

  • السُّمْنة في موريتانيا.. طريقُ الجمالِ المفروشُ بِالمخاطر

    السُّمْنَةُ، مفهوم جعل كتلة المرأة مرادفًا لثراء الأهل، وشرطًا للزواج في موريتانيا، فهي معيار للجمال لدى المجتمع الموريتاني، وعلى الرغم من خفوتِ التسمين القسري التقليدي، المعروف محليًا بـ"لَبْلُوحْ" أو "اَلتًّبْلَاحْ"، والذي تدرجه الكثير من المنظمات الحقوقية في خانة "العنف ضد المرأة"، إلا أن بعض الشابات تقمن بممارسات جديدة من أجل الوصول لهذا "المثل الأعلى" من…

    Hounna | هنّ|

  • من “بولفاف” إلى “العصبان”.. أطباق مغاربية في عيد الأضحى

    يحلّ عيد الأضحى المبارك على المسلمين جميعًا، فتستقبله المجتمعات على طريقتها وحسب موروثها الثقافي، الذي يختلف من بلد لآخر، وعلى مدى قرون أصبحت عادات وتقاليد الاحتفال بعيد الأضحى من السمات المميزة للمجتمعات، التي لا تشي بالفرحة فحسب، بل تعطي تلخيصًا عن عوامل تاريخية مرت على المكان والإنسان، ومن ذلك أطباق المغاربيين التي تتصدر موائدهم يوم…

    Hounna | هنّ|

  • “الضريبة الوردية”.. عبء اقتصادي إضافي على كاهل النساء 

    بزيارة بسيطة إلى أيَّ قسم لمنتجات العناية الشخصية في أيها متجر أو مركز تجاري، ستلاحظ أن أسعار المنتجات الموجهة للنساء، والمغلَفة عادة بلون وردي، غالبًا ما تكون أعلى من تلك المخصصة للرجال، رغم أن المزايا والمكونات تكون متشابهة أو متطابقة إلى حد ما. ولكن النساء تدفعن أحيانًا أكثر مقابل نفس السلع لمجرد أن لونها وردي،…

    هاجر اعزة|

  • رحلة السوداوات للبحث عن ذاتهنَّ في مرآة المجتمع الجزائري

    تواجه الجزائريات السوداوات واقعاً يضطرّهن لخوض معركة يومية لإثبات جزائريتهنّ؛ حيث يُحاصرن دائما  بنظرة تختزل وجودهن في خانة الوافدات أو الأجنبيات، وكأن ملامحهنّ غريبة عن جغرافيا الوطن. لا تقتصر هذه المعاناة على الهوية فحسب، بل تمتد في شكل ضغوطات نفسية واجتماعية حيث يتقاطع النوع مع العرق؛ فتصبح المرأة السوداء ضحية لتمييزٍ مركّب يتداخل فيهِ البعد…

    ضحى عمراني|