“بنتك في الثانوية خلاص راهي ظهرت مفاتنها، لازم تسترها”، هذا ما قاله صاحب المحتوى القانوني أمير عندما تمت استضافته في قناة الهداف الجزائرية في برنامج “الهدرة في المفيد”.
انتشر مقطع لرجل القانون المدعو “أمير”، وهو صاحب محتوى حقوقي له قاعدة جماهيرية واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث صرح، خلال استضافته، بضرورة أن يستر أولياء الفتيات في الثانوية بناتهم، موضحًا أن “مفاتنهن بدأت في الظهور وأنهن لسن صغيرات” وأن “عدم تسترهن هو ما يجعلهن عرضة للتحرش”.
وجزم الحقوقي أمير أن لباس الفتاة هو أحد الأسباب الرئيسية التي “تدفع المجرم” لارتكاب فعلته، مستدلاً بأن “كل الشرفاء والنبلاء يلبسون لباسًا مستورًا، ومستشهداً بأميرات بريطانيا. قوله هذا، أثار موجة غضب من بعض الناشطين الحقوقيين على وسائل التواصل الاجتماعي الذين رأوا في تصريحه لومًا للضحية، متسائلين كيف لرجل قانون كان من المفترض أن يعطي قراءات قانونية تربط الاغتصاب والتحرش بلباس النساء.
وبعد رؤية المدعو أمير لموجة الغضب من تصريحه، رد قائلاً إنه “قبل أن يكون طالب حقوق هو مسلم وجزائري من عائلة محافظة”، كما أنه أصر على وجهة نظره متحدياً أن “تكون نسبة التحرش بين المحجبة وغير المحجبة نفسها”، بناءً على نظرية مفادها أن “غير المحجبة عند التحرش بها ستكون الألفاظ غير مهذبة على عكس المحجبة”، مُتمسكاً برأيه وغير معتذر على الخطأ الذي قدمه للجمهور.
ولم يكن هذا التصريح معزولاً؛ ففي نفس السياق، أدلت الحقوقية فريدة على قناة دزاير تيفي بتصريح مماثل، حيث قالت إن “مسؤولية التحرش يتحملها الطرفان مناصفة بنسبة 50 بالمائة”، معتبرة أن “الفتاة التي تخرج بملابس غير محترم كأنها دعوة صريحة للتحرش بها”، مستشهدة بمنطق المتحرشين أنفسهم.
هذه التصريحات المتكررة، الصادرة عن شخصيات يفترض فيها الدفاع عن العدالة، تستدعي تحليلاً معمقاً لآليات هذا الخطاب وتأثيره؛ حيث يؤكد الناشط الحقوقي عبد الإله خربوش لمنصة “هنَّ” على أن “الدور الأصيل المنوط بالحقوقي يفرض عليه أن يكون جزءاً من الحل، وموجهاً للمجتمع في قراءاته، لا مجرد مساير للمنطق الاجتماعي المغلوط”.
“لكن ما يُلاحظ اليوم هو انحراف بعض الحقوقيين عن دورهم التوعوي؛ فعندما يتحدث الحقوقي بلسان المتحرش أو المغتصب، فإنه يتخلى عن مسؤوليته، ويتحول إلى طرف مباشر في تفاقم الأزمة بدلاً من أن يكون جزءا من الحل”، يوضح خربوش.
إحباط النساء وفقدان الأمان
الإحباط العميق الذي أبدته نساء جزائريات في شهادات صادمة يمثل الأثر المباشر لخطاب لوم الضحية، ويؤكد وجود شرخ خطير في ثقتهن بالمنظومة القضائية حينما يكون مصدر الخطاب حقوقيين.
وأكدت آية طالبة جامعية لمنصة “هنَّ” على أنها تشعر “بخيبة أمل عميقة”، موضحة أن “القانون هو الوحيد الذي يحمينا، لكن أن أرى حقوقيا يقدم تبريراً غير مباشر للمجرمين يجعلني أشعر بالخطر وعدم الأمان. هذا يشجع الجناة ويمنحهم شعوراً بالراحة لارتكاب الجريمة بعلمهم أن العقوبة قد تُخفف”.
وأوضحت آية أن “الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يجعل المرأة غير الواعية بحقوقها تشعر بالذنب وربما لا تقدم شكوى، مما يؤدي إلى غياب القانون كلياً”.
من جهتها، لخصت دينا (اسم مستعار) الأمر لمنصة “هنَّ” قائلة: “التحرش في الجزائر في ارتفاع، وبسببه أصبحت أرفض الخروج من المنزل خشية المتحرشين الموجودين في كل مكان. المفارقة أننا بدل محاربة هذا التحرش، نرى الحقوقيين يعززون له. الضحية الوحيدة هي المرأة. لو كانت هي المسؤولة لما سميت ضحية! كيف يمكن أن يحمّلوننا مسؤولية التحرش؟”.
وتختتم لينا المشهد بفقدان الثقة: “بصراحة، هذه التصريحات زادت من رعبي لدرجة لا تُوصف… مما جعلني أفقد الثقة تماماً في المنظومة القانونية، فكيف لي أن أبلغ وأنا أرتعد من فكرة التعرض لللوم والتشهير أو أن أجد نفسي وحيدة بلا حماية في مواجهة تهم جاهزة ضد لباسى بدلاً من محاكمة من اعتدى عليّ؟”
وفي قراءة نسوية، قدمتها الناشطة النسوية هبة بن معاشو لمنصة “هنَّ”، اعتبرت أنه في ظل التطور المتسارع لوسائل التواصل الاجتماعي، “أصبح كل من هبّ ودبّ يُدلي برأيه في مختلف القضايا الاجتماعية دون امتلاك أي خلفية قانونية معتبرة”.
“أسهم هذا الواقع في زيادة حساسية الدور الذي تلعبه القنوات الإعلامية، إذ باتت تشكّل الرأي العام وتوجّه النقاشات الاجتماعية، مما يجعل مسؤوليتها تمتدّ إلى المساءلة الأخلاقية حول طبيعة الخطاب الذي تمنحه المنبر والشرعية”، تقول بن معاشو.
وتؤكد هبة على أن “استضافة شخصيات تروّج لخطاب الكراهية ضد النساء يساهم في إنتاج مجتمع يتربّى على احتقار النساء وتطبيع العنف الرمزي ضدهن”.
وأوضحت أن “خطاب لوم النساء يرسّخ لدى المتحرش شعورًا بالاستعلاء القائم على تصور يرى المرأة ككائن أدنى لا يستحق الحقوق نفسها”، وهو ما يؤدي إلى تعميق الفوارق وإبعاد المجتمع عن ميزان العدل والمساواة بين الجنسين. وتزداد خطورة هذا الخطاب عندما يصدر عن مهنيين كالقانونيين، إذ يكتسب حينها شرعية اجتماعية تتجاوز الفضاء الإعلامي لتؤثر مباشرة في سير العدالة داخل المحاكم.
“ناهيك أن الاستمرار في التشكيك بمصداقية النساء وتحميلهن مسؤولية الانتهاكات قد يؤثر ضمنيًا على مواقف القضاة وأعوان العدالة، بل وقد يثني النساء عن التبليغ عن العنف أصلًا، وهو ما يطرح تساؤلاً مشروعاً حول كيفية استعادة النساء ثقتهن في القضاء” توضح الناشطة.
وخلصت إلى أن “الشخص الذي يُفترض أن يحمي النساء يصطفّ علنًا إلى جانب الجاني، مما يوجّه رسالة صادمة للنساء، وهذا السلوك يقوّض الثقة في العدالة ويُحدث شرخًا بين ما هو منصوص عليه قانونًا ومكفول نظريًا، وبين ما يُطبّق فعليًا”.
هل يمكن للحقوقي أن يكون قدوة للجاني؟
الأثر المباشر الذي عكسه خطاب الحقوقيين في إحباط النساء وتآكل ثقتهن، يجد تفسيره في القبول المجتمعي الواسع لهذا الطرح، الذي يتبنى حججاً ذكورية تربط أجساد النساء بالرجال وتبرر التحرش والاغتصاب.
وتجسد هذا القبول بوضوح في التعليقات والمشاركات التي رصدت أسفل الفيديوهات المصورة للحقوقيين، حيث أيّد الكثيرون تصريحاتهم، معتبرينها “رأياً حكيماً” أو “التزاماً بالعرف”، الأمر الذي يشرعن هذا الخطاب الخطر.
هذا القبول للخطاب الصادر عن شخصيات قانونية، هو ما يستدعي التحليل العميق، في هذا السياق، أكد البروفيسور أحمد قوراية، خبير في الصحة النفسية وأستاذ جامعي في علم النفس الاجتماعي، لمنصة “هنَّ”، أن “هذا القبول يرجع بالأساس إلى أن الفرد باعتباره جزءاً من المجتمع يتعامل بمنطق القدوة لمن هو أعلى منه علماً ورفعة ومكانة”.
وعليه، فإن الموقع المهني للحقوقي، حسب الخبير “يمنح سلطة معرفية تجعل الناس يعتقدون أن هذا اللوم هو التفسير القانوني الصحيح للواقعة. وبذلك، إذا كان رجل القانون يدين النساء ويلومهن على ما وقع لهن فهو يتحول من قوة دفاعية لصالحهن إلى تكريس لحق المجرمين وكأننا نقول للجاني الذي صدر منه السلوك الإجرامي: أنت القوة العليا فافعل ما تريد”.
ويوضح البروفيسور قوراية أن هذا الانحراف “يجد جذوره في متلازمة لوم المجني عليه بدلاً من إلقاء اللوم على الجاني، وهي ظاهرة نفسية معقدة تُعرف في علم النفس الاجتماعي باسم فرضية العالم العادل”.
هذا التحيز المعرفي، في جوهره هو “التبرير النفسي للجاني، وهو معتقد منتشر عبر المجتمعات والأمم، ويعني أننا نتجاهل مسؤولية الجاني، ونكون بذلك أمام إباحة المحظور وإنصاف المجرم، والتخلي عن النساء المتضررات”، يضيف الخبير. وأوضح أن هذا يقود إلى “لوم المرأة وكأن لسان حال المجتمع يقول لها: أنتِ المسؤولة الأولى على ما حدث لك، لأنك لم تتخذي لنفسك الاحتياطات اللازمة”.
ويشرح الخبير أن هذا “المنطق يترسخ في عباراتنا العامية مثل ‘أنتِ لَجبتها لنفسك’. حيث يلقي المجتمع وابلاً من الشتائم على المتضررة في قضايا التحرش الجنسي ويتهمها بأن ذلك حدث نتيجة لباسها. هذا اللوم المتواصل يؤدي إلى انعكاس داخلي لدى المتضررة التي تلوم بدوره نفسها، مما يسبب لها اختلالاً وعدم توازن نفسي”.
ويؤكد قوراية على أن “عقيدة العالم العادل هي النظرية العكسية التي تعطي الحق للمجرم وتلوم النساء، وهذا يكرس مبدأ عدم توازن المجتمع ويخلق بيئة فاسدة تزرع الشك في نفوس المتضررات وتزيد من معاناتهنّ النفسية، فهذا المنحى يحول المبادئ والقواعد القويمة إلى أضدادها؛ فيصبح المسيء هو الشخص الأحسن، والمعتدي هو الشجاع، والطيب هو شخص غبي”.
لوم النساء يدخل قاعات المحاكم
الخطورة الحقيقية لتبني خطاب لوم الضحية من قبل الحقوقيين، كما أوضح البروفيسور قوراية، “تكمن في كونه يكتسب شرعية اجتماعية ومنطق القدوة، ليتحول إلى مجرد آلية تبرير نفسية للجاني”.
لكن التساؤل العميق يبقى مطروحاً حول ما إذا كان هذا الخطاب يتجاوز حدود الفضاء الإعلامي ليجد طريقاً للتطبيق الفعلي في قاعات المحاكم.
هذا التساؤل تجيب عنه المحامية وأستاذة القانون أنيسة سماتي في حديث لمنصة “هنَّ”: “إذا كان الحقوقي يرى أن هنالك علاقة بين لباس الضحية ووقوع الجريمة، فالمعنى هنا هو أنها تعرضت للاغتصاب لأنها لم تكن ترتدي ملابس مناسبة”.
في هذه الظروف، تقول المحامية “يمكن أن نذهب بعيداً، فهل المرأة التي لا ترتدي الحجاب مثلاً تكون متوافقة أو غير متوافقة مع قيمنا؟ هذا أمر خطير للغاية لأنه ظاهرة ذاتية، ولا يمكن أخذ جميع الظواهر الذاتية بعين الاعتبار. لذلك، يجب علينا القضاء على هذا النوع من الخطابات تماماً”.
وتنتقل سماتي مباشرة لتحليل كيفية انتقال هذا الخطاب إلى مسار القضاء الفعلي، مشيرة إلى نقطة الضعف القانونية التي تسمح بتأثير سلوك الضحية على الحكم، بالقول: “ومع ذلك، فمن المؤكد أن القاضي الجنائي، وأنا أتحدث إليكم على مستوى المحاكم طبعاً، يتمتع بما يسمى السلطة التقديرية. ولديه سلطة تقديرية، وبالتالي يمكنه بالفعل أن يأخذ في الحسبان مثلاً ما كانت ترتديه الضحية، هل كانت ترتدي ملابس كاشفة أو صدرها مكشوف، وما إلى ذلك. كل هذا يمكن أن يؤخذ في الاعتبار، على الرغم من أن القانون لا يتحدث عن ذلك فالتحرش مُجَرَّم في القانون وله عقوبته”.
لكن هنا المفارقة، فحسب المحامية فإن “القانون يسمح للقاضي بما يسمى السلطة التقديرية للقاضي، أي بأن يفعل ما يراه مناسباً. كما يمكنه منح ظروف مخففة، خاصة إذا كان مرتكب الجريمة هو شخص لم يسبق إدانته ولم يكن معتاداً على الإجرام، فيمكنه تطبيق المادة 53 من قانون العقوبات، وبالتالي يمكنه أن يستفيد من الظروف المخففة”.
وعليه، يبقى التحدي الجوهري للعدالة الجزائرية؛ كامنًا في كيفية تحقيق الفصل المطلق بين الأعراف الاجتماعية والتطبيق الموضوعي للقانون، وضمان أن ينصب التركيز على الجريمة وحدها لا على سلوك الضحية، في ظل الفرضية القانونية التي تؤكد أن رجال القانون هم الدرع الواقي للضحية لا شركاء غير مقصودين في تبرير الجريمة.



















