في 30 يوليو الماضي، أثارت واقعة ترحيل الناشطة الحقوقية الجزائرية نصيرة ديتور من مطار “هواري بومدين” بالجزائر إلى باريس؛ صدمة واسعة في الأوساط الحقوقية والمدنية.
وتعد ديتور؛ وهي رئيسة جمعية “أس أو أس المفقودين” وعضو في الاتحاد الأورومتوسطي ضد الاختفاء القسري؛ من أبرز الوجوه المدافعة عن قضية المفقودين في الجزائر، وهي نفسها أم لمفقود منذ 1997، حيث اختفى ابنها أمين عمروش خلال سنوات العشرية السوداء.
ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف عن المطالبة بكشف مصير المفقودين الذي تقدر الحكومة عددهم قرابة 8000 مفقود، لكن جمعيات حقوقية ترى أنه يتجاوز هذا العدد بكثير.
وتُعتبر ديتور رمزًا لذاكرة جماعية أليمة، وملفًا مفتوحًا لمعاناة آلاف العائلات، و لم يصدر أي توضيح رسمي لغاية كتابة هذه الأسطر بشأن أسباب منعها من دخول البلاد.
في حوارٍ مع منصة “هنَّ”، وبغصّة في قلبها الذي ينبض بألفِ تساؤل لم تجد له جوابًا، فتحت نصيرة ديتور قلبها لتروي تفاصيل قصّة ترحيلها من وطنها، وعن وجع معاملتها كغريبة في بلادها.
هنَّ: ماذا حدث لك يوم 30 يوليو بمطار “هواري بومدين” بالجزائر العاصمة؟
نصيرة ديتور: توجهتُ إلى الجزائر العاصمة آتية من فرنسا، كنت أتوقع توقيفًا قصيرًا، إجراءات روتينية كما يحدث عادةً، لكن هذه المرة طالت العملية. عند شرطة الحدود سلّمت جوازيّ الفرنسي والجزائري، رأيت الشرطي يحدّق في وجهي طويلًا قبل أن يستدعي مسؤولًا آخر؛ المسؤول كان يعرفني، وقال له في البداية املأ الاستمارة و “دعها تمر”، لكنه دعاه للتدقيق في أمر ما، عند مراجعة جهاز الكمبيوتر تغيّر الموقف. حيث صودرت جوازات سفري ، وبدأوا الاستجوابات ، عن عملي، عائلتي، وعن آخر مرة دخلت فيها إلى الجزائر. عندئذٍ بقيت في الانتظار لساعات وسط قلقٍ شديد، حتى أُبلغت في النهاية أنني لن أتمكن من دخول البلاد، وأنني سأُرحَّل
هنَّ: كيف استقبلتِ هذا القرار؟
نصيرة: كان الأمر صدمة كبيرة بالنسبة لي. في البداية ظننت أنهم سيأخذونني إلى سجن القليعة، خصوصًا بعد أن منعوني من استخدام الهاتف و حجزوني في إحدى قاعات المطار. لكن حين سمعت كلمة “الطائر ستقلع” أدركت أنهم سيرحّلوني. وضعوني في مؤخرة الطائرة كأنني مجرمة، ثم سلّموا لي جواز سفري مع محضر ترحيل لم يُذكر فيه أي سبب، سوى الاستناد إلى قانون حركة الأجانب، كيف أمكنهم معاملتي بها الشكل وعلى أساس هذا القانون مع أنني جزائرية؟
هنَّ: هل يدخل ترحيلك في سياق التضييق على المدافعين عن حقوق الإنسان في البلاد؟
بالتأكيد، لقد وقع ذلك سابقا للصحفي فريد عليلات، واليوم معي أنا. إنهم يحاولون إسكات أصواتنا، لكنني أؤكد أنني لن أصمت. بالنسبة لهم، سجني قد يثير ضجة أكبر، فاختاروا منعي من دخول البلد حتى يُبعدوني عن قضيتي وعن جمعية المفقودين. لكن هذا يزيدني إصرارًا، لأن الجزائر ليست ملكًا لهم.
هنَّ: هل قمت بإجراءات قانونية؟
نصيرة: نعم، قدّمنا طعنًا لإلغاء قرار الترحيل، وسنراسل المنظمات الدولية، كما نفكر في رفع دعوى قضائية ضد وزارة الداخلية.
هنَّ: ما كان موقف عائلات المفقودين؟
اجتمعنا وتحدثت إليهم، وقلت إنه لا يجب أن يثنينا هذا القرار عن الدفاع عن قضيتنا، السلطة حاولت إفشال نضالنا سابقًا عبر “ميثاق السلم والمصالحة” والتعويضات عن المفقودين ، لكننا صمدنا. واليوم أيضًا يجب أن نواصل النضال.
هنَّ: كيف كان التضامن معك بعد هذه الحادثة؟
بصراحة، لم أشعر أنني وحدي. التضامن الوطني والدولي كان كبيرًا جدًا، سواء من عائلات المفقودين أو من شخصيات سياسية وحقوقية مثل كريم طابو. لقد وصلتني رسائل دعم كثيرة جعلتني أشعر أنني محاطة بحب الجميع.
هنَّ: رسالتك الأخيرة للسلطات الجزائرية؟
نصيرة : أقول لهم، لقد استشهد جدي في حرب التحرير، وأمي شاركت في الثورة ضد الاستعمار الفرنسي، وعائلتي شاركت في تحرير هذه البلاد، فكيف تحرم حفيدة هؤلاء من دخولها! سأواصل النضال من أجل الدخول لبلادي، فالجزائر وطن الجميع.



















