رفضت المحكمة الإدارية للاستئناف بالجزائر، يوم الإثنين الماضي، الطعن الذي تقدّمت به رئيسة جمعية “أس أو أس المفقودين”، الحقوقية نصيرة ديتور، وأحالت قضية منعها من دخول البلاد إلى مجلس الدولة، وفق ما أفاد به محاموها.
وبحسب هيئة الدفاع، قرر قاضي الجلسة “قبول الدعوى شكلاً ورفضها موضوعًا لعدم التأسيس”، وهو قرار اعتبره المحامون “متناقضًا من الناحية القانونية”.
وقالت المحامية عايدة صفاء عيدون، في تصريح لإذاعة “من لا صوت لهم” التابعة لجمعية المفقودين، إن “الإدارة لم تُبلّغ موكلتها نصيرة ديتور بأي قرار رسمي يمنعها من دخول التراب الوطني”.
وتساءلت عيدون “كيف يمكن لمحكمة أن تفصل في إجراء إداري لم يُثبت وجوده بشكل رسمي؟”.
وأضافت عيدون أن المحكمة “أشارت إلى أن جواز سفر موكلتها ينتهي في ديسمبر 2025، ودخلت التراب الوطني في يونيو \جوان 2025، وكان جواز سفرها حينها ساري المفعول بالكامل”.
“لفتت المحكمة إلى غياب بعض الوثائق من ملف القضية، من بينها صفحة جواز السفر التي تحمل ختم الخروج، وتذكرة الطائرة، وبطاقة الصعود إلى الطائرة، التي تُثبت أن ديتور قد دخلت فعليًا إلى الجزائر”، تضيف عيدون.
وأكدت المحامية على أن “المحكمة أوضحت أنها لا يمكنها الفصل إلا استنادًا على الوثائق المقدَّمة، موجّهةً هيئة الدفاع إلى سبل الطعن القانونية، والمتمثلة في اللجوء إلى مجلس الدولة”.
ديتور: كيف ينامون؟
وفي تعليقها على قرار رفض الطعن، عبّرت نصيرة ديتور ، في تصريح لمنصة “هنّ”، عن استيائها الشديد قائلة إنها تلقّت الحكم “بمرارة كبيرة، وبكثير من الخيبة والغضب تجاه هذا النظام وتجاه العدالة الجزائرية”.
وأضافت: “نحن أمام قضاة لا يؤدون واجبهم كقضاة، بل يحكمون وفقًا للأوامر التي تُملَى عليهم. وأكثر ما يثير غضبي هو أنهم ينامون ، وضمائرهم مرتاحة”.
وتابعت ديتور: “هذا القرار يجعلني أثور. لم يكفهم أنهم منحوا أنفسهم حق تقرير الحياة أو الموت لأطفالنا، والآن يمنعونني من دخول وطني وكأن البلاد ملك لهم، أو وكأنها أصبحت ملكيتهم الخاصة”.
وأوضحت أنها كانت تأمل أن تعترف وزارة الداخلية بخطئها وتتراجع عن قرارها، قائلة: “كنت أرجو أن تعترف الوزارة بأن ما حدث كان هفوة، وأن تُصحّح الخطأ، لكن الصمت كان مطبقًا. إنهم لا يملكون حتى الشجاعة لمواجهة خطئهم إلى النهاية”.
وعن الخطوات القضائية المقبلة، أكدت ديتور على أن “المحكمة وجهتنا إلى مجلس الدولة. سنواصل الإجراءات إلى النهاية. وبعد ذلك سنلجأ إلى الهيئات الدولية، كما سنرفع دعوى قضائية ضد وزارة الداخلية بتهمة إساءة استعمال السلطة”.
الترحيل من الجزائر
واقعة ترحيل الناشطة الحقوقية الجزائرية نصيرة ديتور من مطار “هواري بومدين”، بالجزائر إلى باريس؛ في 30 يوليو الماضي، أثارت صدمة واسعة في الأوساط الحقوقية والمدنية في البلاد .
وعبر عدد من المناضلين/ات والمحامين/ات والسياسيين/ات عن تضامنهم مع نصيرة ديتور، عقب رفض الطعن في قضيتها، تحت شعار “كلنا نصيرة ديتور”.
وفي حوار سابق خصّت به منصة “هنّ”، روت المناضلة الحقوقية الجزائرية نصيرة ديتور تفاصيل منعها من دخول الجزائر وترحيلها تعسفيًا من مطار الجزائر العاصمة، في واقعة تعكس تصاعد التضييق على المدافعين/ات عن حقوق الإنسان.
ديتور، التي كانت قادمة من فرنسا، أكدت أنها لم تتوقع أكثر من إجراءات روتينية قصيرة، كما جرت العادة في سفرها السابق، غير أن الأمر “اتخذ منحى مختلفًا هذه المرة”.
فعند شرطة الحدود، وبعد تسليمها جوازي سفرها الفرنسي والجزائري، لاحظت نظرات شك واستدعاء مسؤول أمني كان يعرفها سابقًا، قبل أن يتغير الموقف عقب مراجعة معطياتها على الحاسوب.
عندها، تروي ديتور، صودرت جوازات سفرها، وبدأت سلسلة من الاستجوابات طالت عملها، وعائلتها، وتنقلاتها السابقة، لتُترك بعدها لساعات طويلة في الانتظار داخل المطار، وسط حالة من القلق والترقب، قبل إبلاغها بقرار منعها من دخول البلاد وترحيلها دون تقديم أي مبررات واضحة.
وأضافت ديتور أن الصدمة كانت مضاعفة، خصوصًا عند منعها من استخدام هاتفها واحتجازها داخل إحدى قاعات المطار، في ظروف جعلتها تتوقع نقلها إلى أحد مراكز الاحتجاز.
غير أن إعلان موعد إقلاع الطائرة أكد لها أن القرار هو الترحيل، حيث جرى التعامل معها، بحسب تعبيرها، “كما لو كانت مجرمة”، إذ وُضعت في مؤخرة الطائرة وسُلّمت لاحقًا محضر ترحيل يستند إلى قانون حركة الأجانب، دون ذكر سبب محدد، رغم كونها مواطنة جزائرية.
ترى نصيرة ديتور أن ما تعرضت له يندرج ضمن “سياق أوسع من التضييق الممنهج على الأصوات الحقوقية والصحافية في الجزائر”، مذكّرة بحالات سابقة طالت صحافيين/ات وناشطين/ات، من بينهم/ن الصحافي فريد عليلات.
وبرأيها، فإن منعها من دخول البلاد “لم يكن سوى محاولة لإبعادها عن نشاطها الحقوقي وعن جمعية عائلات المفقودين”، مؤكدة في على أن هذه الممارسات لن تثنيها عن مواصلة نضالها، لأن “الجزائر ليست ملكًا للسلطة”.
ديتور، هي عضو “الاتحاد الأورومتوسطي ضد الاختفاء القسري”، وواحدة من أبرز الوجوه المدافعة عن قضية المفقودين في الجزائر، وهي نفسها أم لمفقود منذ 1997، حيث اختفى ابنها أمين عمروش خلال سنوات العشرية السوداء.
ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف عن المطالبة بكشف مصير المفقودين الذي تقدر الحكومة عددهم قرابة 8000 مفقود، لكن جمعيات حقوقية ترى أنه يتجاوز هذا العدد بكثير.



















