“بدنك لك وحدك”.. دليل ضد التحرش يزرع ثقافة الـ”لا” في وعي الأطفال

يتجدد الجدل في تونس حول ظاهرة التحرش المدرسي، التي أصبحت تهديدًا خطيرًا للأطفال والمراهقين، فحسب تصريحات لمندوب الطفولة مهيار حمادي، تتلقى المندوبية العامة يوميًا أربعة إشعارات حول تعرض تلميذة أو تلميذ للتحرش أو الإعتداء  الجنسي، مما يعني حوالي 1140 إشعارًا سنويًا. 

وتشمل هذه الحالات تحرشًا من قبل أفراد الإطار التربوي أو العاملين في المؤسسات التعليمية، بالإضافة إلى حالات التحرش عبر وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الأرقام المخيفة تثير تساؤلات ملحة حول خطة الدولة لمواجهة هذه الآفة التي تنهش براءة الأطفال وتهدد سلامتهم ومستقبلهم.

في هذا السياق، تبرز خلود فائزي، القابلة الشابة  التونسية المختصة في النوع الاجتماعي والصحة الجنسية والإنجابية. اهتمامها الخاص بحماية الأطفال والمراهقين من جميع أشكال العنف، وخاصة التحرش الجنسي، دفعها إلى صياغة دليلين  تفاعليّينِ لهذا الغرض. 

وتتحدث خلود اليوم  في حوار خاص مع  منصة “هنّ” عن دوافع هذا الأدلة  وأهدافها والرسائل التي تحملها. 

هل ممكن أن تقدّمي الأدلة اللي ألّفتهم مع توفيق عمران برعاية المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية؟ 

الدليلان هما دليل مرسوم لحماية الأطفال من التحرّش الجنسي (6-10 سنوات)؛ فيه قصص مصوّرة وألعاب تعليمية تفسّر للأطفال الفرق بين اللمسة الآمنة واللمسة المزعجة، كيف  يفرّقوا بين السر والمفاجأة، ومن أين يطلبوا المساعدة.

ودليل للمراهقين لحماية أنفسهم (11-16 سنة)؛ يتناول بوضوح مواضيع الصور النمطية، الموافقة، الفرق بين المجاملة والتحرّش، والحدود الجسدية والرقمية، بطريقة تحترم سنّهم وتفكيرهم، مع تمارين تفاعلية.

وتم إعداد الدليلين تحت إشراف المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية (FTDES) وفي إطار برنامج يهدف إلى حماية الأطفال وتعزيز ثقافة التبليغ والوقاية.

ماهي دوافع إعداد دليل في موضوع حساس مثل التحرّش الجنسي بالأطفال؟

الدافع الأساسي هو النقص الكبير في المواد التعليمية الموجهة للأطفال بلغتهم وبطريقة تحترم تفكيرهم وخصوصيتهم الثقافية. العديد من العائلات والمعلمين لا يعرفون كيف يفتحون حوارًا حول الصحة الجنسية، والدليل يسدّ هذا الفراغ. نريد من الأطفال  أن يكونوا واعيين بحقوقهم، ويعلموا أن من حقهم أن يقولوا “لا” لأي سلوك يزعجهم.

 لماذا اخترت التركيز على فئتين عمريتين؟ وماهو الفرق بينهما؟

الفئتين لديهم احتياجات مختلفة؛ فعمر 6–10 سنوات، يحتاجون إلى لغة بسيطة، قصص، وأمثلة قريبة ليهم؛ أن نحكي معهم بطريقة غير مباشرة عبر شخصيات كرتونية.

أما سن 11–16 سنة؛ أي المراهقين، فهم يفهمون الإيحاءات والنوايا، ولازم أن نوضح لهم أكثر. لذلك نعطيهم تمارين تعزّز الثقة بالنفس والفكر النقدي.

 لماذا  اعتمدتِ على اللغة الدارجة التونسية؟

اللغة الدارجة توصل المعلومة بشكل أسرع وأسهل للأطفال والمراهقين. إذا لم يفهموا النص، لا يمكن أن يؤثر فيهم . أيضًا الدارجة تخلق جو أقرب للواقع، غير رسمي، وهذا ما يمكن الطفل أن يشعر أن الكلام موجه له شخصيا.

حديثنا  عن المراجع التي اعتمدت عليها 

اعتمدنا على دليل “منظمة الصحة العالمية” حول التربية الجنسية الشاملة.

كيف راعيتِ الحساسية الثقافية والدينية؟

لم نستعمل مصطلحات مباشرة تصدم أو تجرّح، وراعينا أن يكون المحتوى تربوي، توعوي، يحترم السياق الأسري التونسي.

 هل الطفل قادر أن يفرّق بين المجاملة والتحرّش؟

ليس دائما، لكن إذا علمناه كيف يثق في إحساسه، أخبرناه أنه إذ ما شعر بالخوف أو الإحراج فمعناها السلوك هذا ليس طبيعيا، وبالتالي يتعلم أن يفرّق؛ ولذلك الدليل يشجّع على النقاش والتواصل مع الكبار.

ماهي أهم النصائح  التي تقدمينها إلى المربين والأولياء؟

صدقوا الأطفال واسمعوهم، لا تنفعل على طفلك إذ ما تحدث  عن شيئ يزعجه، وفّروا جوًا آمنًا للحوار من غير لوم أو تهديد.

ماهي أبرز التحديات  التي واجهتموها  أثناء إعداد الدليل؟

غياب مراجع تونسية موجهة للأطفال، وصعوبة اختيار العبارات التربوية التي تفسر دون أن تجرّح.

 كيف يمكن أن يغير الدليل  طريقة تعاملنا مع التحرش؟

هو أداة عملية، لا يكتفي  بالتوعية النظرية، بل يقدّم تمارين، ألعاب، وحوارات نموذجية. يفتح باب للنقاش بين المربي والطفل بطريقة آمنة.

 كيف يمكن أن  يحصل الأهالي على الدليل؟ و ما هي رسالتك للأولياء؟

الدليل متاح رقمياً ومجّاناً، ونخطط لطباعةِ كمية محدودة، نوفره أيضًا عبر ورشات مباشرة مع جمعيات شريكة.

أقول للأولياء والآباء؛ لا تستهينوا بقدرات  الطفل على الفهم. لا يمكن أن نمنع التحرش بشكل كامل، لكن يمكن أن نمرن ونعلم الطفل كيف يواجهه، وكيف يبلغ، وكيفاه يثق في إحساسه.

 ما هي رسالتك للأطفال والمراهقين؟

بدنك لك وحدك، وعنده حرمة وخصوصية، صوتك مهم، وإذا حسّيت بالخوف، لا تسكت. ديما فما شكون يسمعك ويعاونك.

أي  دور يلعبه المجتمع المدني والسلطات؟

دورهم أساسي، ولازم يكونوا شركاء في التوعية، في التمويل، وفي الضغط لإدماج التربية الوقائية في البرامج التعليمية.

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • على خطى اللاجئات.. خرائط المنفيات التونسيات في فرنسا عبر الأجيال

    منذ مطلع القرن العشرين، شكّلت فرنسا فضاءً موازياً للسياسة التونسية، وامتداداً آخر لصراعاتها، ولحظات انفتاحها، وانكساراتها أيضًا. فقد اتّخذ المنفى الباريسي، في مختلف محطّات التاريخ الوطني، هيئةَ مجال يُعاد فيه رسم ملامح المعارضة التونسية كلّما ضاقت بها أروقة الداخل. فمن طلبة الحركة الوطنية الذين وجدوا في باريس منبراً لمقارعة الاستعمار، إلى المناضلين.ات اليساريين.ات والقوميين.ات والإسلاميين.ات…

    يسرى بلالي|

  • تحديًا للفقر والبطالة.. نساء يؤنثن عمل الذكور بتونس

    لايزال إدماج المرأة التونسية في سوق العمل ناقص للغاية، رغم أن حضور النساء في تونس موجود في كل المجالات وفي كل المهن; محاميات، طبيبات، معلمات وغيرها من المهن، لكنهن لا يشكلن سوى 30 بالمائة في سوق العمل، على الرغم من أنهن الأفضل تعليمًا بالبلاد، فهن يشكلن الأغلبية في التعليم، خاصة التعليم الجامعي، حيث يبلغ عدد…

    ريم بلقاسم|

  • الفيمينيزم بصيغة المذكر.. رجال مغاربة في قلب المعركة النسوية

    لم يعد الدفاع عن حقوق النساء في المغرب حكرا على الفاعلات النسويات أو الحركات النسائية فقط، بل أصبح أيضا خيارا واعيا لدى عدد متزايد من الرجال الذين يعتبرون أنفسهم معنيين بشكل مباشر بقضية المساواة. رجال اختاروا الاصطفاف إلى جانب النساء، لا من موقع الوصاية، بل من موقع الشراكة في النضال من أجل العدالة الاجتماعية وحقوق…

    عفراء علوي محمدي|

  • حوار| الناشطة النسوية أمال حجاج: “قانون الأسرة الجزائري يعيق تطور المجتمع بأكمله”

    منذ أربعين عامًا، تناضل الناشطات النسويات والجمعيات النسوية الجزائرية، ضد قانون الأسرة الذي صدر في 9 يونيو 1984 وعُدّل في عام 2005، إذ تعتبرن أن هذا القانون "منافي للدستور الجزائري، ولا يحقق المساواة بين الرجال والنساء، بل يكرس التمييز والظلم الاجتماعي عبر مواده". ولسنوات عديدة، تكافح الأمهات المطلقات ضد المادة 66 التي تتيح إسقاط حضانة…

    ماجدة زوين|