“لم يتم اختزالي في كوني فتاة من منطقة معينة، ولا نُظر إليّ من خلال عدسة الجندر، لقد نُظر إليّ كزميلة، وكفرد عليه إثبات جدارته بكفاءتهِ فقط”، بهذه الكلمات تفتتح مروى شهادتها لمنصة “هنَّ”، لتحكي عن نقطة التحول في حياتها بعد مغادرتها الجزائر.
مروى، هي مسؤولة تطوير أعمال في إحدى الشركات، بدأت مسارها المهني في قطاع التعليم الخاص بالجزائر، تروي كيف اصطدم طموحها ببيئة عمل محكومة بسقوفٍ منخفضة وضغوط اجتماعية عالية؛ فإلى جانب ضآلة العائد المادي، واجهت تمييزًا مركبًا لكونها امرأة من جهة، ولكونها شابة قادمة من خارج العاصمة من جهة أخرى، مما أجبرها على العمل بضعف الجهد لتنتزع اعترافًا بمكانتها.
وعلى الرغم من أن الغربة لم تخلُ من تحديات الصور النمطية، إلا أن انتقالها للعمل في جنوب شرق آسيا مكنها من كسر القيود التي كانت تحاصرها محليًا، وتسريع مسارها المهني بشكل لم تكن تحلم به في بلدها.
هذا البحث عن الاعتراف بالكفاءة الذي قاد مروى، يقابله بحث آخر عن الأمان البديهي لدى دينا (20 عامًا)، وهي طالبة أعمال اختارت الصين مستقراً لها.
تقول دينا لمنصة “هنَّ”: “لم يكن رحيلي رغبة في الاغتراب، بل كان بحثًا عن أمان مفقود في شوارعنا. لو توفر لي حق المشي بسلام دون خوف من تحرش يتربص بي، أو نظرات تحاكمني على لباسي، لما اخترت الغربة يوماً”.
وتضيف دينا: “لقد دفعني المجتمع للرحيل حين جعل من جسدي وقراراتي الشخصية قضية رأي عام، ولم يترك لي خياراً سوى المغادرة لأستعيد كرامتي وأكون نفسي دون أقنعة”.
اليوم، تمشي دينا في الشوارع حتى في ساعات متأخرة دون ذاك الرعب القديم، مؤكدة أن هذا السلام النفسي يستحق كل تضحية قدمتها ببعدها عن عائلتها، بعد أن كانت الهجرة طريقها الوحيد لتشعر أخيراً أنها إنسانة حرة في الفضاء العام.
قصص مروى ودينا ليست حالات فردية، بل هي جزء من واقع أكبر تقر به الأرقام الرسمية حيث يؤكد تقرير للأمم المتحدة أن عدد المهاجرات الجزائريات أصبح يفوق عدد المهاجرين الرجال منذ عام 2024، بنسبة بلغت 1.02 بالمائة.
وأوضح التقرير أن “حوالي مليون جزائرية يعشن في الخارج منذ عام 2020″، وهو تحول استثنائي بدأ يتشكل فعلياً قبل جائحة كوفيد-19؛ ففي عام 2020 وصل عدد المهاجرات إلى 866 ألفًا و740 امرأة مقابل ألفًا866 و82 رجلاً.
ويمثل هذا التحول حالة فريدة في منطقة شمال إفريقيا؛ فبينما تظل الهجرة في معظم الدول الأخرى مثل ليبيا، المغرب، وتونس ذكورية بامتياز، قلبت الجزائر الموازين التي كانت تميل لصالح الرجال بين عامي 1990 و2010. واليوم، يتوزع هذا الوجود النسوي الجزائري في دول متنوعة في بحث عابر للحدود عن مساحات جديدة للعيش والعمل.
هل تنتهي رحلة الهروب بعبور الحدود؟
نرجس بصافي (22 عام) ، طالبة هندسة الكمبيوتر في تركيا، تصف لمنصة “هنَّ” واقع الحياة في البلاد بـ”السجن الذهني”؛ فرغم ابتعادها، مازال لخوف من الأحكام المسبقة يلاحقها كظلها.
وتقول نرجس: “كنت أظن أن سنوات الغربة ستجعلني غير مبالية، لكنني اكتشفت أن الرقابة العائلية والمجتمعية هي صدمة نفسية أجرّها معي أينما ذهبت. في كل مرة أشارك فيها جانباً من حياتي بحرية، أتعرض لهجوم وكلمات مسيئة تتهم كرامتي وتتهمني بتشويه صورة بلدي لمجرد أنني أعيش باستقلالية”.
بالنسبة لنرجس، فإن القلق الحاد من فكرة “جلب العار” لأقارب لا تتواصل معهم، أو لغرباء يراقبونها خلف الشاشات، يمثل عبئًا غير عادل؛ حيث تُجبر المهاجرة على تمثيل المجتمع رغمًا عنها، مما يعيق قدرتها على التعبير عن أفكارها ومشاعرها الحقيقية، ويجعلها في صراع مستمر بين ذاتها الجديدة وتوقعات محيطها القديم.
هذه الوصاية المجتمعية التي تطارد نرجس، تحللها الناشطة النسوية ياسمين بوسباسي لمنصة “هنَّ” باعتبارها اختراقًا رقميًا للخصوصية يجبر المهاجرات على تبني “استراتيجيات للإفلات” من الأنظار.
وتوضح بوسباسي أن “الوصاية المجتمعية باتت عابرة للحدود، ما يضطر الكثير من النساء إلى استحداث حسابات إلكترونية بديلة كآلية لضمان الأمان وتجنب الصدام مع الأقارب”.
وترى بوسباسي أن الرقابة الذاتية التي تمارسها المهاجرات على منصات التواصل تخلق ضغطاً نفسياً عميقاً، تصفه بـ”خيانة الذات”؛ حيث “تضطر المرأة للامتناع عن نشر ما يمثلها خوفاً من التبعات السلبية لرقابة الأسرة بمفهومها الواسع”.
وتضيف: “لقد ابتكرت النساء طرقاً للتملص، مثل استخدام خاصية ‘الأصدقاء المقربين’ لخلق مساحات حرية مشفرة، فمفهوم السمعة يظل يلاحق المرأة رغم اغترابها”.
ومع ذلك، تشير بوسباسي إلى مفارقة المسافة الجغرافية؛ فرغم محاولات ممارسة السلطة افتراضيًا، “يوفر البعد المكاني نوعًا من الحماية؛ إذ قد يصبح فعل المهاجرة مقبولًا أو يتم التغاضي عنه طالما أنه بعيد عن الأعين المباشرة للجيران والأقارب في الداخل”.
وتخلص بوسباسي إلى أن هذه الحالة هي “غربة قسرية” بامتياز، حيث “يصبح الرحيل ضرورة حتمية للهروب من واقع يفرض قيوداً خانقة على الحرية الشخصية والوجود الحر”.
الهجرة كفعل مقاومة نسوي
خلف كل قصة رحيل، يبرز تساؤل بنيوي حول الأسباب التي تدفع كفاءات ونساء في مقتبل العمر لاختيار الاغتراب كحل وحيد. هذه الحالة من النزوح الجماعي تجد تفسيرها في قراءة سوسيولوجية معمقة قدمتها الباحثة صبيحة كيم في دراستها حول ظاهرة “الحرّاقات”.
ورغم تركيز الدراسة على الهجرة غير النظامية؛ إلا أن الباحثة توصلت إلى أن جوهر الدوافع يظل واحدًا مهما اختلف مسمى الهجرة؛ وهي “مقاومة النظام الأبوي”.
وتشير دراسة كيم إلى مفارقة حادة؛ فالمرأة الجزائرية التي حققت تحولات سوسيوثقافية مكنتها من لعب أدوار تنموية جديدة، لم تنجح هذه الأدوار في تحريرها من هيمنة الثقافة الأبوية.
وبناءً على ذلك، تُصنف الدراسة هجرة النساء كـ”حراك نسوي من نوع جديد”، وإن اتخذ طابعًا فرديًا، فهو يندرج ضمن استراتيجيات المقاومة والانعتاق. فالهجرة هنا هي مشروع يبحث عن حياة أفضل في مجتمع تحرري، تتقاطع فيه الحاجة الاقتصادية مع الرغبة في التخلص من الوصاية الثقافية.
وفي ذات السياق، يرى نسيم، وهو باحث في علم الاجتماع، (فضل عدم ذكر اسمه الكامل)، أن ظاهرة “أنثنة الهجرة” هي “إعلان صريح عن فشل المنظومة القيمية في استيعاب التطور النوعي للمرأة”.
ويحلل نسيم هذه الظاهرة عبر مفهوم العنف الرمزي، موضحًا أن “الجزائر تعيش تناقضًا صارخًا؛ حيث يُسمح للمرأة بالتمكين التعليمي والمهني، لكنها تُحاصر بذهنيات تقليدية توظف الدين والأعراف لضبط جسدها وسلوكها. هذا الضغط يحول الهجرة إلى استراتيجية نجاة بالهوية الشخصية”.
ويفكك نسيم آليات ما يسميه بـ”الطرد الناعم”، وهو نوع من التهجير القسري غير الرسمي الذي يحدث عبر أدوات الوصاية والتحرش النفسي التي تقوض ثقة المرأة بنفسها.
ويؤكد على أن الرقابة التي تبدأ في الشارع وتنتقل إلى الشاشات الرقمية تجعل الخروج من الحدود هو السبيل الوحيد لكسر الدائرة؛ فالمرأة هنا تقوم بـ”خيار عقلاني”، تقايض فيه انتماءها المكاني بسلامها النفسي وخصوصيتها المسلوبة.
وعن تفضيل الرحيل على المواجهة في الداخل، يخلص نسيم إلى أن الهجرة هي “فعل احتجاجي صامت وإدارة ذكية للمخاطر؛ ففي ظل سيطرة الخطاب الذكوري وغياب الفضاءات الآمنة، تصبح المواجهة المباشرة مكلفة وقد تؤدي إلى وصم اجتماعي شديد”.
لذا، تختار النساء الهجرة كصرخة رفض ضد القمع البنيوي، وطريقة لاستعادة الحق في الوجود الحر بعيداً عن صدامات استنزافية غير مضمونة النتائج.



















