مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، يتجدّد النقاش حول موقع قضايا النساء في البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية، ومدى قدرتها على الانتقال من دائرة الشعارات إلى فضاء الالتزامات القابلة للتنفيذ.
وفي ظل استمرار التحديات المرتبطة بالتمكين الاقتصادي والحماية الاجتماعية والمشاركة السياسية، تبرز أسئلة جوهرية حول طبيعة الرهانات التي تضعها الأحزاب أمام النساء المغربيات، وحول الضمانات الكفيلة بتحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات عمومية ملموسة.
في هذا الحوار الذي أجرته منصّة “هنّ”، تتحدّث رئيسة منتدى الزهراء للمرأة المغربية وأستاذة القانون الدستوري وعلم السياسة بجامعة محمد الخامس بالرباط بثينة قروي، عن واقع ضعف حضور قضايا النساء في البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية، وأمل انتقالها من دائرة الشعارات إلى الالتزامات العملية.
كما تستعرض رؤية المنتدى للإصلاحات المطلوبة، وأهميّة اعتماد مقاربة مندمجة تراعي خصوصية مختلف فئات النساء، وتسلّط الضوء على دور المجتمع المدني في تتبّع تنفيذ تعهّدات الأحزاب، قبل أن تُوجّه رسالة إلى الفاعلات والفاعلين السياسيين قبيل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، داعية إلى جعل حقوق النساء وتمكينهن رافعة للتنمية والديمقراطية والاستقرار الأسري.
هل تٌشكّل قضايا النساء أولوية حقيقية في البرامج الانتخابية للأحزاب، أم أنّها تظل مجرد التزام انتخابي ظرفي؟
مازالت قضايا النساء تحتلّ مكانة ثانوية في كثير من البرامج الانتخابية، وعندما يتم التطرق إليها يتم تناولها باعتبارها قطاعا اجتماعيا، أو فئة تحتاج إلى الرعاية، أكثر من كونها قضايا ترتبط ارتباطا وثيقا بالتنمية، والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
نُلاحظ، أنّ أغلب البرامج الانتخابية تكرّر الشعارات العامة حول التمكين والمساواة، دون تحويلها إلى سياسات عمومية دقيقة، ومؤشرات قابلة للقياس وآجال زمنية للتنفيذ، ودون ربطها وهذا هو الأهم، بمحورية مؤسسة الأسرة في النموذج التنموي المأمول.
إنّ المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق الوعود إلى منطق الالتزامات، وأن تصبح قضايا النساء مدخلا أساسيا عند صياغة مختلف السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية، وليس مجرد فصل مستقل داخل البرنامج الانتخابي، وأن ننتقل إلى ما نسميه “المقاربة حسب الأسرة” في التعاطي مع السياسات العمومية.
إلى أيّ حد تعكس البرامج الانتخابية للأحزاب المغربية اهتماما حقيقيا بقضايا النساء؟
لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ أغلب الأحزاب السياسية لم تعلن بعد عن برامجها الانتخابية المزمعة يوم 23 شتنبر 2026، لكن يمكن أن نلاحظ أنّ هناك تطورا ملموسا مقارنة بمحطات سابقة، سواء من حيث حجم الاهتمام أو تنوّع المواضيع المطروحة، لكن جودة هذا الحضور، ونوعيته ما تزال متفاوتة.
فالعديد من البرامج لا تنطلق من تشخيص دقيق لأوضاع النساء، ولا تميّز بين الفئات المختلفة واحتياجاتها، كما أنّها تفتقد في الغالب إلى مؤشرات لقياس الأثر وإلى آليات واضحة للتتبع والتقييم، لذلك دعا منتدى الزهراء للمرأة المغربية في مذكّرته إلى اعتماد مقاربة مندمجة تجعل الإنصاف بين النساء والرجال معيارا عرضانيا في مختلف السياسات العمومية.
هي مقاربة تأخذ بعين الاعتبار الأوضاع المختلفة للنساء المسنّات والنساء في وضعية إعاقة، والأمّهات ذوات الإعاقة، والنساء العاملات، وتوزّعهن بين الأدوار والمسؤوليات المهنية، مع ضرورة إقرار بعض المقتضيات التمييزية لفائدة الأمّهات.
لذلك دعونا في هذا الصدد إلى مصادقة المغرب على اتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 156 الخاصّة بالعاملات والعمال ذوي المسؤوليات العائلية، والاتفاقية رقم 175 المتعلّقة بالعمل لبعض الوقت (العمل الجزئي).
هل تخصّص الأحزاب سياسات تراعي النساء في الوسط القروي، والنساء ذوات الإعاقة، والعاملات في القطاع غير المهيكل؟
هذه الفئات تحتاج إلى سياسات عمومية موجّهة أكثر ممّا تحتاج إلى خطابات عامة. فالنساء في الوسط القروي يُواجهن تحديات مرتبطة بالولوج إلى الخدمات الأساسية، والتمكين الاقتصادي، والحماية الاجتماعية.
أمّا النساء ذوات الإعاقة فيُعانين من أشكال متعدّدة من الإقصاء، ويفتقرن إلى الدعم المطلوب، بينما تعيش العاملات في القطاع غير المهيكل أوضاعا هشّة بسبب غياب الحماية القانونية والاجتماعية، وعدم الاعتراف بعملهن الذي يُعدّ غير مرئيا، ولا يتم الاهتمام بهن للأسف إلاّ في حالات حوادث السير المؤدية للوفاة التي تطالعنا بها الأخبار.
لذلك اقترحت مذكّرة المنتدى اعتماد سياسات تستجيب لخصوصية هذه الفئات، وتوسيع الحماية الاجتماعية لهنّ، وضمان العمل اللائق، ودعم المبادرات الاقتصادية النسائية، مع إيلاء عناية خاصّة للأسر التي تتحمّل فيها النساء مسؤولية الإعالة.
ماهي ضمانات تنفيذ الأحزاب السياسية للوعود المتعلّقة بحقوق النساء بعد الانتخابات؟
الضمان الحقيقي يبدأ بتحويل الوعود الانتخابية إلى التزامات تعاقدية قابلة للتتبّع، وهو ما يستلزم تضمينها داخل البرنامج الحكومي وفق أهداف واضحة ومؤشّرات دقيقة، وربطها بآجال زمنية وميزانيات مخصّصة.
وطبعا، تتبنّاها حكومة مسؤولة نابعة من نبض المجتمع، وتفهم الإشكاليات الحقيقية التي يعيشها المواطن والمواطنة المغربية، مع الالتزام بتقديم حصيلة دورية أمام البرلمان.
كما أنّ البرلمان بدوره ينبغي أن يعكس تطلعات المجتمع وتمثيليته الحقيقية، كما ينبغي تعزيز آليات التقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة، لأنّ نجاح أيّ عمل سياسي لا يُقاس بما يكتب في البرامج، وإنّما بما يتحقق فعليا في حياة المواطنات، وبأثر السياسات على المعيش اليومي.
ما هو الدور الذي يُمكن أن يلعبه المجتمع المدني والحركات النسوية في تتبّع التزامات الأحزاب السياسية؟
المجتمع المدني ليس مجرّد قوة اقتراح، بل هو أيضا شريك في التتبع والتقييم والترافع. واليوم الجميع مطالب بالانتقال من مرحلة المطالبة العامة إلى بناء آليات للرصد، وإصدار تقارير دورية حول مدى وفاء الأحزاب والحكومة بالتزاماتهم.
كما يُمكن لهذه المرحلة تقديم بدائل عملية، والمساهمة في الحوار العمومي، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية إدماج قضايا النساء في السياسات العمومية.
هل تتضمّن البرامج الانتخابية رؤية واضحة لمراجعة القوانين التي مازالت تُثير جدلا حقوقيا؟
إنّ تغيير القوانين ليس عملية تقنية أو إجرائية بسيطة يُمكن أن ينفرد بها حزب سياسي انطلاقا من تصوّره الخاص، بل هي مرآة تعكس التحولات التي يعرفها المجتمع، ويستحضر في الوقت نفسه مرجعيته الدستورية والدينية وقيمه وثوابته.
لذلك، البرامج الانتخابية لا تكفي أن تتضمّن وعودا عامّة بمراجعة بعض النصوص القانونية، وإنّما ينبغي أن تُعبّر عن منهجية واضحة في تدبير الإصلاح التشريعي تقوم على الحوار المجتمعي الواسع، والاستناد إلى المعطيات العلمية، والدراسات الميدانية التي تُقيّم أثر التشريعات القائمة، وتستشرف الآثار المحتملة لأيّ تعديل قبل إقراره.
ومن هذا المنطلق، فإنّ القضايا القانونية الكبرى، وفي مقدّمتها مدونة الأسرة وغيرها من التشريعات ذات الأثر المجتمعي، ينبغي أن تكون موضوع نقاش عمومي مفتوح ومسؤول، يُشارك فيه مختلف الفاعلين والفاعلات والمؤسّسات والخبراء والخبيرات، بعيدا عن منطق الاستقطاب والأطروحات الإيديولوجية.
ذلك أنّ، الإصلاح التشريعي الناجح هو الذي يُحقّق التوازن بين مواكبة التحوّلات الاجتماعية، واحترام المرجعية الدستورية والثوابت الوطنية وعلى رأسها ثابت المرجعية الإسلامية، وضمان استقرار الأسرة وحماية الحقوق وتحقيق المصلحة العامة.
ماهي الرسالة التي توجّهونها للأحزاب السياسية قبيل الاستحقاقات الانتخابية المُقبلة فيما يتعلّق بحقوق النساء؟
رسالتنا إلى الأحزاب السياسية هي أنّ النساء لسن موضوعا انتخابيا ظرفيا، ولا خزانا انتخابيا فقط، بل شريكا أساسيا في بناء التنمية والديمقراطية. والمطلوب هو برامج واقعية تستجيب لأولويات النساء المغربيات بمختلف فئاتهن، باعتبارهن المركز الأساسي لمؤسّسة الأسرة، والانتقال من الخطاب إلى الالتزام، ومن الوعود إلى الإنجاز.
كما ندعو إلى إشراك النساء والخبرات النسائية في إعداد البرامج الانتخابية وصنع القرار، وإلى اعتماد سياسات عمومية منصفة تعزّز الاستقرار الأسري، والحماية الاجتماعية، وجودة التعليم والصحّة، بما يجعل حقوق النساء رافعة حقيقية للتنمية الشاملة، وهو ما دعت إليه مذكّرة منتدى الزهراء للمرأة المغربية في إطار تصوّر متكامل يربط بين العدالة الاجتماعية وتقوية مؤسّسة الأسرة.














