تشير عائشة إلى ماكينة الخياطة الرئيسية، وترينا المكواة المعطلة بسبب تذبذب الكهرباء، هذه الأعطال تشكل خسارة كبيرة للمشغل الصغير الذي تعتمد عليه هذه المرأة لمواجهة أعباء الحياة.
ومن سبها، تحدثنا مرام عن خسائر مشروعها، الذي انطلق قبل نحو عامين، وأصبح مصدر دخلها الأساسي، بسبب انقطاع الكهرباء بمعدل 6–8 ساعات يوميًا، ما يفقدها بين 3 و5 ساعات عمل فعلية بسبب توقف الحاسوب والإنترنت.
وفي الشاطئ، تواجه وعد مشاكل الأعطال بسبب انقطاع الكهرباء، وتواصل البحث عن بدائل مكلفة ليستمر متجرها في العمل، فالمشروع يقوم على طابعات الشوكولاتة وآلة حفر بالليزر على الخشب، وكلها أجهزة تعتمد على الكهرباء ولا تحتمل الانقطاعات ولا العودة المفاجئة.
وتحكي تجّاك كيف اضطرت لمغادرة منزلها في غات، بعد خسائر فادحة تكبدها مشروعها لإعداد المأكولات، فانقطاع الكهرباء تسبب في فساد الأطعمة وتوقف الخدمة.
وعلى غرارهنَّ جميعا، تحاول سالمة تدبير مشروع التصميم الجرافيكي في ظل انقطاع الكهرباء المتكرر، فالبرامج التي تعتمد عليها تحتاج قدرا كبيرا من الطاقة الكهربائية لا تستطيع البدائل توفيره بكلفة معقولة، لتجد نفسها أمام خسائر كبيرة تحاول الصمود لتعويضها.
خمس قصص، خمس نساء، من سبها والشاطئ وغات، أطلقن مشاريعهن الخاصة بميزانيات صغيرة وأحلام كبيرة تحاول الصمود أمام مشكلة تدبيرية حكومية، حكاية تكشف كيف تتحول أزمة عامة إلى كلفة اقتصادية وشخصية تتحملها صاحبة المشروع.
عائشة عداس.. تثبيت الحياة في مكان هش
تفتح لنا عائشة باب مشغلها الصغير، ومعه تفتح لنا قلبها، فهي الآن تقف أمام خسارتين: وقت إنتاج ضائع، ومعدات تحتاج إلى إصلاح في مشروع لا يملك أصلًا هامشًا كبيرًا لتحمل الخسائر.
في أحد الأحياء العشوائية، حيث البيوت متلاصقة والخدمات محدودة، تعيش عائشة مسعود عداس وتدير من مساحة صغيرة جدًا مشغلها “إبداعي”. المكان لا يشبه أحلام المشاريع الكبيرة؛ غرفة متواضعة، وماكينات خياطة تشغل حيزًا محدودًا، وخيوط وأقمشة تتقاسم المساحة مع تفاصيل حياة امرأة تحمل مسؤوليات أكبر من حجم المكان.

منذ أكثر من تسع سنوات، تعمل عائشة ممرضة في الحي نفسه، لكنها، رغم سنوات العمل، لم تحصل على إفراج عن مرتبها بسبب مشكلة الرقم الإداري. وفي بيتها، تنتظرها مسؤوليات أسرة من ستة أطفال، من بينهم ابنة تعاني من مرض في القلب وتحتاج إلى علاج ومراجعة طبية سنوية. كما أنها ليست مسجلة ضمن منظومة التضامن الاجتماعي، ما يجعل مسؤوليات الأسرة أكبر، خاصة مع تكاليف العلاج والمتابعة.
لم تنتظر عائشة أن تأتيها فرصة من وظيفة أو جهة أخرى. بدأت مشغلها عام 2019، لا بحثًا عن رفاهية، بل محاولة لتوفير مصدر دخل يمنحها قدرًا من الاستقلالية ويساعدها على إعالة أسرتها. ومع الوقت، لم يعد المكان مجرد مشغل صغير؛ أصبح مساحة لتدريب النساء والفتيات على الخياطة، ومنحهن مهارة يمكن أن تتحول إلى باب آخر للرزق.
تقول عائشة: “زوجي يعمل وأنا أيضًا أعمل، لكن مرتبي ما زال دون إفراج بسبب مشكلة الرقم الإداري، وبالتالي فإن الدخل والظروف المادية لا تكفي دائمًا لتلبية احتياجات الأسرة”.
لهذا قررت هذه المرأة فتح مشغل، “ليس بحثًا عن الرفاهية، وإنما لأصنع لنفسي مصدر دخل يساعدني على تحمل مسؤولياتي، ويمنحني الاستقلالية، حتى لا أحتاج إلى طلب المساعدة من أحد” تقول في حديثها لمنصة “هنَّ”.
وتؤكد عائشة أنها بدأت من احتياج حقيقي، “لكن مع الوقت أصبح المشغل أكثر من مجرد مصدر دخل؛ أصبح مساحة أستطيع من خلالها تعليم النساء والفتيات مهارات تساعدهن على الاعتماد على أنفسهن وتحسين ظروفهن”.
وتؤمن عائشة أن الظروف الصعبة لا يجب أن توقف النساء، بل يمكن أن تكون دافعًا للبدء من جديد وصناعة فرص أفضل لهن ولأسرهنَّ.
لكن الانقطاعات أدت إلى انخفاض الإنتاج وتأخير الطلبيات وتراجع المبيعات والأرباح، كما اضطرت إلى تأجيل بعض الطلبيات وتقليل الإنتاج في فترات معينة، وتأجيل خطط تطوير المشروع والتوسع. ويمتد أثر تراجع دخل المشغل إلى دخلها الشخصي، لأن المشروع يمثل مصدرًا مهمًا لدعم احتياجات الأسرة.
وتخشى استمرار خسارة الزبائن وتعطل المعدات وتراجع الإنتاج، لذلك تحتاج إلى كهرباء مستقرة أو مصادر طاقة بديلة، مثل الطاقة الشمسية والمولدات، وبرامج لدعم صيانة المعدات المتضررة.
المشاريع الصغيرة.. حسابات مهملة في أزمة الكهرباء
في الجنوب الليبي، لا تنتهي أزمة الكهرباء عند عودة التيار. بالنسبة إلى صاحبات المشاريع الصغيرة، قد تتحول ساعات الانقطاع إلى إنتاج متوقف، وطلبات متأخرة، ومواد تالفة، وأجهزة مهددة، ودخل يتآكل بصمت.
ولا تنفصل هذه الانقطاعات عن واقع أوسع تعيشه منظومة الكهرباء في ليبيا منذ سنوات. فالأزمة ليست وليدة صيف واحد، وإنما نتيجة مشكلات متراكمة في قطاع الكهرباء، من ضعف الصيانة والاستثمار وتقادم جزء من البنية التحتية، إلى مشكلات التوليد وإمدادات الوقود والغاز، في وقت يتزايد فيه الطلب على الكهرباء ولا تكفي القدرات المتاحة لتغطيته.
وتزداد الضغوط خلال الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة استخدام أجهزة التكييف والتبريد، فتتسع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك وتزداد ساعات طرح الأحمال. وفي الجنوب، حيث ترتفع درجات الحرارة وتطول الحاجة إلى التبريد، تكون آثار هذه الاختلالات أكثر قسوة على الحياة اليومية وعلى المشاريع الصغيرة.
لهذا، فإن ساعات الانقطاع التي تعيشها صاحبات المشاريع ليست حادثًا منفصلًا، بل واحدة من النتائج اليومية لمشكلة كهرباء تراكمت أسبابها في ليبيا على مدى سنوات.
أحمال ٌ كبيرة على كاهل مشروع صغير
تخرجت مرام الحاج من الجامعة حاملة تخصصها، لكنها لم تحصل على وظيفة في شركة، فاختارت أن تبدأ عملها الخاص في التصميم الداخلي والتصميم الجرافيكي من سبها.
لم يكن المشروع بالنسبة إليها مجرد محاولة لبناء مستقبل مهني، بل مصدر دخل يساعدها على تحمل مسؤوليات أسرتها. فهي تساند والدتها ووالدها وإخوتها الثلاثة الصغار، وتشارك في دفع إيجار المنزل في سبها.
بدأت مرام مشروعها قبل نحو عامين، وأصبح مصدر دخلها الأساسي. لكن الكهرباء تنقطع بمعدل 6–8 ساعات يوميًا، ما يفقدها بين 3 و5 ساعات عمل فعلية بسبب توقف الحاسوب والإنترنت.
تتأخر المشاريع، ويتعطل الرندر، وينقطع التواصل مع العملاء، وأحيانًا تضطر إلى إعادة جزء من العمل. ولمواجهة ذلك، تعتمد على مولد كهربائي أو بطارية وإنترنت عبر الهاتف، وتنفق بين 300 و500 دينار شهريًا على البدائل.
وتقدر مرام تراجع أرباحها بنحو 20 بالمائة إلى 30 بالمائة، فيما تصل خسارتها الشهرية إلى نحو 700–1000 دينار، معظمها بسبب تأخير العمل وتكاليف البدائل.
كما تضطر هذه المرأة إلى تأجيل مواعيد التسليم، وتقليل عدد المشاريع التي تقبلها، وتأجيل شراء أجهزة أو تطوير عملها.
وتقول مرام إن الخسارة لا تقف عند المشروع، لأنه مصدر دخلها الأساسي، وأي تراجع فيه ينعكس مباشرة على مصاريفها الشخصية.
وتخشى خسارة مزيد من العملاء وتراجع دخلها وصعوبة الاستمرار أو تطوير المشروع، وتحتاج إلى استقرار الكهرباء ودعم أصحاب المشاريع الصغيرة وتوفير حلول طاقة بديلة بتكاليف مناسبة.
انقطاع مفاجئ وفساد طلبية
في منطقة إدري بالشاطئ، تدير وعد محمد قنون متجر “وعد”، الذي يجمع بين الطباعة والديكورات والأعمال اليدوية، إلى جانب مشروع للحفر بالليزر على الخشب.
وعد متخرجة وتحمل شهادة معتمدة، وتعتمد على مشروعها في بناء مصدر دخلها، لذلك لا يمثل انقطاع الكهرباء بالنسبة إليها توقفًا مؤقتًا، بل تهديدًا مباشرًا لعملها.
في طباعة الشوكولاتة تتوقف الخدمة، وتتضرر الفريزرات، بينما تجعل درجات الحرارة المرتفعة الحفاظ على برودة الشوكولاتة أكثر صعوبة. كما تتأثر الطابعات بالانقطاع المفاجئ، وقد يتغير لون الحبر إذا انقطع التيار أثناء الطباعة.
أما آلة الحفر والنقش بالليزر على الخشب فتحتاج إلى كهرباء قوية، وقد ينقطع التيار أثناء تنفيذ طلبية، فتفسد الطلبية وتخسر وعد الخشب والوقت والجهد.
ولديها ثلاث طابعات، لكل منها مجال خاص، ما يعني أن تعطل إحداها قد يوقف فرعًا كاملًا من عملها.


خمسة عشر يومًا بلا كهرباء
في غات، وتحديدًا البركت، تدير تجّاك الحسين نسامو مشروع “المضيافة للمأكولات”، انقطعت الكهرباء عن غات لمدة 15 يومًا، بينما وصلت درجات الحرارة إلى نحو 40–43 درجة مئوية، ما أدى إلى فساد الأطعمة وتكبد المشروع خسائر فادحة وتوقف الخدمة.
ولم يخلف هذا الانقطاع خسارة اقتصادية فقط؛ فقد اضطرت تجّاك إلى مغادرة منزلها والإقامة في المزرعة حتى عودة الكهرباء.

وبعد شهر، تكرر الانقطاع لمدة يومين، إلى جانب ساعات طرح الأحمال، فخسرت مزيدًا من ساعات العمل، فاستعانت بمولد كهربائي، لكنه لم يدم طويلًا. ومع ذلك، لم ترفع الأسعار لتعويض خسائرها، واستمرت بالأسعار السابقة، فيما أجلت بعض احتياجات المشروع.
وترى أن استمرار الانقطاع قد يؤدي إلى توقف المشاريع، لأن “بدون الكهرباء لا حياة ولا خدمة”، وتطالب بتطوير عمل المحطات وتقديم دعم مادي لصاحبات المشاريع، مشيرة إلى أن عائلات عدة تعتمد على هذه المشاريع في معيشتها.
الخسارة ليست وحدها… بل فقدان الحافز أيضا!
بدأت سالمة عبدا لله محمد مشروع “سوما Design” قبل نحو ست أو سبع سنوات، في مجال التصميم الجرافيكي والدعاية والإعلان، وأصبح مصدر دخل مهمًا وأساسيًا لها.
لا يعتمد مشروعها على مواد خام يمكن أن تتلف، لكن ذلك لا يحميه من الخسارة. فالكهرباء تنقطع خلال جزء كبير من اليوم، وغالبًا أثناء ساعات العمل، فتتوقف أجهزة الكمبيوتر وتنتهي بطاريات الأجهزة، بينما يجعل ارتفاع الحرارة، وغياب التكييف، العمل أكثر إرهاقًا ويؤثر في الإنتاجية.
تحاول سالمة أحيانًا استخدام هاتفها لإنجاز بعض التصاميم، لكن برامج التصميم تستهلك البطارية سريعًا، لتجد نفسها أمام وقت إنتاج محدود ووسائل بديلة لا تكفي لمواصلة العمل بصورة طبيعية.
وينعكس الانقطاع على المبيعات والأرباح، كما اضطرت إلى تأجيل خطط تطوير، من بينها إطلاق دورة تدريبية في التصميم الجرافيكي، وقدرت خسارتها الشهرية في بعض الأشهر بنحو 1000 دينار ليبي.

ولم ترفع هذه المرأة أسعار خدماتها لتعويض الخسائر، لكن تراجع دخل المشروع انعكس على دخلها الشخصي وحياتها الأسرية.
وتخشى سالمة أن يؤدي استمرار الانقطاعات إلى فقدان الحافز والاستمرار في العمل، لذلك فهي تحتاج إلى دعم حقيقي للمشاريع الصغيرة، خصوصًا في توفير بطاريات أو مولدات صغيرة أو أي مصدر طاقة يضمن استمرار العمل.
الخسارة مرتين
تكشف هذه القصص أن انقطاع الكهرباء لا يقتطع من ساعات العمل فقط؛ بل يأكل جزءًا من اقتصاد المشروع نفسه؛ فعائشة تواجه تعطل المعدات وتأخر الطلبيات، وتخسر مرام ساعات عمل وعملاء، وتواجه وعد تلف الطلبات والأجهزة، وتجّاك خسرت الأطعمة وتوقفت خدمتها، وسالمة تعطلت أجهزتها وتأجلت خططها.
تكافح تلك النساء بجَلَدٍ من أجل الاستمرار، وبذلك عليهنَّ إضافة كلفة البدائل إلى كلفة المشاريع الصغيرة التي بالكاد تستطيع الصمود في وضع طبيعي. لهذا عليهنَّ اقتناء مولدات وبطاريات، وتوفير كلفة الوقود، وتوفير الإنترنت عبر الهاتف، وصيانة وإصلاح وإعادة تنفيذ الطلبات.
هكذا قد تخسر صاحبة المشروع مرتين: مرة عندما يتوقف الإنتاج، ومرة عندما تنفق من دخلها كي تستطيع مواصلة الإنتاج.

محمد فايز عويدات، المحلل المالي للمشروعات الصغيرة، يقول إن “أثر انقطاع الكهرباء يختلف حسب طبيعة النشاط، لكن المشترك بين مشاريع الخياطة والطباعة والتصميم والحفر بالليزر وإعداد الأغذية هو أن الكهرباء تدخل مباشرة في عملية الإنتاج”.
في الخياطة، يؤدي توقف الماكينات إلى خسارة ساعات الإنتاج وتأخير الطلبيات، وقد يؤدي تذبذب التيار إلى أعطال تتحمل صاحبة المشروع تكاليف إصلاحها. وفي الطباعة والحفر بالليزر، يُفسد الانقطاع المفاجئ المنتج أو المواد الخام، فتتحملُ صاحبة المشروع تكلفة إعادة العمل أو تخسر الطلب.
أما التصميم الجرافيكي والتصميم الداخلي، فيعتمدان على الحواسيب والإنترنت؛ وعندما ينقطع التيار تتوقف ساعات الإنتاج، وتتحول البطارية أو المولد أو الإنترنت عبر الهاتف إلى تكلفة تخصم من الدخل.
وفي المشاريع الغذائية، تكون الخسارة أكثر مباشرة، إذ يؤدي انقطاع الكهرباء وارتفاع الحرارة إلى تلف المخزون وخسارة رأس مالٍ دُفع ثمنه مسبقًا.
ويشير عويدات إلى أن “الخسائر لا تظهر فقط في تلف جهاز أو مادة خام، بل أيضًا في تأخر التسليم، وخسارة العملاء، وتقليل عدد المشاريع، وتأجيل شراء المعدات وخطط التوسع”.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الكلفة التي تذهب إلى الوقود أو البطاريات أو المولدات أو إصلاح آلة متضررة هي أموال كان يمكن أن تُستثمر في تطوير المشروع، أو شراء معدات جديدة أو بناء احتياطي مالي يحميه من الأزمات.
وبالنسبة إلى صاحبة مشروع يعتمد عليه دخلها أو دخل أسرتها، فإن استمرار هذه الكلفة لا يعني انخفاض الأرباح فقط، بل قد يهدد قدرتها على الاستمرار والتوسع.
وفي انتظار أن تجد الجهات المختصة حلا لهذه المشكلة، تلازم تجّاك المزرعة بعد أن عجز مشروعها عن الصمود، وبينما تحاول وعد توقع “الضربة” القادمة لاستباق الخسائر، تكافح مرام لتوفير البدائل رغم كلفتها، أما سالمة فإنها تتشبث بالعزيمة كي تحافظ على حافز المواصلة.
وبين وظيفة لا يصل مُرتبها، ومشروع صغير تحاول أن تحميه، وأسرة تنتظر منها الكثير، تواصل عائشة العمل بما تملك، وكأن كل غرزة في مشغلها هي محاولة لرتقِ حياةٍ كاملة يفتقها انقطاع الكهرباء، علّها تثبت ولو قليلًا في مكانٍ هشٍّ تصارع فيه النساء من أجل البقاء على قيد العيش.



















