انتخابات 2026: إعادة رسم الخريطة السياسية  وسباق مفتوح لتشكيل الحكومة

بعد إعلان النتائج المؤقتة للانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، برزت تحولات لافتة في الخريطة السياسية، في مقدمتها تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج، مقابل التراجع الكبير لحزب التجمع الوطني للأحرار مقارنة بموقعه في المرحلة السابقة، فيما سجل حزب العدالة والتنمية عودة قوية إلى مجلس النواب.

وأعادت هذه النتائج ترتيب موازين القوى داخل مجلس النواب، وفتحت الباب أمام إعادة ترتيب التحالفات، كما تطرح تساؤلات حول ملامح الأغلبية الحكومية المقبلة والسيناريوهات المحتملة لتشكيلها.

ومع إعلان النتائج المؤقتة للانتخابات التشريعية، اتجهت الأنظار إلى شكل الأغلبية الحكومية المقبلة، والأحزاب التي ستدخل في مفاوضات تشكيلها، في ظل خريطة برلمانية جديدة تفرض أكثر من سيناريو للتحالف. وبينما تبدو الحسابات العددية حاضرة في تحديد موازين القوى داخل مجلس النواب، يرى خالد يايموت أن تشكيل الحكومة المقبلة لن تحسمه الأرقام وحدها، بل ستتداخل فيه أيضا طبيعة المرحلة السياسية والاستحقاقات الداخلية والخارجية التي تنتظر المغرب.

تشكيل الأغلبية

في تصريح لمنصة “هنَّ”، أكد خالد يايموت، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أن الحديث عن سيناريوهات محددة لتشكيل الحكومة المقبلة يظل سابقا لأوانه، رغم وضوح بعض ملامح الخريطة السياسية التي أفرزتها الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026.

وقال يايموت إن “المعطى الأول الذي يمكن تسجيله في المرحلة الحالية يتمثل في أن حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال سيكونان، وفق قراءته، حاضرين في أي صيغة حكومية مقبلة، فيما يبقى السؤال الأساسي مرتبطا بالأحزاب التي ستلتحق بهما وطبيعة التحالف الذي سيتم تشكيله”.

وتأتي هذه القراءة في سياق تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج المؤقتة بـ97 مقعدا، يليه حزب التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا، فيما حصل حزب العدالة والتنمية على 54 مقعدا.

ويحتاج أي تحالف حكومي إلى 198 مقعدا على الأقل لضمان الأغلبية في مجلس النواب.

وأشار الأستاذ الجامعي إلى “احتمال تشكل أغلبية جديدة تضم عددا من الأحزاب”، متسائلا في المقابل عما إذا كان المغرب سيعود إلى صيغة الأغلبية الحكومية السابقة، ومعتبرا أن المعطيات الحالية لا تسمح بالجزم بالعودة إلى الصيغة القديمة.

وفي هذا السياق، طرح يايموت أيضا “احتمال وجود حزب التجمع الوطني للأحرار في المعارضة”، معتبرا أن ذلك سيكون، في حال تحقق، تحولا لافتا بالنسبة إلى الحزب الذي ظل حاضرا في المشهد الحكومي خلال السنوات الأخيرة، باستثناء فترات محدودة من التجارب الحكومية السابقة.

كما أشار إلى سيناريو آخر يمكن أن يجمع، ضمن أغلبية حكومية محتملة، حزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال، والحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مؤكدا أن هذا يبقى أحد الاحتمالات المطروحة في ضوء الخريطة التي أفرزتها الانتخابات.

الحسابات العددية

غير أن يايموت شدد على أن قراءة مستقبل الحكومة المقبلة من زاوية الحسابات العددية فقط قد تكون غير كافية، موضحا أن تشكيل الأغلبية الحكومية في المغرب لا يرتبط حصرا بعدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، وإنما يرتبط أيضا بتصورات الدولة للمرحلة السياسية المقبلة وكيفية تدبير الشأن العام.

وأضاف أن كل ائتلاف حكومي يرتبط باستحقاقات سياسية كبرى يعيشها المغرب داخليا وخارجيا، مبرزا في هذا الصدد قضية الصحراء باعتبارها من الملفات الأساسية التي ستفرض نفسها على عمل الحكومة المقبلة، إلى جانب مجموعة من الاستحقاقات الدولية التي انخرط فيها المغرب خلال السنوات الأخيرة.

السياقات الدولية

وبحسب الأستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، فإن “التحولات التي يعرفها النظام الدولي، والعلاقات التي طورها المغرب مع عدد من القوى الدولية، تجعل تشكيل الحكومة المقبلة مرتبطا أيضا بالسياق الخارجي وبالأولوياتِ الاستراتيجية للبلاد”.

وأضاف أن الحكومة المقبلة لن تكون، في نظره، رهينة بالحسابات الرقمية للمقاعد البرلمانية وحدها، بل ستكون كذلك مرتبطة بالسياسة العامة للدولة خلال المرحلة المقبلة، سواء فيما يتعلق بتدبير الشأن الداخلي أو بالعلاقات الدولية والخارجية.

وتأتي تصريحات يايموت في وقت بدأت فيه المشاورات السياسية لتشكيل الأغلبية الحكومية، بعد إعلان النتائج المؤقتة للانتخابات التشريعية، التي أظهرت إعادة ترتيب واضحة لمواقع الأحزاب داخل مجلس النواب.

التحاق لقجع بالبام 

من جانبه، قال مصطفى يحياوي، أستاذ الجغرافيا السياسية وتقييم السياسات العمومية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، لمنصة “هنَّ”: “ما أكدته نتائج الاقتراع كون التحاق لقجع بالبام مثل ورقة سياسية أساسية في استراتيجية الحزب خلال استحقاقات 23 شتنبر المقبل”.

وأضاف أن طريقة تقديمه في مختلف اللقاءات الميدانية بدت، وفق قراءته، مرتبطة بالاستفادة من الانطباع العام الذي تولد حول شخصيته خلال السنوات الخمس الأخيرة، سواء فيما يخص تأهيل الفرق الوطنية لكرة القدم واستضافة المغرب لمونديال 2030، أم فيما يتعلق بما يملكه من قدرات خطابية “حماسية” وموقعه الحكومي في قطاع الميزانية العامة.

واعتبر يحياوي أن هذه العوامل جعلت من وجوده دعامة انتخابية أقل انشغالا بالسياسة بمعناها الحزبي والإيديولوجي، وأكثر اهتماما بجاذبية شخصية “صاحب الإنجازات المستلهمة لمشاعر الفخر الوطني”، باعتبارها مسوغا عقلانيا يدفع بسلاسة وبلين (Nudge) إلى القبول اجتماعيا بسردية الحاجة إلى تغيير بروفايل القائد لحزب يعاني، منذ 2009، من غياب شخصية الزعيم “المقبول” لدى الرأي العام.

وقال إن الاستراتيجية التواصلية للحزب نجحت في استثمار ذلك انطلاقا من ثلاثة محددات كافية، في تقديره، لإحداث تأثير سلوكي لدى الناخب الأكثر قابلية للاستمالة.

وفي حديثه عن الفارق بين سياق 2016 و2026، أبرز أن “تعويل البام على الصدارة هذه المرة كان على حساب حزب التجمع الوطني للأحرار، وليس على حساب العدالة والتنمية، أي بدون كلفة إيديولوجية قد تعرض الحزب إلى مخاطر عدم المقبولية الاجتماعية لاستراتيجية التقاطبية السياسية القائمة على الحداثيين والإسلاميين”، خصوصا بعدما تأكد استقطاب مرشحين كان يعول عليهم حزب الأحرار في 23 شتنبر 2026.

وأوضح أن حزب التجمع الوطني للأحرار، خلال تشريعيات 2021، اعتمد على 39 مرشحا التحقوا به من أحزاب أخرى، وقد فاز منهم 36 نائبا، من ضمنهم 17 عضوا سبق له أن انتخب باسم البام في 2011 أو في 2016.

عودة الطبقة المتوسطة في المدن الكبرى

كما سجل يحياوي “عودة الطبقة المتوسطة في المدن الكبرى والمتوسطة إلى صناديق الاقتراع عبر إعمال التصويت المفيد والعقابي لفائدة حزب العدالة والتنمية”.

وقال إن “التسييس من جديد للأوساط المدينية ذات الكثافة السكانية العالية والمتوسطة في الدوائر ذات المقاعد 3 و4 و5 و6 ساعد حزب العدالة والتنمية على استرجاع جزء من قوته الانتخابية”، علما بأن هذه الدوائر تمثل 86 بالمائة من مجموع المقاعد المحلية البالغ عددها 305.

ولعل تركيز بنكيران خلال الأسابيع الأربع السابقة ليوم الاقتراع على اللقاءات الجماهيرية في الدوائر ذات ثلاثة مقاعد أو أربعة، يفسر، بحسب يحياوي، ارتفاع حصيلة مقاعد الحزب إلى أكثر من أربعة أضعاف حصيلته في 2021، وهو ما مكنه، بالتالي، من تجاوز الاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية ومنافستهما على أصوات الناخبين الأكثر ميلا إلى إعمال التصويت العقابي في تلك الدوائر.

وأضاف أن قرار حركة التوحيد والإصلاح خلال اجتماع مكتبها التنفيذي الأخير، في 5 شتنبر 2026، كان “لا محالة” داعما لطموح الحزب في تصحيح كبوته الانتخابية في 2021، رغم أن مراجعة القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين لم تسعفه، وفق قراءته، في تحقيق حصيلته الانتخابية خلال استحقاقات 2011 و2016.

تراجع التجمع الوطني للأحرار

وزاد يحياوي، في حديثه عن تراجع حزب التجمع الوطني للأحرار: “الخاسر الأكبر من اقتراع 23 شتنبر كان هو حزب الأحرار الذي لحقه ضرر بليغ، إذ فقد 36 مقعدا من حصيلته في انتخابات 2021، أي ما يقارب 35 بالمائة، بالرغم من أنه كان، بالمقارنة مع أحزاب الأغلبية، الأكثر تهيؤا والأكثر حضورا على مستوى الأنشطة الحزبية ترابيا خلال الولاية الانتدابية الأخيرة”.

وأضاف أن مرد ذلك، في اعتقاده، هو “اعتماده المفرط على بروفايلات غير مسيسة تم استقطاب جلها لغاية انتخابية محضة”، موضحا أن “ما يناهز 56 بالمائة من منتخبي الحزب، بما فيهم المستشارون الجماعيون، لا تتعدى مدة التحاقهم بالحزب أكثر من سنتين قبل انتخابات 2021، كما أن غالبيتهم قدموا من أحزاب أخرى، بما فيها البام، وقد عاد جزء كبير منها إلى أحزابهم الأصلية في 2026”.

وأضاف أن بعض هؤلاء ممن يتقلدون مسؤوليات انتخابية جماعية فضلوا عدم الإفصاح عن ذلك صراحة، فيما اشتغل بعضهم أثناء الحملة الانتخابية ضد الحزب، خاصة لفائدة البام.

مشاركة ضعيفة

وعن المشاركة، قال المحلل السياسي: “أفرزت انتخابات 2026 ثاني أضعف نسبة مشاركة، 38.08 بالمائة، مسجلة في تاريخ المسار الانتخابي بالمغرب بعد نسبة انتخابات 2007، البالغة 37 بالمائة، باعتماد مرجع قاعدة لوائح المسجلين”.

وأضاف موضحا: “هذه الحصيلة ضعيفة على مستوى المردودية المجتمعية للتأطير السياسي للأحزاب، وقد تساعد على التدبير المرحلي المؤقت المشروط بالحفاظ على مكسب انتظام الأجندة الانتخابية، لكنها تبقى محدودة الأفق السياسي، وذات مخاطر عالية على المدى المتوسط والبعيد فيما يخص الحاجة المستعجلة لتأهيل المشهد الحزبي وإرجاع الثقة في جدوى أدواره على مستوى الوساطة السياسية، كما أثبت ذلك مختلف الأبحاث الميدانية المنجزة حول منظومة القيم والتحولات المجتمعية خلال العشرين سنة الأخيرة”.

الأصالة والمعاصرة يتصدر 

وكان عبد الوافي لفتيت قد أعلن النتائج الرسمية للمقاعد المحصل عليها برسم الدوائر الانتخابية المحلية والجهوية، والتي أظهرت تصدر حزب الأصالة والمعاصرة قائمة الأحزاب من حيث عدد المقاعد المحصل عليها، بـ97 مقعدا.

وحل حزب التجمع الوطني للأحرار في المرتبة الثانية بـ66 مقعدا، متبوعا بحزب الاستقلال الذي حصل على 65 مقعدا، فيما جاء حزب العدالة والتنمية في المرتبة الرابعة بـ54 مقعدا.

وبحسب النتائج المؤقتة، حصل حزب الحركة الشعبية على 29 مقعدا، بينما نال حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية 26 مقعدا، وحصل حزب التقدم والاشتراكية على 19 مقعدا.

كما أظهرت النتائج حصول حزب الاتحاد الدستوري على 17 مقعدا، في حين حصد كل من الحركة الديمقراطية الاجتماعية وتحالف اليسار 8 مقاعد لكل منهما.

وفي باقي النتائج، حصل حزب جبهة القوى الديمقراطية على مقعدين، وحزب الإنصاف على مقعدين، فيما حصل حزب الديمقراطيين الجدد على مقعد واحد، وحزب الوحدة والديمقراطية على مقعد واحد.

اقرأ أيضا

  •  البرلمانيات في المغرب.. نصف المجتمع وربع القرار 

    تحت قبة البرلمان المغربي، تواصل الوجوه النسائية رسم مسار حضورٍ لم يكن ممكنًا لولا نظام "الكوطا" الذي اعتمد قبل أكثر من عقدين، بهدف فتح أبواب السياسة أمام المرأة في مجتمعٍ ظلت ساحاته محجوزة لعقود للفاعلين الذكور منذ الاستقلال.  ورغم أن الأرقام الرسمية تُظهر ارتفاعًا تدريجيًا في المقاعد المخصّصة للنساء، يبقى السؤال المطروح، معلقًا وملحًا: هل…

    وجدان القرشي|

  •    الاحتجاجُ بصيغة المؤنث1

    الجزء الأول:  ولد الحراك النسوي في تونس كحركة نضالية حقوقية لم تنفصل يوما عن المعارك الوطنية والدولة المدنية، فمنذ عهد بورقيبة بدأت تتشكّل ملامح وعي نسوي خاصّة بعد صدور مجلة الأحوال الشخصية، حيث بدأ هذا الوعي يتشكّل تدريجيا داخل قاعات الجامعة، في النقابات، والنوادي الثقافية وعلى رأسها نادي الطاهر الحداد الذي مثّل النواة الأولى لولادة…

    أميمة عدواني|

  • ذاكرة تُطهى على نار المنفى.. الهوية والطعام مقاومة صامتة للغياب

    ليس كل من غادر بلده قد رحل فعلًا، فهناك من يُنفى بجسده، بينما يبقى وجدانه معلقًا في هناك زوايا الوطن. وهنا، في مدينة مثل نيويورك، كثيرًا ما تختبئ “أوطان مصغّرة” داخل المطابخ، فوق أطباق مغاربية تفوح منها رائحة الهيل والكمون، فتخفف شيئًا من ثقل الغربة، أو التغريبة بتعبير أدق؛ فالمنفى غربة قسرية. المنفى لا يعني…

    عفاف برناني|

  • ذكرى ثورة الياسمين.. 14 سنة بين الأمل والإحباط 

    تحل الذكرى الرابعة عشرة للثورة التونسية، "ثورة الياسمين"؛ لتعيد إلى الأذهان مشاهد الغضب والأمل التي ملأت الشوارع والميادين. وكأن هذه الذكرى تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، لتجدد العهد بين التونسيين والتونسيات مع ساحات الاحتجاج والمطالبة بالحقوق.  ومنذ أشهر، تعيش تونس  موجة من الاحتجاجات والتحركات الاجتماعية التي تمتد منذ بداية العام الجديد.  وفي هذا السياق، تنظم…

    ريم بلقاسم|