الهشاشة الاقتصادية، واقع أصبح اليوم يُفهم باعتباره مرادفًا مباشرًا للفقر فقط، بل وكمسارٍ تدريجي من عدم الاستقرار، والذي قد يدفع الأفراد نحو التهميش الاقتصادي والاجتماعي، وهنا تقول الباحثة خديجة بوسعيد أن “الهشاشة تمثل وضعية غير مستقرة تجعل الأفراد أكثر عرضة لخطر السقوط في الفقر، بينما يُعد الفقر حالة قائمة بحد ذاتها”.
وتكتسي هذه القراءة أهمية خاصة عند الحديث عن واقع النساء في سوق العمل، حيث لا يكفي ارتفاع عدد العاملات لاعتبار أن التمكين الاقتصادي قد تحقق فعليًا، في ظل استمرار العمل الهش، وضعف الحماية الاجتماعية، واتساع الاقتصاد غير الرسمي.
وفي الجزائر، يشهد حضور النساء في سوق العمل ارتفاعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، إذ تشير معطيات الديوان الوطني للإحصائيات لسنة 2025 إلى اقتراب عدد العاملات من ثلاثة ملايين امرأة، في مؤشر يعكس تحوّلًا تدريجيًا في موقع المرأة داخل الاقتصاد الوطني واتساع مشاركتها المهنية.
غير أن هذه المؤشرات الكمية لا تعكس بالضرورة تحسنًا مماثلًا في جودة الإدماج الاقتصادي أو مستوى الاستقرار المهني، إذ لا تزال نسبة مشاركة النساء في سوق العمل في حدود 22.9% من إجمالي قوة العمل المقدّرة بحوالي 12 مليون شخص، مع تمركز واضح للنساء داخل قطاعات التربية والتعليم والصحة والإدارة، مقابل حضور محدود في قطاعات أكثر تنوعًا واستقرارًا من حيث الدخل وفرص التطور المهني.
هذا التناقض بين ارتفاع عدد النساء العاملات واستمرار هشاشة شروط إدماجهن يعكس في النهاية فجوة بنيوية أعمق، لا تتعلق فقط بولوج سوق العمل، بل بطبيعة هذا الولوج وحدوده، وبمدى قدرة الاقتصاد على استيعاب النساء في وظائف مستدامة تضمن لهن الاستقرار المهني والاجتماعي معًا.
عمل مستمر وهشاشة مشتركة
تعكس شهادات من الواقع عددًا كبيرًا من النساء اللواتي وجدن أنفسهن بين ضغط العمل الهش، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتحمل مسؤوليات أسرية متزايدة، في ظل غياب حماية اجتماعية كافية تضمن لهن الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة الاقتصادية. فرغم اختلاف المسارات، تكشف تجارب نساء في الجزائر عن واقع مشترك يقوم على العمل دون ضمانات كافية.
وتكشف شهادة شيماء، البالغة من العمر 29 سنة، جانبًا من الهشاشة الاقتصادية التي تواجهها كثير من النساء العاملات، خاصة داخل القطاع الخاص، حيث لا يعني العمل دائمًا الاستقلال المادي أو الأمان الاجتماعي، بل قد يتحول إلى وسيلة لتحمل أعباء إضافية تثقل النساء نفسيًا وماديًا.
شيماء، المتخرجة من قسم البيو كيمياء، لم تتمكن من إيجاد وظيفة في تخصصها، ما دفعها منذ سبع سنوات إلى العمل كبائعة في صيدلية. ورغم سنوات العمل الطويلة، تقول إن شعورها بالاستقلال المادي تراجع تدريجيًا بعد الزواج، خاصة مع تدهور الوضع الاقتصادي للأسرة وضعف دخل زوجها.
تقول شيماء بحسرة: “منذ أن تزوجت، هذه هي المرة الأولى التي أستطيع فيها شراء لوازم العيد”.
وتوضح لمنصة “هنَّ”، أن العمل الذي كانت تعتبره في البداية مساحة للحرية الشخصية، تحول مع الوقت إلى ضرورة اقتصادية تفرض عليها تحمل الجزء الأكبر من مصاريف الحياة اليومية، من فواتير الماء والكهرباء إلى المؤونة والكراء، بل وحتى تسديد ديون زوجها في بعض الأحيان.
وتضيف: “في أول سنتين من عملي، قبل الزواج، كنت أشعر أن لدي حرية في التصرف في أموالي، لكن بعد الزواج وجدت نفسي أتحمل مسؤوليات أكبر مني”.
ولا تتوقف معاناة شيماء عند الضغوط المعيشية فقط، بل تمتد أيضًا إلى ظروف العمل داخل القطاع الخاص، حيث تؤكد أنها اشتغلت لأكثر من سنة دون تأمين اجتماعي، وبراتب متوسط لا يتناسب مع ساعات العمل الطويلة التي تقضيها يوميًا.
ورغم تسجيلها لاحقًا في صندوق الضمان الاجتماعي، إلا أنها ترى أن الامتيازات التي تستفيد منها تبقى محدودة مقارنة بالعاملات في القطاع العام، خاصة فيما يتعلق بالعطل والراحة.
“أعمل طوال أيام الأسبوع تقريبًا، ولا أملك سوى شهر عطلة في السنة يتم تقسيمه إلى فترتين متباعدتين”، تقول شيماء.
وتكشف تصريحات شيماء، أن حضور النساء في سوق العمل لا يعني بالضرورة تحقق الاستقرار الاقتصادي، بل يطرح سؤالًا أعمق حول جودة هذا الإدماج.
“أرغب في شراء أشياء خاصة بي”
“صحيح أنني لا أعيش مشاكل كبيرة مع زوجي، وأعرف أنه لا يبخل علينا، فهو بدوره يتحمل الكثير من المصاريف والمسؤوليات، لكن أحيانًا أرغب في شراء أشياء خاصة بي، أو إجراء فحص عند طبيب خاص، فأجد نفسي عاجزة عن ذلك”، بهذه الكلمات تختصر نعيمة، البالغة من العمر 56 سنة، جانبًا من الهشاشة الاقتصادية التي تعيشها كثير من النساء العاملات خارج الأطر الرسمية.
نعيمة أم لخمسة أطفال، وتعمل منذ سنوات طويلة في الخياطة داخل منزلها، دون عقد عمل أو تأمين صحي أو أي ضمان اجتماعي يحفظ لها حقها في التقاعد أو الاستقرار المهني.
ورغم أن عملها يمثل مصدر دخل أساسي يساعد الأسرة على مواجهة أعباء الحياة اليومية، إلا أنه يبقى عملًا غير مستقر مرتبطًا بقدرة نساء الحي على طلب خدمات الخياطة.
وتقول في حديثها لـ”هنَّ”، إنها اعتادت خياطة الأقمصة والتنورات للنساء، وساهمت لسنوات في مساعدة زوجها على تغطية مصاريف البيت والأطفال، لكن تراجع الطلب يعني غالبًا غياب أي مدخول مادي.
وتضيف: “عندما يقل العمل أجد نفسي دون أي دخل، رغم أنني قضيت سنوات طويلة أعمل وأساعد في مصاريف الأسرة”.
وبسبب غياب شهادة أو وثائق تثبت خبرتها، بقيت نعيمة حبيسة العمل غير الرسمي، وهو واقع تعيشه كثير من النساء اللواتي راكمن سنوات من الخبرة دون أن يحصلن على حماية قانونية أو اعتراف مهني حقيقي.
“المسؤوليات تصبح مضاعفة”
من جهتها تعتبر سمراء: “الناس يعتقدون أن العمل في القطاع العام يعني الاستقرار والراحة، لكن الحقيقة أن المسؤوليات تصبح مضاعفة عندما تكون المرأة موظفة وأمًا في الوقت نفسه”، توضح نعيمة.
وتسرد سمراء، البالغة من العمر 38 سنة، تفاصيل حياتها اليومية لمنصة “هنَّ”، كامرأة عاملة في قطاع الصحة وأم لثلاثة أطفال، موضحةً أنها تعمل منذ أكثر من عشر سنوات كإدارية في مؤسسة صحية عمومية، وتؤكد أن الوظيفة وفرت لها نوعًا من الاستقرار مقارنة بالقطاع الخاص، لكنها في المقابل فرضت عليها ضغوطًا كبيرة بين العمل ومتطلبات الأسرة.
تقول سمراء إن راتبها أصبح عنصرًا أساسيًا في توازن الأسرة، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة والدراسة ومصاريف الأطفال، “في السابق كان راتب المرأة يعتبر دخلًا إضافيًا، أما اليوم فأصبح ضرورة حقيقية؛ هناك مصاريف لا يمكن تغطيتها دون أن أعمل”.
ورغم استفادتها من التأمين الاجتماعي والعطل القانونية، إلا أنها ترى أن المرأة العاملة في القطاع العام ما تزال تتحمل العبء الأكبر داخل البيت أيضًا، حيث تبدأ مسؤولياتها الثانية فور انتهاء ساعات العمل.
وتوضح طريقة توزيع الدخل داخل الأسرة: “راتب زوجي يذهب لأشياء واضحة مثل الآلات الكهرومنزلية، والأثاث، وتسديد قروض المنزل الذي سجله باسمه، بينما راتبي غالبًا ما يتم صرفه على الأكل والشرب واللباس وفواتير الكهرباء والغاز”.
“في النهاية أشعر أن راتبي يختفي في المصاريف اليومية، بينما يبقى دخله مرتبطًا بالأشياء الكبيرة أو طويلة المدى. وأحيانًا أشعر أنني أعيش تحت ضغط مستمر، لأن المرأة مطالبة دائمًا بأن تنجح في كل الأدوار في الوقت نفسه، دون أن يُسمح لها بالتعب”، تضيف.
هذا، وتعكس تجربة سمراء جانبًا مختلفًا من واقع النساء العاملات، حيث لا تلغي الوظيفة الرسمية أو الاستقرار المهني حجم الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تتحملها النساء يوميًا، خاصة في القطاعات الحيوية مثل الصحة، التي تتطلب ساعات عمل طويلة وجهدًا نفسيًا متواصلًا.
حضور متزايد وغير متكافئ
تؤكد الدكتورة عائشة سرير على أن ارتفاع عدد النساء العاملات من حوالي مليون و97 ألف إلى ما يقارب ثلاثة ملايين امرأة لا يعني بالضرورة تحسنًا جذريًا في موقع المرأة داخل سوق العمل، بقدر ما يعكس توسعًا كميًا في المشاركة لا يوازيه دائمًا تحسن في شروط الإدماج أو نوعيته.
وتوضح أن هذا التطور لا يعني أن النساء استحوذن على سوق العمل، فمعدل المشاركة لا يزال في حدود 22.9 بالمائة، مع تمركز واضح في قطاعات محددة مثل التربية والتعليم والصحة والإدارة، وهي قطاعات غالبًا ما تُصنف ضمن الوظائف الأكثر استقرارًا من حيث الدخل والحماية الاجتماعية، لكنها في الوقت نفسه تعكس محدودية الولوج إلى مجالات اقتصادية أوسع وأكثر تنافسية.
كما تشير إلى استمرار التفاوت بين القطاعين العام والخاص، حيث تتراوح نسبة النساء في القطاع العام بين 57.4 بالمائة و61.1 بالمائة، مقابل 38.9 بالمائة إلى 42.6 بالمائة في القطاع الخاص (إحصائيات 2025)، ما يعكس توجهًا واضحًا نحو القطاع العام باعتباره فضاءً أكثر أمانًا واستقرارًا، سواء من حيث العقود أو الضمان الاجتماعي أو ظروف العمل، في مقابل قطاع خاص ما يزال يُنظر إليه كأكثر هشاشة وتقلبًا.
وفي هذا السياق، ترى أن هذا التوزيع لا يمكن قراءته فقط كنجاح في إدماج النساء داخل سوق العمل، بل أيضًا كمؤشر على استمرار الفوارق البنيوية التي توجه اختيارات النساء المهنية نحو “الأكثر أمانًا بدل الأكثر تنوعًا”، وهو ما يعكس تأثير عوامل اجتماعية واقتصادية تتجاوز الفرد إلى بنية سوق العمل نفسها.
وبصفتها أيضًا رئيسة جمعية “حُورية للمرأة الجزائرية”، تقول لمنصة “هنَّ”، أن “عمل الجمعية يركز على دعم التمكين الاقتصادي للنساء والفتيات من خلال برامج تكوين في مجال المقاولاتية، إلى جانب تعزيز الوعي بالقوانين المرتبطة بالعمل وحقوق المرأة، وتزويد المستفيدات بالمعارف الأساسية التي تساعدهن على بناء مشاريعهن الخاصة أو تحسين فرص اندماجهن في سوق العمل بشكل أكثر استدامة”.
وترى أن “هذه المؤشرات تستدعي إعادة التفكير في مفهوم التمكين الاقتصادي للنساء، بحيث لا يُختزل في ارتفاع الأرقام أو نسب المشاركة، بل يُقاس أيضًا بمدى جودة العمل، واستقراره، وقدرته على ضمان الاستقلال الاقتصادي الحقيقي، بعيدًا عن هشاشة العقود، أو محدودية الترقيات، أو ضعف الحماية الاجتماعية”.
وكشفت المحامية والمناضلة النسوية، نادية أيت زاي، عن أرقام جديدة حول “الهشاشة الاقتصادية” التي تواجه النساء في الجزائر، واضعةً واقع التمكين المهني للمرأة أمام تشريح حقوقي وعلمي دقيق. من خلال يوم دراسي تحت عنوان “المشاركة الاقتصادية للنساء والاستفادة من خدمات الدعم”، بجامعة وهران، حيث أكدت رئيسة مركز المعلومات والتوثيق حول حقوق الطفل والمرأة (CIDDEF) أن البطالة مست نحو مليون امرأة جزائرية، في حين لا تتعدى نسبة الإدماج المهني للنساء حاجز 17 بالمائة من إجمالي القوة العاملة في البلاد؛ وهي مفارقة حادة تكشف عن فجوة عميقة وصادمة بين مستويات التأهيل العلمي المرتفعة لدى الفتيات اليوم وفرص استيعابهن في سوق العمل الرسمي.
هذه المعطيات الإحصائية التي طرحتها أيت زاي جاءت بعد مرور شهر من الحملة التحسيسية «عملها قرارها»، التي أُطلقت في الفترة الممتدة من 1 إلى 7 ماي الماضي بمناسبة اليوم العالمي للشغل، لتسليط الضوء على أن معالم هذه الهشاشة لا تتوقف عند عتبة غياب الفرص الوظيفية فحسب، بل تمتد لتلقي بظلالها على طبيعة النشاط الاقتصادي المتاح؛ إذ تشير البيانات إلى اضطرار نسبة كبيرة من النساء للنشاط في فضاءات العمل غير الرسمي (الموازي).
ويشكل هذا القطاع بيئة طاردة وغير آمنة تفتقر لأدنى الضمانات القانونية والاجتماعية، حيث تُحرم العاملات في العمل غير الرسمي من التغطية الصحية، وعقود العمل المستدامة، وضمانات التقاعد، مما يجعلهن في مواجهة دائمة مع التبعية وعدم الاستقرار المعيشي، وهو إقصاء يتعمق صعوداً في الهرم الإداري حيث يسجل حضور المرأة غياباً شبه تام عن مراكز صنع القرار بنسبة تمثيل ضئيلة لا تتعدى 10 بالمائة في المناصب القيادية والتنفيذية العليا.
الهشاشة الاقتصادية: أكثر من مجرد دخل
في المقاربة السوسيولوجية، لا تُختزل الهشاشة الاقتصادية في ضعف الأجور فقط، بل تمتد لتشمل مجموعة من الأبعاد المركبة، من بينها غياب الاستقرار المهني، وضعف الحماية الاجتماعية، واتساع رقعة العمل غير المهيكل الذي يفتقر إلى العقود والضمانات القانونية، ما يجعل مسارات العمل لدى فئات واسعة، خصوصًا النساء، أكثر عرضة للتقلب وعدم اليقين.
وفي هذا السياق، يوضح البروفيسور في علم النفس كمال صدقاوي أن “90 بالمائة من النساء ينظرن إلى العمل باعتباره وسيلة للأمان، لكن هذا الأمان لا يتحقق دائمًا داخل سوق عمل لا يوفر استقرارًا فعليًا، ما يجعل التمكين الاقتصادي غير مكتمل ما لم يُرافقه استقرار اجتماعي ومؤسساتي”، وفق ما جاء في دراسة استطلاعية قدمها منذ سنوات.
ويضيف أن “الإشكال لا يتعلق فقط بكمية الوظائف المتاحة أو توسعها العددي، بل بطبيعتها ونوعية الشروط التي تُقدَّم فيها، ومدى قدرتها على ضمان الاستمرارية والحماية الاجتماعية والمهنية للعاملات”.
ومن منظور أوسع، يمكن قراءة هذا الطرح باعتباره تقاطعًا بين البعد السوسيولوجي والبعد النفسي لتجربة العمل لدى النساء، حيث يتحول العمل في كثير من الحالات من مصدر للتمكين إلى مصدر دائم للضغط المرتبط بعدم الاستقرار. فغياب الضمانات الواضحة، وتذبذب الدخل، وخطر فقدان الوظيفة، كلها عوامل تُنتج شعورًا مستمرًا بعدم اليقين، حتى داخل الوظائف الرسمية.
كما أن هذا النوع من الهشاشة لا يؤثر فقط على الوضع المهني، بل ينعكس أيضًا على التوازن النفسي والاجتماعي للنساء العاملات، خاصة مع تداخل مسؤوليات العمل مع الأدوار الأسرية، ما يجعل تجربة “الأمان الاقتصادي”، تجربة غير مكتملة أو مشروطة بعوامل خارج الإرادة الفردية.
وبهذا المعنى، تصبح الهشاشة الاقتصادية بنية متعددة الأبعاد، تتجاوز الدخل المباشر لتشمل طبيعة سوق العمل، ومستوى الحماية المؤسسية، وإحساس الأفراد بالاستقرار داخل مسارهم المهني.
الهشاشة الاقتصادية للنساء: من منظور دولي
تشير المقاربات الدولية إلى أن هشاشة النساء ليست حالة محلية أو مرتبطة بسياقات محددة فقط، بل هي نمط متكرر على المستوى العالمي، يتخذ أشكالًا مختلفة بحسب البنية الاقتصادية والاجتماعية لكل بلد.
وفي هذا الإطار، تُظهر بيانات حديثة صادرة عن منظمة العمل الدولية (2023–2025) أن النساء ما زلن أكثر عرضة من الرجال للعمل غير الرسمي والهش، حتى في البلدان التي تسجل ارتفاعًا في نسب التعليم ومعدلات المشاركة الاقتصادية. وتوضح المنظمة أن الاندماج في سوق العمل لا يعني بالضرورة تحسين شروطه، إذ تستمر فجوة واضحة بين “الدخول إلى سوق العمل” و”الاستفادة من شروطه”، من حيث الاستقرار والحماية الاجتماعية والدخل.
وفي السياق الجزائري، تشير تقديرات البنك الدولي (2024) إلى أن معدل مشاركة النساء في سوق العمل لا يتجاوز حوالي 14 بالمائة إلى 22 بالمائة، وهو من أدنى المعدلات في المنطقة، رغم ارتفاع مستويات التعليم الجامعي لدى النساء. ويعكس ذلك فجوة واضحة بين التكوين الأكاديمي والاندماج الفعلي في الاقتصاد.
كما تُظهر معطيات وطنية صادرة عن الديوان الوطني للإحصائيات (2024–2025) أن النساء يتركزن بشكل كبير في الوظيفة العمومية، خصوصًا في قطاعات التعليم والصحة والإدارة، حيث يتجاوز حضورهن في بعض هذه القطاعات 50 بالمائة إلى 60 بالمائة، مقابل حضور أقل بكثير في القطاع الخاص.
وتشير التقديرات نفسها إلى استمرار توسع الاقتصاد غير الرسمي، الذي يمثل بين 40 بالمائة و50 بالمائة من النشاط الاقتصادي في الجزائر وفق تقديرات دولية حديثة (2019–2023)، وهو مجال تنشط فيه نسبة معتبرة من النساء في أعمال منزلية وحرفية وخدمات غير مهيكلة.
من جهة أخرى، تضيف هيئة الأمم المتحدة للمرأة بعدًا آخر في فهم هذه الهشاشة، من خلال التركيز على ما يُعرف بـ”العمل غير المرئي”، إذ تشير تقديراتها العالمية (2023–2024) إلى أن النساء يتحملن أكثر من 75 بالمائة من العمل المنزلي و الرعائي غير المدفوع، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على فرصهن في الاستقرار المهني والتطور الوظيفي.
وتوضح الهيئة أن هذا العبء المزدوج بين العمل المأجور والعمل المنزلي يخلق ما تصفه بـ”الازدواجية اليومية”، حيث تتحمل النساء مسؤوليات مهنية متزايدة داخل سوق العمل، مقابل أدوار أسرية ثابتة لا يتم تقاسمها بشكل متكافئ داخل أغلب المجتمعات.
وبهذا المعنى، تصبح الهشاشة الاقتصادية للنساء ظاهرة مركبة لا ترتبط فقط بسوق العمل، بل تمتد إلى تنظيم الحياة الأسرية وتقسيم الأدوار الاجتماعية، ما يجعل معالجتها مرتبطة بإعادة التفكير في البنية الكاملة للعلاقة بين الاقتصاد والعمل والرعاية
رغم التقدم المسجل في مشاركة النساء داخل سوق العمل الجزائري، إلا أن هذا التقدم ما يزال محاطًا بقيود بنيوية تحد من تحوله إلى أمان اقتصادي حقيقي.
فبين عمل متزايد وهشاشة مستمرة، تبقى تجربة النساء العاملات في الجزائر معلقة بين الاندماج في سوق الشغل… وغياب الاستقرار الذي يمنح هذا الاندماج معناه الكامل.



















