النساء والسياسة في الجزائر.. مكاسب تتآكل وطُموح يتراجع

تُعدُّ المشاركة السياسية للنساء مؤشرًا أساسيًا على مدى ترسّخ مبدأ المساواة داخل المجتمعات، إذ تعكس قدرتها على إدماج مختلف الفاعلين في عملية صنع القرار. وفي هذا السياق، لم تعد المرأة عنصرًا هامشيًا في الحياة العامة، بل طرفًا فاعلًا في معادلة التنمية السياسية، وإن ظل حضورها متفاوتًا تبعًا لخصوصيات السياقات الوطنية.

في الجزائر، تكتسب هذه المشاركة دلالة خاصة بالنظر إلى الدور الذي اضطلعت به النساء خلال الثورة التحريرية، حيث كنّ شريكاتٍ فعلياتٍ في الكفاح الوطني، ما منحهنّ رصيدًا رمزيًا مهمًا. غير أنّ هذا الرصيد لم يُترجم مباشرة إلى تمثيل سياسي واسع بعد الاستقلال، في ظل تحديات اجتماعية وثقافية وسياسية أعاقت ولوج النساء إلى مراكز القرار.

ورغم تسجيل تطور ملحوظ خلال السنوات الأخيرة بفضل إصلاحات قانونية وآليات تشجيعية، فإن هذا التقدم يظل محل تساؤل من حيث عمقه وفعاليته، خاصة في ظل التراجع المسجّل مؤخرًا. ومن هنا تبرز أهمية مقاربة واقع المشاركة السياسية للنساء في الجزائر، ليس فقط من زاوية الأرقام، بل من حيث الأدوار والتحديات وآفاق التطور. 

سرور أميرة لبيض: مسار فرديّ يعكس واقعًا جماعيًا

لم تدخل سرور أميرة لبيض عالم السياسة لأنّها تملك بطاقة عضوية منذ الصغر، ولا بمعرفة عميقة بتفاصيل الأحزاب أو بخبرة طويلة في التنظيم الحزبي، فتجربتها تعكس واقعًا، تعيشه الكثيرات من النساء في الجزائر، بين الطموح القوي، التحديات الحقيقية، والحاجة إلى استمرار وجود دعم وتنمية للمهارات حتى تتحّول المشاركة السياسية للنساء من وجود شكلي إلى تمكين فعلي.

بدأ تشكّل الوعي السياسي لسرور في سن الثامنة عشر، عندما قرّرت أن تجرّب حضور الاجتماعات والاستماع إلى مناقشات القادة السياسيين، وأن تتعلّم من الواقع وتتشارك الخبرات.  في البداية لم تكن تمتلك حتى بطاقة عضوية في حزب التجمع الوطني الديمقراطي، لكنّها اليوم أصبحت من أبرز رائداته، بصوت واضح ومكانة مرموقة بين مسؤولي ومسؤولات الحزب وأعضائه وعضواته.

في حديثها لمنصة “هنَّ”، تسرد سرور بداياتها بكل وضوح “كُنت أحضر الاجتماعات وأنا لا أمتلك بطاقة انخراط، كنت أتعلّم من العمل الميداني. لم يكُن أحد يعرفني حينها، لكنّني كُنت حريصة على التواجد، على الاستماع، على التعلّم. وبعد سنوات من الجهد والمثابرة أصبحت من النساء القياديات في الحزب”.

وتقول أن التجربة النسائية في الجزائر “تُظهر أن المشاركة السياسية ليست مجرد حق يُمنح، بل مسار يُبنى بالإصرار والمثابرة داخل الهياكل الحزبية والميدانية. فالاستمرارية في الحضور والعمل اليومي تمنح النساء القدرة على اكتساب الخبرة، وتكوين شبكة من العلاقات، وبناء شرعية قائمة على الكفاءة، وليس على الحصص أو التمثيل الرمزي فقط”. 

“وحتى مع اعتماد نظام الكوتا الذي يسهل دخول البرلمان، فإن النساء غالبًا ما يواجهن الصورة النمطية التي تحصرهنّ في أدوار ثانوية، كما تجسدت في بعض التعابير الساخرة مثل “برلمان الحفافات” أو “الحلاقات”، والتي تهدف ضمنيًا إلى تقليل شرعيتهنّ وإضعاف تأثيرهنّ”، تضيف.

وتعتبر أنه في ظل هذه التحديات، “يتحول الإصرار والمثابرة إلى أدوات مقاومة استراتيجية، تسمح للنساء بإعادة التفاوض على مواقعهنّ، وتحويل التحديات إلى فرص لتأكيد الفاعلية والتأثير. فالتمكين السياسي هنا لا يعني مجرد الوجود، بل القدرة على فرض صوت المرأة داخل الحيز السياسي، وتغيير موازين القوة تدريجيًا، وتحويل المشاركة من حضور شكلي إلى قيادة فعلية”. 

وهكذا، حسب المتحدثة، “يصبح المسار النسائي في السياسة الجزائرية نموذجًا حيًا لكيفية الدمج بين الصمود أمام القيود الثقافية والاجتماعية، وبين بناء الخبرة والاعتراف السياسي، بما يعيد تعريف مفاهيم القيادة والتمكين في سياق ما زال يغلب عليه الطابع الذكوري”.

ما الذي تغيّر في التمثيل النسائي؟

قبل أكثر من عقد، ومع اعتماد نظام الكوتا سنة 2012، شهدت الجزائر ارتفاعًا غير مسبوق في نسبة تمثيل النساء في المؤسّسات المنتخبة، خصوصًا في المجلس الشعبي الوطني حيث تجاوزت نسبة النساء 30 بالمائة، أي حوالي 105 نائبات.

لكن الواقع الحالي مختلف، فوفق الاتحاد البرلماني الدولي IPu لسنة 2025، تشغل النساء 32 مقعدًا فقط من أصل 407 في المجلس الشعبي الوطني (أي بنسبة 7.86 بالمائة) بينما لا تتجاوز نسبتهنّ في مجلس الأمّة 2.4 بالمائة، وهي من أدنى النسب التي وصلت لها خلال العقد الأخير.

ويرتبط تراجع حضور النساء في العمل السياسي بجملة من العوامل المتداخلة التي تتجاوز الإطار القانوني إلى البنية الاجتماعية والسياسية ذاتها، حيث يتجلى ثقل الوصم الاجتماعي واستمرار القوالب الجندرية التقليدية في الحدّ من انخراط النساء واستمراريتهنّ، إذ تجد العديد منهن أنفسهن أمام رقابة مجتمعية مضاعفة وتشكيك دائم في الكفاءة والشرعية. ولا يقتصر الأمر على الخوف من أشكال العنف المباشر، بل يمتد إلى العنف الرمزي داخل الفضاء الحزبي والمؤسساتي، من خلال التهميش والإقصاء وضعف إسناد مواقع القرار.

وتؤكد الباحثة في علم الاجتماع الحضري خديجة بوسعيد، في حديث لهذه المنصة، على أن “الفضاء السياسي هو فضاء عمومي على المستوى العالمي، غير أن علاقة النساء بهذا الفضاء تظل إشكالية، حيث تُبذل محاولات مستمرة لإقصائهنّ أو حصرهنّ في فضاءات محدودة، أو توجيههنّ للبيت، أو حتى تقييد حضورهنّ في الفضاء العام المادي”.

كما ترى أن البُنى الأبوية (النظام الأبوي) “تعمل على وضع آليات تهدف إلى إعادة النساء إلى الفضاء المنزلي، وغالبًا ما يترافق ذلك مع أشكال من العنف، قد تكون رمزية أحيانًا أو جسدية في أحيان أخرى. ورغم قلة الدراسات التي تناولت هذا الموضوع، أعتقد أن بلقاسم بن زنين قد تطرّق إلى هذا الدور في بحثه: السياسات العمومية وحقوق المرأة بعد الربيع العربي”.

وحسب تحليليها لمنصة “هنَّ”، فإن “مشاركة المرأة في الحياة السياسية له عدة مستويات، المستوى الأول يتعلق بولوج النساء إلى الفضاء العام والسياسي، أيًّا كان شكله.  فبالنسبة للنظام الأبوي، يمثل نوعًا من “التدخل” أو “الاقتحام” من طرف النساء لشؤون المجال العام، خاصة من حيث إمكانية مشاركتهنّ في عملية صنع القرار، وهو ما يُثير إشكالًا واضحًا في هذا السياق”.

أما فيما يخص تراجع حضورها، فهناك عدة تفسيرات. من بينها، الإشارة إلى إلغاء نظام الحصص (الكوتا) من طرف الرئيس عبد المجيد تبون بعد حراك 2019. فقبل ذلك، وخلال فترة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وتحديدًا بين 2012 و2017، شهدنا نسبة معتبرة من النساء في المجلس الشعبي الوطني (البرلمان).

“شخصيًا، لست دائمًا مع نظام الكوتا، خاصة إذا كان بشكل دائم، لكنني أعتبره أداة مؤقتة أو انتقالية. ومع ذلك، فإن إلغاء هذا النظام أثّر سلبًا على مشاركة النساء في الحياة السياسية… لكن بعد المراجعة الدستورية لسنة 2020، تم إدراج مبدأ المناصفة في القوائم الانتخابية، إلا أن التحديات لا تزال قائمة، خاصة مع الانسحاب الجزئي لنظام الحصص الانتخابية (الكوتا)، والذي أدى إلى تراجع سياسي في مشاركة النساء”، تضيف خديجة.

كما توضح أن هناك عامل آخر يؤثر على حضور النساء في السياسة، وهو “إعادة تقييم القيادة النسائية في الفضاء المغاربي الأبوي. إذ يُنظر إلى النساء على أنهن غير قادرات على أن يكنّ قادة فعّالات”.

“تشير الدراسات إلى أن 67 بالمائة من الرأي العام، بين الرجال والنساء، يرون أن الرجال أكثر قدرة على القيادة من النساء، وتشمل هذه النسبة الجزائر. أما وفق دراسة أخرى حول الشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فقد ارتفعت هذه النسبة إلى 72 بالمائة، معتبرين أن النساء لا يمتلكن القدرات النفسية والعقلية اللازمة للمشاركة في اتخاذ القرارات الوطنية. هذه المعتقدات تشكل ما يُعرف بالصور النمطية المبنية على الجنس (Gender Stereotypes)”، تقول المتحدثة.

وتعتبر خديجة أن هذا التصور “يتمثل في القول بأن النساء لا يصلحن للحكم؛ فهي رؤية تسجن المرأة في أدوار مرتبطة بإدارة المنزل والأسرة، وبالتالي الأمور الكبرى على المستوى الإقليمي أو الوطني لا يُفترض أن تهمهن. لذلك، فإن هذه القضية تتعلق بالنضال ضد الصور النمطية وأدوار الجنس المحددة، من أجل تمكين النساء من الوصول إلى الحياة السياسية والمشاركة في صنع القرار”.

من جهة أخرى، تسترسل المتحدثة: “هناك مشاركة فعلية للنساء في الانتخابات، إلا أن هذه المشاركة غالبًا ما تكون سطحية أو رمزية. ففي كثير من الحالات، يتم وضع النساء على قوائم الأحزاب لإظهار التزام الحزب بمبدأ التساوي أو التوازن بين الجنسين، لكن في الواقع غالبًا ما يُختارن نساء يمكن السيطرة عليهن أو اللواتي يكنّ ملتزمات تمامًا بأجندة الحزب، أو اللواتي سيحققن مكاسب شخصية محدودة”.

“وهذا ينسجم مع النظرية المعروفة في الدراسات السياسية حول ‘استغلال النساء في السياسة’ (political co-optation of women)، حيث تشير إلى أن الأحزاب السياسية في بعض الدول تدرج النساء في قوائمها الانتخابية ليس بهدف تمثيلهن الحقيقي أو دمجهن في برامجها السياسية، بل لأن العملية السياسية نفسها غير شفافة أو غير موثوقة، ويُستغل حضور المرأة لإضفاء صورة إيجابية على الحزب فقط”، حسب قولها.

وخلصت خديجة بوسعيد إلى أن “بعض النساء حول العالم ينسحبن من المجال السياسي طوعًا، ولا يقبلن استخدام صورتهنّ أو مواقعهنّ من قبل النظام الأبوي السائد؛ وبشكل طوعي، يخترن الانخراط في مساحات أخرى سواء كانت إعلامية، نضالية، أو مهنية. هناك العديد من النساء اللواتي يشغلن مناصب مهمة في المجال الاقتصادي، الاجتماعي، لكن ليس بالضرورة في المجال السياسي، ويسعين إلى خلق مساحات تأثير مختلفة وفعالة بعيدًا عن السياسة التقليدية”.

القانون بين التمكين والتراجع 

من جهتها، تُشير الناشطة الحقوقية ورئيسة المؤسسة من أجل المساواة “سيداف” نادية آيت زاي إلى أن “مكتسبات سنة 2012 تمّ فقدانها في 2020، حيث استُبدلت نسبة 30 بالمائة بنسبة 8 بالمائة من النساء المنتخبات، مع اعتماد مبدأ التناصف في قوائم المترشّحات. لكن إذا تحّدثنا عن نسبة 30 بالمائة في قوائم الترشيح، ثم إعفاء الأحزاب التي لا تستطيع إدراج نساء في قوائمها، فإنّ ذلك يُعدّ وكأنّه طريقة للحدّ من مشاركة النساء في السياسة بشكل مختلف، ومنعهن من المشاركة في الانتخابات”.

ويعكس تصريح نادية آيت زاي تخوفًا مشروعًا من احتمال تآكل المكاسب التي تحققت عبر سنوات من النضال؛ في حال الانتقال من آليات قائمة على “حصص مضمونة” إلى “مناصفة شكلية”، لا تُلزم الأحزاب بتأمين تمثيل فعلي للنساء داخل القوائم الانتخابية.

في هذا السياق، حققت المرأة الجزائرية على مدار سنوات من النضال جملة من التقدّمات التي في مجال التمثيل السياسي والمؤسساتي، سواء من حيث العدد أو من حيث الوصول إلى مواقع القرار. فمن بين هذه المكتسبات ارتفاع نسبة النساء في المجلس الشعبي الوطني إلى حوالي 31 بالمائة، وهو مستوى غير مسبوق عربياً، كما توسّع حضورهنّ في المجالس المحلية (البلدية والولائية) بنسب معتبرة مقارنة بما قبل 2012. 

كما شملت هذه المكتسبات أيضاً دخول النساء إلى الجهاز التنفيذي من خلال تولي حقائب وزارية ومناصب حكومية، ما عكس نوعاً من الاعتراف الرسمي بضرورة إشراك المرأة في تسيير الشأن العام. 

غير أن هذه المكاسب بقيت في جزء كبير منها مرتبطة بإجراءات قانونية ظرفية (مثل الكوتا)، وهو ما يفسّر هشاشتها وتراجعها لاحقاً، حيث انخفض تمثيل النساء في البرلمان بشكل حاد بعد تعديل قانون الانتخابات، ليصل إلى نحو 8 بالمائة فقط في برلمان 2021–2025، بعد أن كان يفوق 25 بالمائة و30 بالمائة في دورات سابقة. وعليه، فإن “المكتسبات” هنا لا تعني ترسيخاً نهائياً لمكانة النساء في السياسة، بل تشير إلى تقدم كمي مؤقت لم يتحول بالضرورة إلى تمكين مستدام أو نفوذ فعلي داخل مراكز القرار.

التمثيل العددي لا يكفي

ترى الناشطة النسوية ورئيسة “الجريدة النسوية الجزائرية” آمال حجّاج، أنّ المشكلة أعمق من تقليص النسب، فـ”على الرغم من أنّ الأرقام كانت شكلية في وقت سابق، إلاّ أنّ الثلث أو المناصفة فقط يضمن فرصة حقيقية للنساء. ولا توجد فرصة لإعادة طرح مسألة التمكين الحقيقي بعيدًا عن الأرقام الشكلية”. 

وبالعكس، تؤكد حجّاج، “سجّلت المشاركة السياسية للنساء تراجعا إلى الوراء، وذلك لافتقار وجود ميكانيزمات وآليات. كما تمّ تقليص حضور النساء في التمثيل الانتخابي. لكنّ الخطوة الوحيدة التي كانت قادرة على تحسين الأمور هي العودة إلى الثلث بعقلية الكوتا بميكانيزم تضمن التمثيل والنتيجة. ولما يكون هناك نتيجة جيدة للنساء، سيكون تلقائيًا تدريبًا في الممارسة السياسية”.

وفي الصدد ذاته، تتحدّث النائبة صليحة قاشي إلى منصّة “هنّ”، عن م عنى المشاركة السياسية نفسها، ذلك أنّ “تقليص تمثيل النساء في القوائم الانتخابية سيكون له تأثير في مشاركة الفعل السياسي، لأنّ خوض الحملة الانتخابية بغضّ النظر عن النجاح أو الفشل هو محطّة لممارسة الفعل السياسي، وهي محطّة أيضا للتعريف بالكفاءات السياسية النسوية. ومن جهة أخرى، لا الثلث ولا النصف هو الذي يُساهم في تواجدهنّ في المجالس كما كانت في نظام الكوتا الذي أتحفظ عليه”. 

وحسب رأيها، فإنّ الثلث سيفرز مجالس غالبيتها لا يوجد بها نساء. لكنّ مقترح هو القائمة الوطنية، خاصّة في البرلمان، هو الذي تضمن تواجد النساء؛ “لأنّه غير مقبول أن تكون مجالس من غير نساء وهي تصنع الرجال وهي أكثر من نصف المجتمع، والسبب أنّ الهيئة الناخبة لازالت غالبيتها تعتقد أنّ السياسية حكراً على الرجال”. 

فمع إلغاء نظام “الكوتا” واستبداله بمبدأ المناصفة في القوائم الانتخابية عبر القانون العضوي رقم 21-01 لسنة 2021، دخلت الجزائر مرحلة جديدة من إدارة تمثيل النساء سياسيا، حيث بدى القانون تقدمياً، إذ فرض على الأحزاب تقديم قوائم متوازنة بين الرجال والنساء، لكنه في الواقع لا يضمن النجاح الانتخابي للمرأة كما كان الكوتا يفعل. هذا التغيير كشف هشاشة المكاسب السابقة من خلال ارتفاع عدد النساء حيث لم يتحول إلى نفوذ فعلي، وتراجعت المشاركة الفعلية في البرلمان. 

ولا يقتصر التراجع على الأرقام في المجالس، بل يشمل أيضاً حالات شخصية بارزة تعبّر عن الحدود الحقيقية أمام النساء في السياسة. فمثلاً، تمّ رفض ملف ترشح البرلمانية السابقة زهية بن عروس في انتخابات 2021 من قبل الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات، رغم تاريخها البرلماني والسنوات التي قضتها في العمل العام، وذلك بحجّة قانونية تتعلق بعدد الدورات التي سبق أن شاركت فيها، في مثال يعكس كيف يمكن أن تُستخدم آليات قانونية لإقصاء وجوه نسوية من السباق الانتخابي دون نقاش علني واضح.

كما شهد عام 2024 أيضاً انسحاب لويزة حنون من الترشّح للرئاسة، حيث انتقدت “الظروف غير العادلة” التي أحاطت بجمع التوقيعات وإجراءات الهيئة الوطنية للانتخابات، معبّرة عن إحباطها من “غياب ضمانات التنافس النزيه”، وهو موقف يسلّط الضوء على صعوبة اختراق النساء لموقع القرار الأعلى.

هذه الأمثلة الشخصية تتقاطع مع معطيات أوسع تُظهر أن العقبات أمام النساء لا تقتصر فقط على الخوف من الوصم الاجتماعي أو الضغط الثقافي، بل تمتد إلى آليات مؤسساتية وحزبية يمكن أن تحدّ من مشاركتهن الفعالة حتى عندما تتوفر لهن الشروط الشكلية للترشّح، مما يشير إلى أن التحول القانوني من الكوتا إلى المناصفة وحده لا يكفي لبلوغ تمثيل نوعي ومستدام.

التمكين السياسي للنساء ضرورة حتمية 

تُؤكّد سرور أميرة لبيض، عضوة المجلس الوطني لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، أنّ “إقرار رئيس الجمهورية لمبدأ المناصفة في القوائم الانتخابية يُعدُّ خطوة تشريعية مهمة، ليس فقط لضمان التمثيل العددي، بل للتطبيع مع حضور النساء في الحملات الانتخابية، والندوات، والمؤتمرات، ومقرّات الأحزاب السياسية، إلاّ أنه رغم هذه المكاسب، يبقى التمثيل النسائي في البرلمان ضعيفًا. وهو ما يُظهر أنّ التشريع وحده لا يكفي، بل يتطلّب إرادة فعلية داخل الأحزاب لتطوير برامج التدريب والتمكين”.

وبالعودة إلى تجربتها في حزب التجمع الوطني الديمقراطي، تُؤكّد أنّ “نظام الكوتا الداخلي يضمن تمثيلاً نسائيّا فعّالاً في الهياكل التنفيذية، مع إسناد مهام قيادية حقيقية للنساء في الإعلام والتنظيم والتسيير، وليس فقط في لجان المرأة أو الأنشطة الشكلية. يُساهم إطلاق مراكز بحث ودراسات وتنظيم ورشات جهوية ووطنية في صقل الأفكار وتعزيز التفكير النقدي لدى النساء، ويمنحهن أدوات صلبة للمشاركة الفاعلة في الحياة السياسية”.

وحول تقليص تمثيل المرأة من 50 بالمائة إلى 30 بالمائة تقول سرور، لمنصة “هنَّ”: “بكل صراحة أن هذا القرار جعلني أعيد النظر في تجربة الجزائر في السنوات الأخيرة. لأننا جرّبنا نظام الكوتا من قبل، ولاحظنا أن هناك حد أدنى مفروض، نسبة النساء في البرلمان ارتفعت بشكل واضح سنة 2012 بعد ما كانت ضعيفة جدا من قبل”.

“ومع تغيير القوانين تقلصت النسبة شيئا فشيئا، هذا يبيّن أن النصوص القانونية عندها تأثير حقيقي، وليس شكلي بالنسبة للذين يدعون أن نسبة 30 بالمائة كافية لأنها تمثل “الحد الأدنى” لكي يصبح في تأثير ولا تبقى المشاركة رمزية فقط، وفي آخرين يقولون إن 50 بالمائة صعبة التطبيق في بعض القوائم ولا في بعض المناطق”، تضيف سرور.

وترى أن “تطبيق مبدأ المناصفة، هو رجوع لـ30 بالمائة، وهنا يتضح كأنه خطوة للوراء، خاصة وأن الواقع لا يعطي دائماً نفس الفرص للنساء في السياسة، سواء من ناحية الدعم والتمويل والذهنية”.

وتوضح المتحدثة أن “النقاش ليس فقط في الأرقام، رغم أنها لها معنى، لأنها تستطيع أن تفتح أو تغلق الباب أمام فئة معينة لكي تكون ممثلة. والتجربة السياسية في الجزائر أثبتت أنه عندما تكون هناك آليات واضحة، المشاركة ترتفع، ولما تنقص هذه الآليات، الأرقام تنخفض”.

كما أكّدت على أنّ الحزب “يسعى لتجاوز التمثيل النسائي الشكلي، ومنح النساء أدوارًا قيادية حقيقية في التنظيم والتسيير والإعلام. وفي هذا الإطار، فقد أطلق الحزب برنامج Think Tank ومقهى سياسي يهدفان إلى تعزيز التفكير النقدي لدى النساء، وصقل قدراتهن على المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية” 

“كما يفتح الحزب المجال أمام النساء للتمكين والتكوين المستمر، من خلال ورشات جهوية ووطنية وبرامج تدريبية تمكنهن من التأثير على القرارات وصُنع السياسات داخل الهياكل التنفيذية، وليس الاقتصار على الأنشطة الشكلية أو لجان المرأة فقط”، حسب قولها.

ورغم كل هذه التحديات والمواقف، بقى تمكين النساء في السياسة الجزائرية تحديًا مستمرًا يتطلب إرادة سياسية من الأحزاب، من السلطات ومنظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى دعم مؤسساتي مستمر، عبر برامج تدريبية وتأطيرية، تشجيعا للنساء على خوض غمار العمل السياسي بكلّ كفاءة وجدارة. 

اقرأ أيضا

  • الافلات من العقاب يشجع على اغتيال السياسياتِ في ليبيا

    جريمة الاغتيال السياسي، واحدة من عمليات التصفية التي تستهدف الخصوم السياسيين في ليبيا، منذ الانفلات الأمني الذي أعقب إسقاط نظام القذافي في عام 2011.  وأصبحت كابوسًا يترصد السِياسيات الليبيات اللاتي خرجن للمطالبة بحقوقهن في العمل السياسي والاجتماعي. وأدى الفشل في ملاحقة ومحاسبة الجناة في قضايا اغتيال السياسيات والمدافعات عن حقوق الإنسان؛ إلى ظهور ثقافة الإفلات…

    Hounna | هنّ|

  • من “الديسكورد” إلى الميدان.. “جيل Z” يهز الشارع وينتفض ضد “مغرب بسرعتين” 

    منذ يوم السبت الماضي، يخرج مئات الشبان والشابات إلى الشارع، في عدة مدن مغربية، رافعين شعارات بمطالب واضحة؛ المزيد من الاستثمار في الصحة، التعليم، والخدمات الأساسية، ووضع حد للفساد. هذه الاحتجاجات، انتقلت إلى الشارع بعد نقاشٍ على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما دعت إليها مجموعة تطلق على نفسها إسم GENZ212 (وهو اختصار يجمع بين "الجيل Z"،…

    سعيد المرابط|

  • ذكرى “20 فبراير” بعيون نسائية.. “حركة أسقطت جدار الخوف”

    صدحت حناجرهم قبل 14 سنة من اليوم، وهي تلهج بشعار "حرية، كرامة، عدالة اجتماعية"، فكانت مطالبهم رغم بساطتها جوهرية، وذات مغزى؛ نظام سياسي ديمقراطي متوازن، خدمات اجتماعية تليق بجميع المغاربة، وتمكين المواطنين من عيش كريم يحفظ كرامتهم. رغم صغر سنهم، حمل شباب "20 فبراير" من الوعي ما يكفي للمطالبة بالتغيير والإصلاح، مؤمنين بأن الحق لا…

    عفراء علوي محمدي|

  • قيود مجتمعية وقانونية تحد من المشاركة السياسية للمرأة الليبية

    لا تزال المرأة الليبية تعاني من القيود القانونية ومن الضغوط الاجتماعية والثقافية التي تحد من مشاركتها في تدبير الشأن العام، فقد أتيحت فرص قليلة للمرأة للوصول إلى القيادة السياسية وصناعة القرار. وكانت السياسة عموما في عهد القذافي "مجالا حكرا على الرجال"، وعملت عائلات عديدة على إحباط مشاركة بناتهن في الحياة السياسية بمبرر حماية "شرفهن" حتى…

    Hounna | هنّ|