النساء المعلقاتُ في موريتانيا.. معاناة بين ظلم الأعراف وثغرات القانون في موريتانيا

تظل المرأة في مجتمعاتنا ركيزة أساسية في بناء الأسرة والمجتمع، إلا أنّ كثيرات يصطدمن بنظرة تقليدية تقيد حريتهن في إنهاء زواج فاشل؛ حيث تكشف قصص النساء المعلقات؛ عن واقع مرير تقف فيه الأعراف وأحيانًا الأهل حائلًا أمام حق المرأة في الطلاق، مما يطيل معاناتها ويؤثر سلبًا على أطفالها.

“اصبري حتى يطلق الرجل بمزاجه”

فاطمة عالقة منذ ثماني سنوات في زواج يرفض زوجها إنهاءه، بعد أن “علق رگبتها”، (علق رقبتها)، على حد وصف العامة، بحرقة تقول فاطمة في تصريح لـ”هنَّ”،  “كنت في شبابي أتمتع بالحيوية والجمال، لكن حياتي انقلبت حين تزوجت برجل رضي به أهلي وبعد مرور ست سنوات، تصاعدت الخلافات بيننا وحينها قررت مغادرة البيت مع أطفالي وطلبت الطلاق”. 

تسكت فاطمة قليلا، ثم تسرد “غير أنّه رفض الأمر واتهمني بالرغبة في العودة لحبيب سابق، ثم انتقم مني  بحرماني من الطلاق ومن نفقة الأطفال”.

حاولت  فاطمة استجداء دعم أهلها لكنهم رفضوا بداية تحت عذر “حفاظًا على الأسرة”، ثم قبلوا بشرط موافقة الزوج، ولما رفض رسميًا تراجعوا مجددًا مؤكدين لها عليها الصبر لأن “المرأة تصبر حتى يطلق الرجل بمزاجه معاناة نفسية والتراكمات مازلت أعاني منها وأنعكس سلبا علي وعلى أطفالي”.

“سنة من المعارك القانونية والنفسية” 

زينب –اسم مستعار حفاظًا على خصوصيتها– تحكي بمرارة لمنصة “هنَّ”، عن رحلة طويلة من الألم والصمود: “كانت حياتي الزوجية جحيمًا بسبب العنف الجسدي المتكرر، دون أن أتمكن من إثباته بالأدلة،  فلا أحد يمارس العنف أمام العامة إلى نادرا مما اضطرني لمغادرة المنزل حماية لنفسي”. 

وعندما وصلت القضية إلى المحكمة، “قلب علي زوجي الطاولة واتهمني بالنشوز وعدم طاعته”، تؤكد زينب، مشيرة إلى أن القاضي حاول الإصلاح بيننا “لكنني رفضت فأنا سامحته مرار وأدركتُ أنه لن يتغير… ومع ذلك رفض إنهاء الزواج”. 

وتضيف زينب في حديثها لهذه المنصة، أنها “وبعد سنة من المعارك القانونية والنفسية، حصلتُ في النهاية على حكم الطلاق، لأنهي بذلك فصلًا مظلمًا من حياتي وأعمل حالياً لأكون مستقلة بنفسي”.

ثلاثة عشرة عاما معلقة وبدون حقوق

لـ”هنَّ”، تروي خديجة قصتها المأساوية عن العنف المنزلي بتحفّظ تام، حيث تقول: “لم أكن أتوقع أن يتحول زوجي المرح البشوش إلى ذئب مفترس هائج لا يعرف قلبه للرحمة طريقا، لقد جمعتني به علاقة حب ومودة دامت أعواما طويلة، تكللت بعدها بالزواج، ولكن للأسف بدأت سلوكياته تتغير منذ السنة الثانية من زواجنا، بدأ يتحجج بالغياب الدائم، وأصبح سريع الغضب لأتفه الأسباب، فلا يمر يوم إلا والإهانات والشتائم تلاحقني”.

وتضيف: “صبرتُ من أجل العشرة وأبنائي، ولكن أصبح زوجي يتمادى ويستخدم يده بالضرب، بل ويتحجج بأبسط مشكلة ليستخدم وسيلة الضرب المبرح، بعد فترة اكتشفت انه تزوج بغيري، وحين واجهته أمتنع من تطليقي  بحجة أن الشرع أباح له ذلك”.

أصرت خديجة على حقها في الطلاق، ولكن الزوج رفض فهجرها هي وأطفاله، بعد ذلك “اضطررتُ للجوء إلى المحكمة لكنني واجهت مماطلات وإنهاكًا شديدًا، حتى فقدت القدرة على توفير وسيلة نقل للوصول إلى الجلسات، وسط مسؤوليات الأطفال وغياب الزوج؛ لأجد نفسي في هذه دوامة قرابة ثلاثة عشرة عاماً بدون زواج وبدون حقوق”. 

القانون لا يتضمن مصطلح “تعليق الرقبة” 

بلغة قانونية، يؤكد المحامي الحسين بلال أن “المشرع الموريتاني أقر القانون 052/2001 المتعلق بمدونة الأحوال الشخصية، وهو قانون مستمد من الشريعة الإسلامية والمذهب المالكي، وينظم شؤون الأسرة من زواج ونفقة وطلاق وتطليق وخلع”. 

ويشير إلى أن “القانون لا يتضمن مصطلح تعليق الرقبة”، بل حدد في المواد من 100 إلى 110 الحالات التي تُطلّق فيها الزوجة دون رضا الزوج، كوجود الضرر أو الغيبة أو الامتناع عن النفقة. 

ويشدد المحامي على أن المادة 28 “تنص على حق الزوجة في اشتراط عدم الزواج عليها أو عدم غياب الزوج مدة معينة، بينما تخول المادة 29 للزوجة حل العصمة قضائيًا إذا أخل الزوج بالشروط”.

“طلب الخلع أو النفقة تجاوز” 

من جانبها، تقول الكاتبة والصحفية عيشة عبد الله إنها شهدت العديد من هذه الحالات، مؤكدة أن “المرأة في موريتانيا لا تنال دائمًا التقدير الكافي الذي يضمن حقوقها، حيث تجبرها التقاليد على الصمت وتعتبر مطالبتها بحقوقها أمرًا معيبًا”.

وتشير إلى أن “اللجوء للمحكمة لطلب الخلع أو النفقة يُنظر إليه كتجاوز، مما يجعل النساء يعانين في صمت، فبعض العادات تعتبر مطالبة المرأة بالنفقة عارًا، ما يدفع الأهل لتحمل مسؤوليات الزوج بدلًا عنه”.

هذا، وتفيد المصادر الحقوقية التي استشارتها “هنَّ” بأن هذه الحالات ليست فردية، بل ظاهرة ذات انعكاسات اجتماعية واقتصادية خطيرة، منها حرمان الأطفال من التعليم والرعاية الصحية، وتعريض النساء لهشاشة اقتصادية. كما تسهم التقاليد في مضاعفة التحديات من خلال وصف مطالبة المرأة بحقوقها بأنها إساءة لمكانة أسرتها.

أخطر أشكال العنف 

وترى الناشطة النسوية السالكة أحميدة أن “منع الطلاق أو تعليق الرقبة يعد من أخطر أشكال العنف الممنهج بحق النساء، لأنه يحرم المرأة من حق تقرير مصيرها، ويشكل عنفًا قانونيًا واقتصاديًا واجتماعيًا”. 

وتؤكد على أن “القوانين تمنح الرجل سلطة أوسع، بينما تجد المرأة نفسها عالقة دون نفقة أو حماية، ويستغرق الخلع وقتًا طويلًا وإجراءات شاقة”. 

وتدعو الناشطة كل النساء إلى “توثيق العنف رغم صعوبته، واللجوء للجمعيات المختصة، كما تدعو المجتمع للاعتراف بحق المرأة في إنهاء علاقة مؤذية، والمشرّع لتعديل القوانين بما يضمن حقوقها”.

وفي إطار البحث، أوضح مختصون اجتماعيون أن الظاهرة ليست جديدة وأسبابها محدودة ومعروفة، وغالبًا ما تنتهي بالصلح بين الطرفين. 

غير أن منظمة “النساء معيلات الأسر” سجّلت 603 حالات في 2023، و713 حالة في 2024 لرجال هجروا زوجاتهم، بما في ذلك الزواج السري والمتعة، حيث يُضيع الزوج حقوق الزوجة وأطفالها. 

وتشير المنظمة إلى أن “بعض الأزواج يفرضون شروطًا تعجيزية للطلاق، كطلب تسليم الأطفال أو دفع مبالغ مالية، أو يكتفون باتهام الزوجة بالنشوز لإطالة الإجراءات، مما يرهق المرأة وسط تأخيرات المحاكم وثغرات القانون”. 

وتؤكد المنظمة على أنها “تضغط من أجل إنصاف النساء في ظل ما تعتبره غيابًا للعدالة بسبب ثغرات المدونة وذكورية القضاء وغياب القاضيات، إضافة إلى لوم المجتمع المستمر للمرأة وضعف الوعي العام بحقوقها”.

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • ” أنا أمه وأنا وليُّه”.. أمهات مطلقات يدافعن عن حقهن في الولاية القانونية على أبنائهن 

    "أنا وأبنائي تحت وصاية هذا الرجل حتى بعد الطلاق"، هكذا باختصار، تصف خديجة وضعها بعد مرور أزيد من أربع سنوات على طلاقها من زوجها "المعنّف"، وتحملها المسؤولية الكاملة على ابنيها في غياب الأب. تحكي خديجة (31 سنة)، في حديث لمنصة "هنَّ" عن تجربتها مع هذا الزوج التي قالت أنها اختارته شريكا لحياتها بعد قصة حب…

    هاجر اعزة|

  • ذكرى ثورة الياسمين.. 14 سنة بين الأمل والإحباط 

    تحل الذكرى الرابعة عشرة للثورة التونسية، "ثورة الياسمين"؛ لتعيد إلى الأذهان مشاهد الغضب والأمل التي ملأت الشوارع والميادين. وكأن هذه الذكرى تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، لتجدد العهد بين التونسيين والتونسيات مع ساحات الاحتجاج والمطالبة بالحقوق.  ومنذ أشهر، تعيش تونس  موجة من الاحتجاجات والتحركات الاجتماعية التي تمتد منذ بداية العام الجديد.  وفي هذا السياق، تنظم…

    ريم بلقاسم|

  • الصحفيات في مرمى الاعتداءات.. تقرير يوثّق الانتهاكات المتزايدة ضد الصحفيات التونسيات

    أصدرت نقابة الصحفيين التونسيين تقريرها الشهري عن "وحدة الرصد بمركز السلامة المهنية"، وسجلت فيه سلسلة اعتداءات استهدفت الصحفيين/ات خلال شهر مايو 2025.  وكما في تقارير الأشهر السابقة، كانت الصحفيات التونسيات ضمن الفئة الأكثر تضررًا، ما يثير تساؤلات ملحة حول مستوى الحماية الممنوحة لهن، سواء في الميدان أو داخل المؤسسات الإعلامية، في سياق عام يشهد تضييقًا…

    أميمة عدواني|

  • “لا أستطيع أن أكون نفسي هنا”.. مجتمع الميم-عين: حياةٌ تحت وطأة الرفض المجتمعي 

    عبر نافذة بيتها، يبدو العالم بالنسبة إلى صولا (اسم مستعار) كأنه يسير بسرعة لا تستطيع اللحاق بها؛ مدينة تتحرك، وجوه تعبر، وأصوات تتداخل في الشارع العام، أما هي، فتبقى في مسافة دقيقة بين الداخل والخارج، بين ما تراه في المرآة وما تشعر به في أعماقها. ولدت صولا، البالغة من العمر 35 سنة، وهي شابة عابرة…

    عفراء علوي محمدي|