تعيش النساء الليبيات منذ سنوات تحت وطأة تضييقات متكرّرة تستهدف حضورهن في المجال العام؛ من تقييد السفر دون محرم، إلى الدعوات لفرض الحجاب، وحملات التشهير ضد الناشطات والصحفيات والإعلاميات، وصولًا إلى التشكيك في مشاركتهن بالمؤتمرات والبرامج الدولية. وفي كل مرة، يعود الجدل حول النساء باعتبارهن موضوعًا للوصاية والرقابة أكثر من كونهن مواطنات يجب أن تتمتّعن بحقوقهن الكاملة.
وفي كل مرة يُعاد فيها إنتاج هذا الجدل، تبرز أسئلة تتجاوز مُحرّك الجدل نفسه، من يملك حق رسم حدود حضور النساء في الحياة العامة؟ وأين ينتهي حقّ المؤسسات الدينية في إبداء الرأي، وأين يبدأ تأثير خطابات هذه المؤسّسات على حقوق النساء وصورهن داخل المجتمع؟ وهل يؤدّي التحذير من ممارسات أو تجاوزات فردية إلى حماية المجتمع، أم قد يتحوّل إلى خطاب يُعمّم الشبهة على النساء ويُقيّد مشاركتهن؟
هذه الأسئلة عادت إلى الواجهة مجدّدًا بعد البيان الذي أصدره مجلس علماء ليبيا، وهو هيئة دينية تضُمّ عددًا من العلماء والدعاة الليبيين، وتُصدر بيانات وفتاوى بشأن قضايا دينية واجتماعية وسياسية ترى أنّها تمس الشأن العام، ويحظى خطابه بتأثير في أوساط الرأي العام الليبي. وقد حمل البيان، الذي جاء بعنوان “خطر الاختراق الأجنبي على المرأة الليبية”، تحذيرات من أنشطة قال إنّها تنفذ عبر منظمات دولية تستهدف النساء الليبيات، ودعا إلى وقف أعمال المنظمات الدولية المتعلقة بأيّ مجال يضم عنصرًا نسائيًا، مستندًا إلى ما وصفه بتقارير أمنية ووقائع ثابتة، من دون إرفاق تلك التقارير ضمن نص البيان.
أثار البيان جدلًا واسعًا بين مؤيّدات ومؤيّدين اعتبروه دفاعًا عن الهوية والقيم المجتمعية، ومعارضات ومعارضين رأوا فيه خطابًا يُرسّخ الوصاية على النساء ويُقدّم اتهامات عامة دون أدلة منشورة. وبين هذين الموقفين، يفتح الجدل نقاشًا حول حدود الخطاب الديني، وتأثيره على صورة النساء الليبيات، والعلاقة بين حماية المجتمع وصون حقوق النساء وكرامتهن.
خطاب يستدعي المساءلة
لا تتوقف آثار هذا النوع من الخطاب عند حدود الجدل الذي يثيره، بل تمتد إلى البيئة الاجتماعية التي تتحرك فيها النساء. فربط مشاركة المرأة بقضايا الشرف أو الهوية أو التهديدات الخارجية قد يؤثر في فرص النساء في العمل المدني، والمشاركة في الحياة العامة، والانخراط في المبادرات المحلية والدولية. وتشير دراسات في علم الاجتماع إلى أنّ هذا النوع من الخطاب قد يعزّز الوصم الاجتماعي والرقابة المجتمعية، بما يدفع بعض النساء إلى تقليص حضورههن في الفضاء العام خشية التعرّض للتشهير أو التشكيك في دوافعهن.
وفي محاولة لقراءة أبعاد هذا الجدل من زواياه المختلفة، تحدّثت منصة “هنّ” إلى عدد من الناشطات والحقوقيات والباحثات، كما استعرضت موقف المجلس الأعلى للمرأة الليبية، لرصد انعكاسات هذا الخطاب على واقع النساء في ليبيا.
كما أنّها حاولت الحصول على تعليق من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بشأن ما ورد في البيان من اتهامات تتعلّق ببرامج المنظمات الدولية المرتبطة بالنساء، وتواصلت المنصّة مع مكتب الإعلام والتواصل بالبعثة، الذي أفاد بأنّه “لا يمكن في الوقت الحالي توفير تعليق مباشر”، داعيًا إلى مراجعة الموقع الرسمي للبعثة للاطلاع على المعلومات المتعلقة بالبرامج التي تنفذها.
وفي الصدد ذاته، تُشير الناشطة الحقوقية دينا الفزاني، لـ”هنّ”، إلى أنّ “البيان تضمّن تعميمات واتهامات تمس النساء الليبيات، معتبرة أنّ ما ورد فيه يمثّل مساسًا بسمعة النساء وأعراضهن، وهو ما يتعارض مع القيم الدينية والأخلاقية التي تدعو إلى صون الكرامة وعدم إطلاق الاتهامات دون بينة.”
وأضافت الفزاني أنّ “الخطاب الوارد في البيان انشغل بالنساء بدلًا من معالجة القضايا والتحديّات التي يواجهها المجتمع، كما أنّ التركيز على النساء وإلصاق الاتهامات بهن لا يسهم في معالجة المشكلات الحقيقية. تضمّن البيان أيضًا اتهامات طالت النساء العاملات مع المنظمات الدولية، إلى جانب حديث عن ممارسات خطيرة، ومثل هذه الادعاءات تستوجب تقديم أدلة ووقائع تثبتها.”
أكدّت الفزاني أنّ “حرية النساء في التنقل والعمل حقوق يكفلها القانون الليبي، وأيّ اتهامات تمس النساء أو تشكك في أعمالهن يجب أن تستند إلى وقائع مثبتة، لا إلى تعميمات.”
كما طالبت محدّثتنا النائب العام بفتح تحقيق في ما ورد بالبيان، معتبرة أنّ التصريحات التي تضمّنها “لا ينبغي أن تمر دون مساءلة”، وأنّ التحقيق القضائي هو الكفيل بالتحقق من صحة الادعاءات وترتيب المسؤولية القانونية إذا ثبت عدم صحتها.
اختزال “الوطن” في أجساد النساء
لم يقتصر النقاش على صحّة الادعاءات التي وردت في البيان، بل شمل أيضًا الكيفية التي تناول بها النساء الليبيات، وما يحمله هذا الخطاب من دلالات بشأن أدوارهن ومكانتهن في المجتمع.
في هذا السياق، اعتبرت عضوة الحوار المهيكل آسيا الشويهدي، في تصريح لـمنصّة “هنّ”، أنّ “البيان يعكس خطابًا يقوم على الوصاية على النساء، ويختزل المجتمع والوطن في أجسادهن، بدلًا من معالجة التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه البلاد.”
تؤكّد الشويهدي على أنّ البيان “يُعيد إنتاج رؤية تجعل النساء محورًا للمخاوف المجتمعية، كما أنّ التركيز على ما وصفه البيان بـ”الخطر على الشرف” يُصرف الانتباه عن قضايا أكثر إلحاحًا، مثل الفساد، وضعف مؤسسات الدولة، والأزمات التي تعيشها ليبيا. إضافة إلى أنّ هذا النوع من الخطاب يتعارض مع قيم حقوق الإنسان والمواطنة، ويحدّ من أدوار النساء باعتبارهن شريكات كاملات في المجتمع، لا موضوعًا للرقابة والوصاية.”
تُشير محدّثتنا إلى أنّ ليبيا تواجه تحديات تمس الدولة ومؤسساتها أكثر من كونها تواجه “اختراقًا” يستهدف النساء، داعية إلى توجيه الجهود نحو مكافحة الفساد، وترسيخ العدالة، وحماية الحريات، بدلًا من إصدار بيانات تركّز على النساء بوصفهن مصدرًا للخطر أو مدخلًا لتهديد المجتمع.
وختمت الشويهدي بالتأكيد على أنّ بناء الدولة لا يتحقّق عبر الوصاية أو خطاب التخويف، وإنّما من خلال احترام كرامة الإنسان، وتعزيز الحرية والمسؤولية المشتركة، وإعلاء قيم العدالة وسيادة القانون.
وبينما انحصر الجدل حول طبيعة الخطاب الذي يضع النساء في دائرة الرقابة والشكّ، تجلّى جانب آخر يتعلّق بصور النساء التي تُنتجها هذه الخطابات ومدى تأثيرها على الاعتراف بأدوارهن كشريكات في المجتمع. فعندما تُقدَّم النساء باعتبارهن موضعًا للقلق أو بوابةً تُختبر من خلالها قيم المجتمع، فإنّ ذلك يُضعف النظر إليهن كذوات مستقلة لهن أدوار وخبرات ومساهمات.
حماية للهوية أو وصم للنساء؟
أكّدت رئيسة مؤسّسة تمكين لدراسات المرأة والشباب، منال كامل، لـ”هنّ”، “أنّ النساء الليبيات كنّ ومازلن شريكات أساسيات في بناء المجتمع، ولا يجوز تقديمهن في الخطابات العامة باعتبارهن مصدرًا للخطر أو المدخل الذي تُختزل فيه قضايا الهوية والأخلاق.”
كما تُوضّح أنّ النساء لسن الحلقة الأضعف، بل فاعلات رئيسيات تمتلكن الوعي والقدرة على اتخاذ القرار، مشيرة إلى أنّ الليبيات أثبتن حضورهن على مدى عقود في التعليم والعمل والطب والقضاء وريادة الأعمال والعمل الإنساني، وهو ما يجعل اختزال أدوارهن في خطاب يقوم على الوصاية أو الشبهة أمرًا لا يعكس واقعن.
تُفيد كامل أنّ “ربط النساء بالتهديدات المجتمعية أو تصويرهن باعتبارهن المسؤول الأول عن حماية القيم يُرسّخ صورًا نمطية تتعارض مع مبادئ العدالة والمواطنة المتساوية، مؤكّدة أنّ حماية القيم والأخلاق والهوية الوطنية مسؤولية جماعية تشترك فيها الأسرة، والمؤسسات التعليمية والدينية، والإعلام، والدولة، إلى جانب النساء والرجال على حد سواء. كما أنّ الخبرات والدراسات التي تتابعها مؤسسة تمكين تُشير إلى أنّ الخطابات التي تضع النساء موضع الشبهة أو تربطها بالمخاطر المجتمعية قد تؤدي إلى تقليص مشاركتهن في الحياة العامة، وإضعاف ثقة الفتيات بأنفسهن، وزيادة الضغوط الاجتماعية عليهن، الأمر الذي ينعكس سلبًا على فرصهن في التعليم والعمل والمشاركة في الشأن العام.”
تُشدّد محدثّتنا على أنّ تمكين النساء لا يتعارض مع الحفاظ على قيم المجتمع، بل يعزّزها، معتبرة أنّ المجتمع القوي هو الذي يثق بنسائه، ويفتح أمامهن المجال للمشاركة الكاملة، ويعاملهن باعتبارهن شريكات في التنمية وصنع القرار، لا موضوعًا دائمًا للرقابة أو مصدرًا للقلق.
اختتمت كامل تصريحها بالتأكيد على أنّ “النقاش حول أيّ قضية تمس النساء الليبيات يجب أن يقوم على الحوار والبحث العلمي واحترام كرامة الإنسان، بعيدًا عن الخطابات التي قد تؤدي إلى الوصم أو التمييز، وبما يعزز مكانتهن ويحفظ حقوقهن ودورهن الوطني في بناء مجتمع أكثر استقرارًا وعدالة.
لا تُقرأ الخطابات المتعلّقة بالنساء بمعزل عن البيئة الاجتماعية التي تُنتجها وتستقبلها، فالمفاهيم المرتبطة بالهوية والقيم والأدوار الاجتماعية تُؤثّر في الطريقة التي يُنظر بها إلى النساء وإلى مواقعهن داخل المجتمع.
النساء كرمز للمسؤولية الأخلاقية
في لتأثير هذا الخطاب على المجتمع ، أوضحت الباحثة في علم الاجتماع جميلة بن عيسى، لـ”هنّ” أنّ “مثل هذه البيانات يُمكن فهمها بوصفها جزءًا من عملية “بناء المشكلات الاجتماعية”، حيث تُقدّم بعض القضايا باعتبارها تهديدًا يستدعي تدخلًا أخلاقيًا أو اجتماعيًا.”
تُفيد بن عيسى بأنّ “ربط االنساء بقضايا الهوية والشرف والأمن الثقافي يجعل منهن رمزا تُحمَّلن من خلاله مسؤولية حماية المجتمع، وهو ما ينعكس في زيادة الرقابة الاجتماعية عليهن، وارتفاع الضغوط المرتبطة بالتعليم والعمل والمشاركة المدنية، فضلًا عن ترسيخ الشعور بعدم المساواة في توزيع المسؤوليات بين النساء والرجال.”
وأضافت “أنّ الدراسات الاجتماعية تُشير إلى أنّ تكرار هذا النوع من الخطاب قد يعزّز الأدوار الجندرية التقليدية، ويحدُّ من مشاركة بعض النساء في الحياة العامة أو التعاون مع المؤسسات المختلفة خشية الوصم أو التشكيك، مؤكّدة على أنّ المجتمعات لا تتفاعل مع هذه الخطابات بالطريقة نفسها، وإنّما يختلف تأثيرها بحسب السياق والفئات الاجتماعية.”
شدّدت محدّثتنا على “أنّ مناقشة قضايا الهوية والقيم لا ينبغي أن تقوم على تحميل النساء مسؤولية الأزمات المجتمعية، بل على الحوار القائم على الأدلة، والتمييز بين نقد السياسات أو الممارسات وبين إصدار أحكام عامة على فئة اجتماعية كاملة، مؤكّدة على أنّ الحفاظ على الهوية مسؤولية جماعية تشترك فيها الأسرة، والمؤسسات التعليمية والدينية، والإعلام، والدولة، والنساء والرجال على حد سواء.”
إذا كانت الانتقادات السابقة قد ركّزت على الأبعاد الحقوقية والاجتماعية للبيان، فإنّ الجدل لم يقتصر على تأثيره في صورة النساء أو مشاركتهن في المجال العام، بل امتد إلى التساؤل حول موقعه من القانون الليبي، وحدود حرية التعبير عندما تتضمّن الخطابات تعميمات تمسّ فئة اجتماعية بأكملها.
ممّا يطرح ذلك سؤالًا آخر: متى يبقى الخطاب في إطار الرأي المشروع، ومتى يُصبح محل مساءلة قانونية؟
هل تجاوز البيان حدود حرية التعبير؟
في قراءة قانونية للبيان، تُفيد المستشارة القانونية زينب محمد، لـ “هنّ”، أنّ “ما ورد فيه تجاوز الحدود التي يرسمها القانون الليبي لحرية الرأي والتعبير، بعدما تضمّن تعميمات واتهامات تمس النساء الليبيات في شرفهن وكرامتهن وسمعتهن.
وأوضحت “أنّ القانون الليبي يكفل حرية التعبير، لكنّه يربط ممارستها باحترام كرامة الأفراد وعدم المساس بسمعتهم أو الانتقاص من فئة اجتماعية بأكملها، معتبرة أنّ البيان لم يقتصر على إبداء رأي أو التحذير من ظاهرة مجتمعية، بل تضمّن، بحسب قراءتها القانونية، عبارات نسبت بصورة جماعية إلى النساء الليبيات سلوكيات تمسّ الشرف والقيم الأخلاقية دون الاستناد إلى أدلة أو إثباتات قانونية معلنة.”
تُؤكّد محدّثتنا على أنّ “مثل هذا الخطاب لا يقف عند حدود الرأي، بل قد يسهم في الوصم الاجتماعي وتشويه صورة النساء الليبيات، ويؤثّر على سلامتهن المعنوية ومكانتهن وحقوقهن، كما أنّ حماية القيم والأخلاق لا تتحقّق بالطعن في النساء أو الانتقاص من كرامتهن، وإنّما عبر تطبيق القانون ومحاسبة كل من تُثبت مسؤوليته عن أي مخالفة.”
أشارت محدّثتنا إلى أنّ “القانون الليبي يوازن بين حرية التعبير وحماية السمعة والكرامة، وأنّ أي خطاب يتضمّن تعميمات تمسّ فئة كاملة أو يلحق ضررًا بسمعتها يظل خاضعًا لرقابة القضاء، الذي يملك وحده سلطة تقدير مدى توافر أركان المسؤولية القانونية.”
تملك المنظّمات الحقوقية والنسائية حسب محمد، “حقّ اللجوء إلى القضاء، سواء عبر تقديم بلاغ إلى النائب العام أو سلوك المسارات القانونية التي يتيحها القانون، للمطالبة بالتحقيق في ما ورد بالبيان إذا رأت أنّه تضمّن قذفًا أو تشهيرًا أو مساسًا بكرامة النساء الليبيات.
لا يقتصر الجدل الذي أثاره البيان على حدوده القانونية، بل يمتد إلى الدور الذي تؤديه المؤسسات الدينية في تشكيل الرأي العام، وحدود مسؤوليتها عندما تتناول قضايا تمس فئات اجتماعية واسعة. فالكلمة الصادرة عن جهة تتمتع بتأثير ديني واجتماعي لا تُقرأ باعتبارها رأيًا مجردًا فحسب، وإنّما بوصفها خطابًا قادرًا على التأثير في المواقف والسلوك العام.
مسؤولية الخطاب الديني في حماية السلم المجتمعي
تُشير المحامية والناشطة الحقوقية نيڤين الباح، لـ”هنّ”، إلى أنّ “الجدل الذي أثاره بيان مجلس علماء ليبيا يطرح تساؤلات حول حدود الخطاب العام، وكيفية تحقيق التوازن بين حرية التعبير من جهة، ومسؤولية حماية الحقوق والحريات والسلم المجتمعي من جهة أخرى.”
تُؤكّد محدّثتنا على أنّ “حرية التعبير هي حق أساسي، لكنّها ترتبط بمسؤولية احترام كرامة الإنسان وحقوق الآخرين، وعدم استخدام الخطاب بطريقة تؤدي إلى التمييز أو الإقصاء أو المساس بكرامة أي فئة، مشيرة إلى أنّ هذه المسؤولية تتضاعف عندما يصدر الخطاب عن مؤسسات أو شخصيات ذات تأثير ديني أو اجتماعي.”
كما أنّ مسؤولية المؤسسات الدينية حسب قولها، “تقتضي مراجعة الخطابات والبيانات الصادرة عنها، والتأكّد من انسجامها مع قيم العدل والتسامح واحترام الحقوق والحريات، وأن تكون المنابر مساحة للإصلاح ونشر الرحمة والدعوة إلى التعايش ولمّ الشمل، لا وسيلة لتعميق الانقسام أو إثارة المخاوف تجاه أي فئة من فئات المجتمع.”
وأشارت إلى أنّ “النساء الليبيات كنّ شريكات أصيلات في بناء الدولة منذ تأسيسها، وأسهمن في التعليم والقضاء والصحة والإدارة والعمل التنموي، كما مثّلن ليبيا في المحافل والمؤتمرات الإقليمية والدولية، وأسهمن في جهود الحوار والمصالحة الوطنية، معتبرة أنّ أيّ خطاب يصوّرهن باعتبارهن مصدرًا للخطر أو أقل شأنًا لا ينسجم مع واقعهن ولا مع تاريخهن وإسهاماتهن الوطنية.”
دعت الباح مجلس علماء ليبيا إلى مراجعة البيان والاستماع إلى ردود الفعل المجتمعية التي أثارها، بما يعزز خطابًا دينيًا مسؤولًا يحفظ كرامة الإنسان وحقوقه ويخدم قضايا المجتمع الحقيقية، مؤكدة أنّ ليبيا تواجه تحديات أكثر إلحاحًا، مثل تراجع الخدمات العامة والانقسام السياسي والاشتباكات المسلحة والحاجة إلى دعم المصالحة الوطنية وترسيخ سيادة القانون.
واعتبرت أنّ هذه الواقعة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع شهدته ليبيا خلال السنوات الماضية، اتسم بتصاعد خطابات الإقصاء والتخوين ومحاولات فرض توجه واحد على مجتمع متنوع، مؤكدة أنّ التجربة الليبية أثبتت أن الخطابات القائمة على الانتقاص من الآخرين لا تسهم في بناء دولة مستقرة، بل تعمق الانقسام، وأن حماية المجتمع من خطابات الكراهية مسؤولية مشتركة تتطلب من المؤسسات الدينية والمدنية والإعلامية تبني خطاب يعزز المواطنة ويحترم الحقوق والحريات ويصون كرامة جميع أفراد المجتمع.
حماية الأخلاق لا تكون بإدانة النساء
في المقابل، أصدر المجلس الوطني الأعلى للمرأة الليبية، وهو كيان مدني مستقل معني بالحقوق الاجتماعية والسياسية للمرأة أنشأه اتحاد مؤسسات المجتمع المدني في ليبيا، بيانًا أكّد فيه رفضه لأي ممارسات تخالف القانون أو تمس الأمن المجتمعي، لكنه شدد في الوقت نفسه على رفض الخطابات التي تتضمن تعميم الاتهام أو التشهير بالنساء الليبيات أو المساس بسمعتهن وكرامتهن دون أحكام قضائية نهائية أو أدلة قانونية معلنة.
وأكّد المجلس على أنّ النساء الليبيات لسن محل اتهام جماعي، وأنّ حماية القيم لا تكون بالطعن في أعراض الناس، وإنما بتطبيق القانون ومحاسبة كل من تثبت مخالفته دون تعميم أو تشهير.
كما طالب النائب العام بفتح تحقيق في الوقائع و الادعاءات الواردة في البيانات المتداولة، وإعلان نتائج التحقيق للرأي العام، معلنًا تكليف فريقه القانوني بإعداد ملف لحصر ما اعتبره تصريحات أو بيانات تضمنت قذفًا أو تشهيرًا أو تعميمًا يمس النساء الليبيات، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
كما دعا المحامين والمنظمات الحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني إلى توحيد الجهود للدفاع عن كرامة النساء الليبيات، مؤكدًا على أنّ القضاء وحده هو الجهة المختصّة بالفصل في الاتهامات، وأنّ صون الأعراض واحترام قرينة البراءة يُمثّلان مبدأين يجمع بينهما الشرع والقانون.
رفض المجلس أيضًا اعتبار التواصل المهني الذي تقوم به القيادات النسائية أو منظمات المجتمع المدني مع البعثات الأممية والمنظمات الدولية، متى كان في إطار القانون الليبي، فعلًا يُبرّر التخوين أو التشكيك في الشرف أو الأخلاق، مؤكّدًا على أنّ مثل هذه الاتهامات قد تفتح الباب أمام خطاب الكراهية والتشهير، وتؤثّر في مشاركة النساء في الشأن العام.
في ختام هذا الجدل، تتباين المواقف بشأن حدود الخطابات الدينية ودور المؤسسات الدينية في تناول قضايا النساء والمجتمع، وبين الدعوات إلى حماية القيم والهوية، والمطالبات بإحترام الحقوق والحريات. كما يظلُّ هذا النقاش مفتوحًا حول كيفية تحقيق التوازن بين القيم المجتمعية وحقوق النساء بعيدًا عن التعميم والتشهير والقذف وفي إطار القانون.














