“أشتاق لشجاراتنا التافهة والصغيرة.. أتمنى لو أستطيع استرجاع أختي لأتشاجر معها إلى الأبد”، بهذه الكلمات الصادقة والخاصة، تُلخص كنزة، شقيقة الضحية وفاء زيادي (24 سنة)، لمنصة “هُنّ” المأساة التي هزت حي عين مليلة بولاية أم البواقي في يوم 17 مارس 2024 (7 رمضان 1445 هـ)، عندما قُتلت وفاء على يد زوجها داخل المنزل الذي كان من المفترض أن يكون عشها الآمن.
وفي شهادة مطولة ترويها كنزة، تقول: “وفاء، أختي الصغيرة، لم تكن مجرد رقم؛ كانت روح منزلنا، شابة مرحة وذكية، متفوقة في اللغتين الإنجليزية والإيطالية، وكان حلمها أن تكون مُجوّدة وأن تدرس تخصص العلوم الشرعية. لكن الجاني، الذي يكبرها بسبع سنوات، سارع في خطبتها وأقنعها بالتخلي عن حلم الجامعة، ليبدأ بعدها كابوس العزل والعنف المبرح الذي أجبرها على مغادرة منزل الزوج”.
وتضيف كنزة تفاصيل العودة المأساوية: “بعد ثمانية أشهر من الابتعاد، عاد الجاني يمارس تكتيكات الخداع بحجة أنه كان مسحور، فأقدمت وفاء على قرار العودة وهي حامل. لم يكن دافعها سوى محاولة تكوين عش آمن لابنتها الصغيرة. لكن للأسف، كانت هذه العودة مشروطة بنزع سلاحها الوحيد للنجاة؛ فبمجرد عودتها، سارع الجاني إلى أخذ هاتفها الذي يحوي صور أدلة العنف التي وثقتها عندما كان يعنفها سابقاً. في يناير 2024، وضعت وفاء طفلتها، وبعد أسابيع، استعدت لأول رمضان في بيتها. وفي يوم الفاجعة، وبعد أن تحدثت وفاء مع أمي في الظهيرة، سُلبنا وفاء بوحشية قبل المغرب بثلاث ساعات ونصف، حيث قُتلت وطُعنت وهي ممسكة بقارورة حليب طفلتها”.
وتختتم كنزة شهادتها حول آثار الجريمة: “اليوم، عائلتنا محطمة نفسياً، ويزيد من عذاباتنا المضايقات المستمرة من عائلة الجاني في محاولات لأخذ ابنة وفاء. أما أنا، فعندما أنظر إلى ابنتها، أرى فيها وفاء نفسها تماماً؛ تحمل كل تفاصيلها وتصرفاتها. أصبحت مهمتي الأساسية الآن هي أن أحمل لابنتها دائماً صورة جميلة ونقية عن أمها عن مدى ذكائها وجمالها ونقاء روحها. هذا هو إرث وفاء الوحيد الذي يجب أن نحافظ عليه”.
مأساة وفاء تذكرنا بجريمة أخرى لا تقل فظاعة، والتي لخصتها قريبة الضحيتين إيمان وملاك لمنصة “هُنّ” بقولها: “المنزل الذي كان من المفروض أن يحميكِ… هو الذي تموتين فيه للأسف”، هذه الكلمات تصف ما حدث في حي بكيرة بولاية قسنطينة في فجر يوم الأربعاء، 24 سبتمبر 2024.
ففي ذلك البيت، انتهت حياة الشقيقتين إيمان بونويقة (26 عاماً)، طالبة علم النفس، وأختها ملاك بونويقة (18 عاماً)، قتلاً على يد والدهما الذي سدد لهما ضربات بالمطرقة وهما نائمتان في أسرتيهما. كانت هذه الفاجعة هي الفصل الثاني المروّع من جريمة قديمة؛ فالجاني كان قد خرج للتو من السجن بعد أن قضى 15 عاماً عقوبة لقتله والدتهما (زوجته)، تفّاحة (في الثلاثينات)، في عام 2009. عايشت الفتاتان جريمة قتل والدتهما وهما طفلتان.
وبعد خروجه من السجن، وجدتا نفسيهما، بقرار عائلي أو قسري، مضطرتانِ للعودة إلى العيش مع هذا الأب القاتل تحت سقف واحد. لكن المنزل، الذي كان يفترض أن يمنحهمَا الأمان بعد سنوات من الغياب، تحوّل إلى مسرح لجريمة تكررت، حيث وجد شقيقهما الأصغر الجثتين لاحقًا، ليكتشف أن العنف عاد ليطوي صفحات حياتهنّ في ذات المكان.
مآسي تقتيل النساء، كما حدث مع وفاء وإيمان وملاك، هي شهادات متكررة تُؤكد أن الخطر يتبع النساء حتى في المكان الذي كان من المفترض أن يكون آمناً لهن. هذه الجرائم، التي تمثل الحلقة الأكبر والأكثر دموية في سلسلة عنف مستمر ينتهي بالتقتيل، تُبرهن بوضوح على الثغرات القانونية التي طالما نُدّد بها في حماية النساء من المجرمين والمعنّفين. تكرار الجريمة، مثل قضية “شيماء” المروعة، حيث خرج قاتلها “بوشلاقي عبد السلام” من السجن بعدما اغتصبها عام 2016، ثم عاود اغتصابها وتعذيبها وضربها وحرقها حتى قتلها سنة 2020، تفرض ضرورة ملحة لإعادة النظر جديًا في قوانين العنف ضد النساء، وأن تُصبح جرائم قتل النساء في قانون العقوبات ظرفًا مشددًا.
لذلك، فإن هذه المنظومة تتطلب تحركًا فورياً ومطالب سياسية واضحة، تبدأ بإلغاء بند الصفح عن الجناة وتغيير التشريعات، لضمان أن تُصبح حماية النساء من المجرمين والمعنّفين مسؤولية شاملة للدولة والمجتمع.
هل تحول العنف ضد النساء إلى “رد فعل” شرعي يحميه المجتمع؟
بالانتقال من مأساة القتل المكتملة، يظهر أن العنف ضد النساء في الجزائر يتجاوز حالات الموت ليشمل محاولات قتل بشعة، تؤكد أن الخطر يتربص بالنساء في كل مكان. فقد شهدت الأعوام الأخيرة سلسلة من المحاولات المروعة تبرهن على تفشي الظاهرة، واتسامها بتفاقم غير مسبوق في العنف.
على سبيل المثال، حاوَل زوج الناجية “منال” (اسم مستعار) بولاية سيدي بلعباس ذبحها بدم بارد يوم 10 أفريل 2025 لمجرد أنها طلبت الخلع.(حسب توثيق مجموعة “لا لقتل النساء في الجزائر”) كما يُعد الحادث الذي تعرضت له المدعوة “أم بيسان” بولاية الأغواط يوم 22 ماي 2024 دليلاً على تفش غير مسبوق للعنف؛ إذ قام شقيقها بمحاولة قتلها وذبحها منفذا جريمته بشكل علني ومباشر على منصة إنستغرام، وعلى مرأى من ابنتها.
هذه الوقائع، التي تنضم إلى قصص إيمان ملاك ووفاء، تؤكد أن النساء الجزائريات يواجهن بيئة عنف شاملة، وأن الضحايا الناجيات من الموت لازلن يعشن تحت تهديد دائم.
وفي تحليلها للجذور العميقة لهذه الظاهرة، تؤكد الباحثة النسوية المستقلة، فريال فاطمة الزهراء دحماني، في تصريح خاص لمنصة “هُنّ”، أن “العنف ضد النساء ليس مجرد أفعال فردية معزولة، بل هو نتاج عقلية عنف متأصلة في بنية اجتماعية تاريخية وأبوية”.
وتوضح دحماني أن هذه البنية، التي تأسست عبر قرون من الأعراف وتديين العادات، “حوّلت سلطة الرجل على جسد النساء ومصيرهن من اعتداء إلى حق ثقافي، أو واجب اجتماعي؛ يتم تبريره تحت مسميات مثل حفظ الشرف”.
وتشدد الباحثة على أن “أخطر ما أنتجته هذه المنظومة هو تحويل العنف إلى قيمة ثقافية مُطبّعة، حيث يتم تمثيل الرجل العنيف على أنه قوي، رجل حقيقي، بينما يتم الضغط على النساء لتقبل العنف وإيجاد تبريرات له، ليصبح العنف بذلك ظاهرة طبيعية تُصنّف تحت مسميات مخففة مثل خلاف عائلي أو مسألة داخلية”.
وتفسر دحماني التصاعد المقلق في وحشية الجرائم وانفلات استخدام العنف الأقصى (كما ظهر في حالات القتل المتكررة ومحاولات الذبح العلنية) بأنه في “جوهره رد فعل عنيف على اهتزاز السلطة الذكورية التقليدية؛ فبفعل التحولات الاجتماعية المتسارعة وزيادة وعي النساء بحقوقهن وحضورهنّ في المجال العام”.
وترى الباحثة أن “بعض الجهات شعرت بتهديد مباشر للامتيازات التي كانت تُعتبر طبيعية، وعندما يُواجه هذا التحدي، يلجأ بعض الرجال إلى العنف الأقصى كوسيلة وحشية لإعادة فرض السيطرة وتأكيد الدور التقليدي والحارس على العائلة”.
وتعتبر دحماني أن “منظومة الإفلات من العقاب هي المحرك الأساسي الذي يغذي استمرار وتكرار هذه الجرائم”، مؤكدة على أن “التراخي القانوني والمؤسسي يمنح الجاني شعوراً بالأمان بأن جريمته لن يترتب عليها ثمن حقيقي”.
وتضيف الباحثة: “فعندما لا يُعاقب القاتل بصرامة، تترسخ في الذهنية العامة أن حياة النساء ليست أولوية وأن المساس بها يمكن تجاوزه. وهكذا، تُعيد هذه المنظومة إنتاج دائرة العنف، وتمنحها شرعية صامتة تسمح بارتقائها إلى مستويات أكثر خطورة ووحشية”.
37 جريمة تقتيل نساء لعام 2025
بالتوازي مع تحليل الباحثة فريال، ننتقل إلى الرصد الرقمي الذي لا يقل إيلاماً عن الشهادات؛ فوفقاً لإحصاءات مجموعة “لا لقتل النساء في الجزائر”، تم توثيق 37 جريمة تقتيل نساء لعام 2025 حتى يوم 24 نوفمبر من نفس العام، مع تأكيد المجموعة أن هذا العدد يمثل الحد الأدنى، وأن الرقم الفعلي للضحايا في البلاد أعلى بكثير لتعذر الوصول إلى باقي الحالات وإحصائها.
وتؤكد الأرقام أن العنف مازال محصنًا في المحيط القريب، حيث ارتكب 54 في المائة من الجرائم على يد أحد أفراد العائلة (أزواج، طليقون، آباء، إخوة، أبناء)، بينما كانت نسبة القتل على يد الزوج أو الطليق هي 27 في المائة. والأخطر، أن العنف يتفشى الآن في الشارع؛ فبالإضافة إلى أن 43 في المائة من الجرائم ارتكبت داخل المنزل، سُجلت 19 في المائة منها في الفضاء العام.
وتجسيداً لهذه النسبة الأخيرة، تأتي مأساة إكرام “ل” (32 عاماً، أم لطفل)، التي قُتلت على يد طليقها أمام المحكمة بولاية سطيف. فقد وجه لها الجاني طعنات بالخنجر على مستوى القلب، ولم يكتفِ بذلك بل شوه وجهها وذراعيها وحاول ذبحها، بعد أن رفعت قضية نفقة ضده.
وبالنظر إلى الإحصاءات المسجلة للسنوات الأخيرة، يتبين أن ظاهرة تقتيل النساء في الجزائر تظهر استقرارًا مقلقًا عند مستويات مرتفعة، وليست مجرد طفرة عابرة.
فوفقاً للرصد الذي وثقته مجموعة “لا لقتل النساء في الجزائر”، تُظهر الأرقام أن عدد الضحايا ظل متقارباً على مدى السنوات الثلاث الماضية: حيث سُجلت 45 جريمة قتل لعام 2022، تلتها 39 جريمة في عام 2023، ثم عاد الرقم للارتفاع ليبلغ 48 جريمة قتل في عام 2024. ورغم أن العدد المسجل لعام 2025 وصل إلى 37 جريمة حتى شهر نوفمبر، إلا أن هذا التراكم السنوي يؤكد أن معدل الجرائم لا يتجه نحو الانخفاض، بل يرسخ نفسه كـ واقع مأساوي ثابت يتطلب تدخلاً جذرياً.
وفي تحليلها للقصور الهيكلي في منظومة الحماية، أوضحت صوفيا بولصنام منسقة بمنظمة حقوقية وناشطة نسوية، لـ”هُنّ”، أن “توزيع الجرائم يبرز قيدين هيكليين أساسيين”.
“القانون لا يزال يجد صعوبة في اختراق الدائرة الأسرية، حيث يظل الإبلاغ عن العنف المنزلي غير كافٍ، وتظل أنظمة الدعم صعبة المنال للنساء اللواتي يعشن تحت سيطرة اقتصادية أو تبعية. أما في المجال العام، فالمشكلة ليست قانونية فحسب، بل هي أيضاً اجتماعية وثقافية تجعل النساء عرضة للعنف الذي يرتكبه مُعتدون معروفون أو سبق إدانتهم، مما يظهر الحاجة الملحة إلى تحسين الكشف عن الخطر وتعزيز رصد الأفراد المُدانين بالعنف”، توضح بولصنام.
وتضيف بولصنام مؤكدةً: “إن الحالات المكررة لعودة المجرمين للقتل تكشف عن نقائص وثغرات حادة. أبرزها غياب برامج متخصصة لمراقبة مرتكبي الجرائم العنيفة بعد الإفراج، حيث يركز النظام على مدة العقوبة دون تقييم المخاطر. ويُعد غياب تدابير التقييد الإلزامية عائقاً كبيراً، لندرة استخدام أدوات مثل أمر عدم الاتصال أو السوار الإلكتروني. ويتفاقم الأمر بضعف التنسيق بين نظام العدالة والخدمات الاجتماعية بعد الإفراج، مما يجعل التعامل مع كل حالة ‘فردياً وليس منهجياً’، ما يشدد على أن هذه فجوة بين النصوص القائمة وتطبيقها العملي”.
وفي سياق القوانين القائمة، تشير بولصنام إلى أن القانون الجزائري لا يزال يفتقر إلى تشريع يضع “تقتيل النساء” (Femicide) كظرف مشدد ومستقل. وتشير إلى أن العقوبات الحالية على القتل العمد يمكن أن تصل إلى السجن المؤبد أو الإعدام، بينما المواد المضافة في قانون 15-19 (ديسمبر 2015) تجرّم أشكال العنف الأخرى (كالعنف الأسري والتحرش). لكنها تشدد على أن هذه النصوص لا تضع تشريعاً مخصصاً لحالات قتل النساء باعتبارها ظاهرة يجب ردعها بشكل خاص، ولا تُحدد عقوبة خاصة لمُحاولات القتل التي تُعدّ جناية منفصلة.
كما تلفت بولصنام الانتباه إلى الفجوة الكبيرة في البنية التحتية للحماية، فبالرغم من توفّر الخط الأخضر 1026 وأرقام شبكات جمعوية مثل “شبكة وسيلة – أفيف” (Réseau WASSILA – AVIFE) للإبلاغ والمرافقة، فإن مراكز الإيواء الفعّالة قليلة جداً. فباستثناء مركز بوسماعيل، فإن المراكز الوطنية الأخرى إما غير فعّالة أو مشاريعها لم تكتمل، مما يمثل نقصاً كبيراً في دعم الناجيات اقتصادياً ونفسياً.
ولتحقيق هذا التحول الفعّال، تشدد صوفيا على ضرورة المطالبة بعدة إصلاحات جذرية تبدأ بإدخال تعريف صريح لجرائم “التقتيل على أساس الجنس / الفيميسيد” في التشريع، وإنشاء وحدات مختصة في الشرطة والنيابة للتحقيق في العنف المبني على النوع الاجتماعي.
وتؤكد على أن النجاح يتطلب استراتيجية متكاملة تضمن الاعتراف بالظاهرة في التشريع القانوني كضرورة ملزمة، إضافة إلى تمويل وتشجيع مراكز الإيواء لزيادة عدد الملاجئ ودعم إعادة الإدماج. وتستشهد بنموذج إسبانيا التي نجحت في الحد من الظاهرة بعد اعتمادها “القانون الشامل ضد العنف القائم على النوع الاجتماعي” في عام 2004، موضحة أن هذا القانون لم يكتفِ بتشديد العقوبات، بل أرسى أساساً متيناً لحماية الضحايا عبر إنشاء محاكم متخصصة، وتوفير دعم اقتصادي لكسر التبعية، مما يدل على أن القانون الفعّال يجب أن يتجاوز العقاب ليشمل الوقاية والدعم المؤسسي المتكامل.
تقتيل النساء ليس مجرد حوادث فردية، بل هو تكرار ممنهج يؤكد أنه نتاج لعقلية أبوية متجذرة وفشل مؤسسي في الحماية. إن المسؤولية تقع على عاتق الدولة والمجتمع برمته، ولا يمكن لأي إصلاح أن يكون مجدياً دون تحويل جذري للتشريع. فكم من وفاء، وكم من إيمان، وكم من شيماء يجب أن نخسر حتى تتغير التشريعات وتضمن الملاحقة الصارمة للجناة؟



















