توفيت الطبيبة المقيمة خديجة منصوري (31 سنة)، في شهر ماي الجاري، وهي طبيبة متخصصة في قسم أمراض النساء والتوليد، إثر سكتة قلبية باغتتها بعد مناوبة عمل مُرهقة؛ لتتحول وفاتها من حادثة أليمة إلى قضية رأي عام كشفت عن الانتهاكات التي تطال الطبيبات المقيمات.
الطبيبة خديجة، التي لم يمر سوى شهر واحد على وضعها لمولودها، “لم تنل حقها في عطلة أمومة كافية تحمي جسدها المنهك” حسب مصادر مقرّبة للضحية، رغم أن هذه العطلة تُعرّف دولياً، حسب منظمة العمل الدولية، بأنها “فترة راحة قانونية تهدف لحماية صحة الأم والمولود وضمان أمنهما وحتى أمن الأم الوظيفيّ” تقول المنظمة.
وأكد زوج الفقيدة أن زوجته تعرضت للعقاب، كاشفاً عبر حسابه في مواقع التواصل الاجتماعي، أن خديجة كانت ضحية عقوبة تعسفية من قِبل أستاذتها في قسم التوليد بمستشفى “باينام”؛ حيث “أضافت لها مناوبة خامسة إضافية في جدول شهر ماي” لأسباب وصفها الزوج بأنها “تافهة”، فيروي على لسان الراحلة رؤيًا المناوبة التي أرسلت خديجة تفاصيلها له في حالة حزن وإنهاكٍ شديدين قبل رحيلها.
وفور وقوع المأساة، انفجرت موجة غضب رقمية، حيث تداول الأطباء فيديوهات تندد بتحويل المناوبات إلى أداة للقمع الإداري، لعل أبرزها صرخة الطبيبة “آمال” المعروفة بحساب دكتورة السعادة التي قالت باكية في أحد فيديوهاتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي: “أخاف في يوم من الأيام أن أذهب للعمل ولا أعود لابنتي”.
ويأتي هذا الانتهاك في وقت أقرّ فيه القانون الجزائري رقم 25-08 (المعدل لقانون التأمينات الاجتماعية) حق الأم العاملة في عطلة أمومة مدفوعة الأجر بنسبة 100 بالمائة، ليمنح 98 يوما عطلة أمومة في القطاع العام قابلة للتمديد وتصل إلى 150 يوما إذا كان الطفل يعاني من مرض.
كما يشدد ذات القانون على عدم تقليص هذه المدة حتى في حالات الولادة المبكرة، مع إمكانية بدئها قبل 42 يوماً من التاريخ المتوقع للوضع.
وحول هذا التأصيل القانوني والفجوة العميقة بين النص والتطبيق، تحلل الأستاذة زميت عائشة، محامية معتمدة لدى المحكمة العليا ومجلس الدولة في الجزائر، لمنصة “هنّ” الواقعة، إذ تبدأ ببطلان الذرائع الإدارية قائلة: “إن ذريعة ‘ضرورة المصلحة’ لا تسري إطلاقاً على الحقوق الآمرة المتعلقة بالأمومة؛ فهي حق دستوري وليست امتيازاً إدارياً، إذ لا يمكن تجاوز هذه النصوص بأي اجتهاد إداري، فالقاعدة الفقهية واضحة بأن ‘الخاص يقيد العام’، وقانون حماية الأمومة هو نص خاص يقيد السلطة التقديرية العامة للإدارة، وبالتالي فإن حق الإدارة في التكليف يسقط تلقائياً أمام الحماية البيولوجية المرتبطة بالنظام العام الاجتماعي”.
وفي السياق ذاته، تشير الأستاذة زميت لتبيان الموقف الفقهي والقضائي، إلى أن: “فقهاء القانون الإداري الجزائري يُجمعون على أن النصوص الآمرة الاجتماعية تشكل قيداً مطلقاً على السلطة التقديرية للإدارة، ولا يجوز الخروج عنها بأي ذريعة كانت. أما على مستوى القضاء، فقد كرّس مجلس الدولة الجزائري مبدأً يقضي بأن القرارات الإدارية المخالفة للنصوص الآمرة الاجتماعية تُعدّ ‘منعدمة قانوناً’ لا مجرد قابلة للإلغاء، وهو تكييف أشد وطأة لأن القرار المنعدم لا يُحصَّن بمرور الوقت”.
وعلاوة على ما سبق، انتقلت المحامية لتفكيك البُعد العقابي للمناوبات من منظور قانوني، موضحةً أنه “بالنسبة للمناوبات، يُكيَّف هذا التصرف بوصفه تعسفاً في استخدام السلطة إذا ثبت الربط بينها وبين حالة الحمل أو النفاس وفق ‘نظرية الانحراف بالسلطة’، والتي تُعرف بأنها استخدام الإدارة لصلاحية مشروعة في ظاهرها لتحقيق غاية غير مشروعة، وهو أخطر عيوب القرار الإداري لأنه يمس النية. كما يُعتبر ذلك تمييزاً مهنياً يعاقب عليه القانون وخرقاً صريحاً لقانون حماية الأمومة المحظور دستورياً بموجب المادة 37، ويُعد مساساً بالحقوق الصحية المكفولة بالمادة 66 من دستور 2020”.
ومن منظور إجرائي وعملي لتفادي مثل هذه الانتهاكات مستقبلا، أكدت زميت عائشة أن “الإدارة أمام النصوص الآمرة لا تملك إطلاقاً سلطة تقديرية، وأي قرار مخالف يُعد قابلاً للطعن أمام المحكمة الإدارية بدعوى تجاوز السلطة، مشيرة إلى أن الإثبات أمام القضاء يقوم على ثلاثة محاور أساسية؛ أولها المحور الزمني بمقارنة جداول المناوبات قبل الحمل وبعده لرصد أي ارتفاع مفاجئ، وثانيها المحور الشخصي بإثبات استهداف الطبيبة دون زميلاتها، وصولاً إلى المحور الوثائقي من خلال المراسلات والتظلمات التي تكشف الدوافع الحقيقية، ولهذا تنصح بضرورة ترك أثر قانوني ورفض المناوبة كتابةً مع ذكر السبب القانوني، وإخطار النقابة الوطنية للأطباء المقيمين ومفتشية العمل”.
وتختم المتحدثة قائلةً: “على صعيد الالتزامات الدولية، تجدر الإشارة إلى أن الجزائر صادقت على الاتفاقية رقم 183 لمنظمة العمل الدولية التي تُلزم الدولة بحظر مطلق لأي شكل من أشكال التمييز المرتبط بالأمومة، واعتبار أي ضغط انتهاكاً دولياً. كما أن المادة 18 من الميثاق الأفريقي تُلزم بحماية الأسرة، وأي إجراء يُضعف قدرة الأم على رعاية رضيعها يُعد انتهاكاً مباشراً. وبإجراء مقارنة تشريعية، نجد الجزائر هي الدولة الوحيدة التي تكفل عطلة أمومة بين 98 إلى 150 يوماً مقارنة بفرنسا وتونس والمغرب، لكن الأستاذة زميت عائشة تختتم قراءتها بالتأكيد على أن الإشكال الحقيقي يكمن في الفجوة بين النص والتطبيق، وهي جوهر ما يجعل مناقشة هذا الموضوع ضرورة ملحة في ظل ارتفاع عدد ضحايا التعسف الإداري”.
الطبيبات المقيمات في صرخة استغاثة
“أشعر أنني أعمل في نظام استعباد حقيقي”؛ بهذه الكلمات الصادمة بدأت الطبيبة المقيمة في جراحة الأطفال، “تبريز”، حديثها لمنصة “هنّ” لتصف واقعاً يتجاوز طاقة البشر؛ حيث تضطر تبريز للعمل 24 ساعة متواصلة مقابل تعويض مادي زهيد لا يتجاوز 2800 دج، تجد نفسها خلالها مرغمة على فحص ما بين 150 إلى 200 مريض وتشخيص حالاتهم والدخول لغرف العمليات في نفس المناوبة.
هذا الضغط يترك ندوباً جسدية لا تُمحى، إذ تصف حالتها قائلة: “بعد المناوبة أشعر كأنني ثملة، وعقلي يتوقف عن التفكير السليم.. لقد عانيت من تقلصات عضلية وآلام حادة في صدري جعلتني أقصد طبيب القلب خوفاً من توقفه المفاجئ”.
ولا يتوقف الاستنزاف عند الإنهاك الجسدي، بل “يمتد ليشمل حرماناً ممنهجاً من الحقوق القانونية الأساسية”، وهو ما تؤكده الطبيبة المقيمة “ملاك” لمنصة “هنّ”، والتي كشفت عن واقع مرير في مصالح الأشعة: “في بعض المصالح المكتظة، قد يصل عدد المرضى الذين يفحصهم المقيم بمفرده إلى 100 مريض خلال المناوبة الواحدة، ومع ذلك نُحرم من حقنا المطلق في راحة ما بعد المناوبة؛ حيث نُجبر على مواصلة العمل مباشرة رغم أن هذا الحق مكفول قانوناً”. وتضيف ملاك بلسان زملائها في تخصصات الأشعة: “نحن نواجه خطراً إضافياً يهدد سلامتنا وهو التعرض المستمر للأشعة، خاصة في الأشعة التداخلية، ورغم أننا نملك الحق في عطلة الأشعة للوقاية، إلا أن رؤساء المصالح يحرمونا منها تعسفياً، مما يضاعف المخاطر الصحية علينا”.
أما “رانية” (اسم مستعار) طبيبة مقيمة سابقا، التي تصف شعور الفزع والتهديد الإداري الذي يحول المناوبات إلى أداة للعقاب فتقول لمنصة “هنّ”: “نواجه ضغطا عاطفياً مستمراً، حيث يتم تهديدنا بزيادة المناوبات الليلية كعقوبة، بذريعة أننا لا نبذل جهداً كافياً”.
وهنا، يتضح وفق مصادر حقوقية أن “هذا المثلث من المعاناة بين الأجر الزهيد، والتهديد الإداري، وسلب الحقوق الوقائية هو ما دفع الأطباء المقيمين للمطالبة بمراجعة فورية لنظام العمل، معتبرين الصمت الإداري تواطؤاً في إزهاق أرواح الكفاءات الشابة”.
وفي هذا الصدد، صرّح الطبيب المقيم والمدافع عن حقوق الأطباء المقيمين، يوسف بشيخ لمنصة “هنّ” واصفاً المشهد من الداخل: “إن من أبرز الانتهاكات التي نعيشها هي حرمان الطبيبة المقيمة من حقها في عطلة أمومة كاملة؛ إذ لا تُمنح في الغالب سوى شهر واحد فقط في السنة”
وذكّر بشيخ بحالة “زميلة لنا في اختصاص النساء والتوليد تعرضت لحادث واضطرت لأخذ عطلة لمدة شهرين، وعند عودتها واجهت تهديداً صريحاً بالطرد من مسؤولة القسم. فالطبيبات الحوامل لدينا يعملن في مناوبات تصل إلى 30 ساعة متواصلة كبقية الأطباء، دون أي مراعاة لصحتهنّ أو صحة الجنين، بل إن شكاويهنّ لا تُؤخذ بعين الاعتبار ويُعاملن دون أي حماية خاصة”.
ليؤكد أنه “إلى جانب هذا الاستنزاف، نجد أنفسنا عرضة لتهديدات مباشرة في ظل غياب الأمن داخل المستشفيات؛ حيث يفرض منطق البلطجة نفسه. لقد شهدنا حالات اضطر فيها الفريق الطبي لإجراء عمليات جراحية تحت تهديد السلاح من قِبل عصابات أحياء أو مرافقي مرضى أثاروا الفوضى لتقديم موعد الجراحة. هذا الوضع يضع زميلاتنا الطبيبات خصوصاً في مواجهة مرعبة مع أشخاص تحت تأثير المهلوسات خلال المناوبات الليلية دون أي حماية أمنية تحمي حياتهن.”
أما عن نظام العمل، فيرى بشيخ أن “نظام المناوبات ضروري لكن يجب ألا تتجاوز 24 ساعة كحد أقصى، والأفضل تقسيمها لنظام 12 ساعة لضمان تركيزنا في القرارات التي تفصل بين الحياة والموت؛ فإضافة 12 ساعة من التعب فوق الطاقة البشرية لا تحقق أي فائدة تعليمية كما تدّعي الإدارة، بل هي مجرد وسيلة لسد العجز الإداري وسوء التنظيم. وتُستخدم المناوبات في العديد من المصالح، وخاصة الجراحة والولادة، كوسيلة لعقاب الأطباء الذين يطالبون بحقوقهم أو يرتكبون أخطاءً بسيطة ناتجة عن الإرهاق. وبسبب غياب نص قانوني يحمينا من تسلط رؤساء المصالح، يضطر أغلب المقيمين في نهاية المطاف إلى الخضوع والقبول بالظلم ضماناً لمسارهم المهني وتفادياً للمضايقات”.
ويخلص قائلا: “بناءً على هذا الواقع المرير، فإننا كأطباء مقيمين نرفع مطالبنا بوضوح للجهات الوصية، وعلى رأسها ضرورة التقنين الفوري لحق راحة ما بعد المناوبة ومنع إجبار الطبيب على العمل مباشرة بعدها، مع تثبيت حق العطلة المرضية أسوة بباقي التخصصات دون تقييدها بشهر واحد سنوياً. كما نشدد على وجوب تحديد حقوقنا وواجباتنا في وثيقة قانونية مكتوبة وواضحة تحمينا من التعسف، بالتوازي مع توفير حماية أمنية فعلية داخل المستشفيات عبر وحدات شرطة حقيقية قادرة على التدخل، بدلاً من الاعتماد على حراس يفتقرون للقدرة على حماية أنفسهم؛ إذ أصبح تأمين بيئة العمل اليوم ضرورة قصوى لا تقبل التأجيل لحماية الأطقم الطبية وضمان سلامة المرضى.”
التبعات الاجتماعية لتحويل الطب إلى آلة إنتاج باردة
في السنوات الأخيرة أصبحت مهنة الطب مؤنثة إلا أن القوانين ظلت جامدة ولاتأخذ بعين الاعتبار الخصائص البيولوجية للنساء، فلا تتوقف مأساة الطبيبات المقيمات عند حدود جدران المستشفيات، بل تمتد لتشمل النسيج الاجتماعي، محولةً الممارسة الطبية من رسالة إنسانية إلى آلة إنتاج باردة لا تقيم وزناً لخصوصية الطبيبة.
وفي هذا السياق، ترى الباحثة في علم اجتماع التربية، يمينة بودلاع، في تصريحها لمنصة “هنّ”، أن “سلطة الإدارة في بيئات العمل المؤنثة تتحول إلى أداة لممارسة العنف الرمزي؛ حيث يتم استغلال طبيعة المرأة الصبورة وجديتها العالية في العمل؛ لفرض ضغوط لا تُطاق، مع التلاعب بمشاعرها لإشعارها بأن التضحية بصحتها ووقتها هي المقياس الوحيد لنجاحها المهني”
وتؤكد بودلاع أن “الإدارة غالباً ما تستغل جدية النساء لممارسة الضغط عليهن”، مشيرة إلى أن استخدام “الواجب المهني كذريعة للقمع يتجلى بوضوح عند تجاهل الحقيقة البيولوجية والجهد البدني للمرأة، مما يجعل تعبها صامتاً وعميقاً”.
وعلاوة على ذلك، تفكك الباحثة التناقض السوسيولوجي في نظرة المجتمع للمرأة العاملة، مشددة على أن “خروج المرأة للعمل في مهنة نبيلة كالطب هو ثمرة سنوات طويلة من التحصيل العلمي، ولا يمكن اعتباره مبرراً للتعرض لـ’الحقرة’ أو العنف”.
وتستطرد قائلة: “إن عمل المرأة هو حق مكتسب عن طريق التعليم والجهد، ومن غير المقبول تبرير العنف أو غياب الأمن المهني بمجرد حقيقة أنها اختارت ممارسة هذا الحق؛ فمن غير المنطقي سوسيولوجياً أن يمنح القانون المرأة الحق في التعليم ثم يلومها المجتمع عندما تمارس حقها في العمل بدعوى أنها هي من اختارت ‘المخاطرة’ وهي نظرة دونية تبرر البلطجة وغياب الأمان المهني وتضع عبء الحماية على كاهل المرأة وحدها بدلاً من الدولة والمجتمع”.
وفي سياق متصل، تسلط بودلاع الضوء على الصدام الوجودي بين طبيعة المرأة كأم وبين منطق العمل الميكانيكي، واصفة حرمان المرأة من حقوقها الطبيعية في الراحة والتقدير بأنه نوع من “الإقصاء الممنهج” الذي يحاول طردها من الفضاء العام.
ومن زاوية إنسانية عميقة، تختتم الباحثة رؤيتها بالتأكيد على أن جوهر العمل يجب أن يقوم على الرحمة قبل القوانين الجامدة، قائلة: “إننا نتعامل مع أرواح لا مع أدوات صماء، و الاعتراف بإنسانية المرأة وتعبها هو أساس نجاح أي مجتمع… فالمناصب والمكاسب تزول، ولن يتبقى في النهاية سوى أثر تلك المواقف الرحيمة والتفهم الإنساني الذي قُدم في لحظات التعب، لكي لا يتحول العمل من رسالة لإنقاذ الأرواح إلى سجن يقتل إنسانية الفرد ويهدم روحه المخلصة التي تحاول دائماً تقديم أفضل ما لديها”.
هذا، وتلتقي كافة المصادر التي حدثتها منصة “هنّ” على “ضرورة المراجعة الجذرية للقوانين المنظمة لعمل الطبيبات المقيمات، لضمان مواءمتها مع حقوق الأمومة والأمان المهني”.
وتجمع على أن “حماية الأطقم الطبية من التعسف الإداري والاعتداءات الميدانية لم تعد مجرد مطلب فئوي، بل هي شرط أساسي لضمان استمرارية الخدمة الصحية وحفظ الأرواح”.



















