المشاركة السياسية للنساء.. بين تمكينٍ منقوص وطموحٍ مؤجلٍ

يسرى، شابة في مقتبل العمر، مفعمة بالحيوية والتفاؤل والطموح، بنظرة بريئة كبراءة رضيعة تكتشف العالم من حولها، وعينين ملؤهما الشغف والفضول، تخطو أولى خطواتها في عالم السياسة، كان ذلك في كنف حزب يساري، مغمور، لم يحقق الكثير، انخراطها في شبيبته كانت فرصتها لتدلي بدلوها، كانت تطمح إلى التغيير، تؤمن حد الخشوع بمبادئ اليسار والتقدم، لكن الإحباط أصابها في مقتل عند منتصف الطريق.

في حديثها مع منصة “هنَّ”، اختارت هذا الإسم المستعار “يسرى”، أولا لكونه يعبر حرفيا عن التوجه اليساري الذي تؤمن به، وثانيا لأنها تخاف أن يقرأ لها سطر مما تقول بهوية مكشوفة، فتتحمل العواقب، كما تحفظت يسرى عن ذكر الحزب المعني، وكذا السن، والمدينة التي تنتمي إليها، حتى تتحدث بارتياح، وتفتح قلبها بطمأنينة إلى قارئات وقراء هذه المنصة.

“من يقول إن النشاط الحزبي ذو نفع أو إنه تكوين للشباب والنساء في المجال السياسي، لا يعرف حقيقة الأمور، فالأحزابُ جميعها صنف واحد، يؤثثون المشهد بنا، وحين تنتهي مصالحهم يتم الاستغناء عنا ببرودة دم وراحة ضمير، لسنا إلا ديكورا على خشبة مسرحية مملة، لا أقل ولا أكثر”، هكذا تلخص يسرى المشهد الحزبي في المغرب.

وتقول يسرى هذا الكلام والألم يعتصر قلبها، فهي التي كانت تطمح إلى مستقبل أفضل، وتغيير تساهم فيه انطلاقا من هذا التنظيم السياسي، لم تكن يسرى تفلت أي لقاء أو اجتماع أو حدث إلا وتتواجد في الصفوف الأولى، لطالما حملت مكبر الصوت في المظاهرات حتى شقت حنجرتها، لطالما سهرت الليالي في إعداد البيانات والمداخلات، لطالما دفعت من مالها ووقتها دون أن تنتظر مقابلا، كانت مخلصة لما تقوم به، لكن التنظيم لم يكن مخلصا لصدقها وصفاء سجيتها.

تستدرك يسرى: “لن ألوم الحزب، فهو تنظيم تاريخه حافل بالإنجازات، وله سمعة طيبة، حيث يعد رمزا من رموز النضال، وإن لم يظفر قط بأي تمثيلية، ولم تتح له الفرصة ليكون عضوا لا في الحكومة ولا حتى في المعارضة، غير أن المشكلة ليست في الحزب ذاته، بل في مسيريه وقياداته”.

بمجرد أن تألقت يسرى داخل الشبيبة، وصعدت في سلم المراتب والمهام، اندلعت ضدها حروب بكل الأشكال: “كنت أشق طريقي لأقود الشبيبة محليا، ثم وطنيا، فإذا بالكل أصبح ضدي، حتى وإن حصلت على غالبية الأصوات، حتى حين يثق بي الجميع، هناك قلة قليلة، حاكمة، تكون لي بالمرصاد، لتحبطني، وتقض مضجعي، وترغمني على الانسحاب والتنازل، في خرق سافر للمبادئ الديمقراطية التي يؤمن بها الحزب، كذلك كان الحال حتى وجدت نفسي أقدم استقالتي، وأرحل دون عودة”.

تحكي يسرى كيف كانت تتعرض للتمييز لكونها شابة أنثى، حيث لا تؤخذ آراؤها على محمل الجد، خصوصا وأن البعض لا يعترف بها كقيادية، ويفعل المستحيل ليقلل من شأنها حتى تضطر للصمت والتنازل، حاولت يسرى أن تشتكي إلى أعلى هيئة بالحزب من أجل النظر في هذا الوضع، لكنها لم تجد أي أذن صاغية.

شعلة يصيبها الإحباط واليأس

عزيزة البقالي، نائبة رئيسة “منتدى الزهراء للمرأة المغربية”، والقيادية بحزب العدالة والتنمية (المعارض)، تأسفت، في حديثها مع “هنَّ” لما حصل مع يسرى، مؤكدة، في الوقت ذاته، على أن “هذه التجربة لا يجب أن تنال من طموح النساء الشابات اللواتي يحلمن الالتحاق بالسياسة، بل ينبغي أن يكون طموحهن قويا، وأن يقتدين بتجارب سياسيات بارزات”.

الانخراط في تجربة سياسية ناجحة من لدن النساء في المغرب ليس أمرا مستحيلا ولا مستعصيا بالنسبة للبقالي، بل “إن هناك العديد من الجمعيات والبرامج التي تهتم بتشجيع المشاركة السياسية للنساء والشابات على الخصوص، وتعمل على النضال من أجل رفع التمثيلية السياسية للنساء، لذا يمكنهن اللجوء لتلقي التدريب وتوفير الدعم والمشورة”.

وتتابع البقالي مخاطبة الشابات الطموحات، ومنهن يسرى: “أنتن معنيات بالسياسة، فصناعة القرار تؤثر على حياتكن اليومية ومستقبلكن، ومشاركتكن فيها حق وواجب تجاه وطنكن لبناء ديمقراطية حقيقية تمثل جميع مكونات المجتمع. لذا كن حريصات على الانضمام إلى الحزب السياسي أو الإطار الجمعوي الملائم لقناعاتكن، والذي يؤمن بقدراتكن، وناضلن من أجل أن يعكس المشهد السياسي حقيقة طاقات النساء المغربيات. وأقبلن على دروب العلم والتعلم والتأهيل الذاتي، فالكفاءة هي أقوى رد على التمييز”.

في المقابل، ترى البقالي أنه على الأحزاب السياسية تحمل مسؤوليتها في احتضان النساء الشابات، لا تنفيرهنَ من الفعل السياسي بأساليب هادمة، وذلك من خلال “تبني ديمقراطية ضمان تمثيل النساء تصل إلى 40 في المائة في جميع هياكلها القيادية، ووضع برامج لتقوية القدرات في الخطاب السياسي، التواصل والقيادة، وإدارة الحملات الانتخابية، والمالية العامة، ثم تخصيص جزء من ميزانية الحزب لدعم الحملات الانتخابية للنساء، وتقوية شفافية آليات الترشيح والتزكية داخل الأحزاب السياسية، بما يمكن النساء المناضلات من ذوات الكفاءة والخبرة، من الترشح على رأس الدوائر المحلية ذات الحظوظ الأوفر للفوز”.

“على الأحزاب تحمل المسؤولية”

وعن مسار المشاركة السياسية للنساء بالمغرب، أبرزت البقالي أن أول دستور بعد الاستقلال أقر بمبدأ المساواة بين النساء والرجال في الحقوق السياسية، إلا أن “النساء غبن عن المؤسسات المنتخبة لسنوات طويلة، ولم يلجن البرلمان إلا بعد ثلاثين سنة من هذا التاريخ، بامرأة واحدة فقط في سنة 1993، قبل أن يتعزز حضورهن لاحقا في عدد من المؤسسات المنتخبة بعد اعتماد عدد من تدابير التمييز الإيجابي، على رأسها مبدأ ‘الكوطا’، بما يشمل البرلمان بغرفتيه والجهات والجماعات الترابية، وفي مرحلة لاحقة مجالس العمالات والأقاليم”. 

وأوضحت البقالي أن “هذا التطور جاء في سياق تفعيل مقتضيات دستور 2011 الذي شكل منعطفا هاما في مسار تكريس حقوق المرأة ومشاركتها المدنية والسياسية، مشيرة إلى تعزيز تمثيلية النساء في الانتخابات الأخيرة سنة 2021 بشكل ملحوظ”.

من جهتها، تشاطر ابتسام العزاوي، العضو بمجلس جماعة مدينة الرباط والمستشارة بمقاطعة أكدال عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (المعارض)، البقالي الرأي، معتبرة أن “المغرب خطا خطوات مهمة جدا على درب دعم التمثيلية السياسية للنساء وإشراكهنَ في مجال العمل السياسي”، كما أكدت، بدورها، أن “دستور 2011 ينص على المساواة الكاملة، ويدعم المشاركة السياسية للنساء”.

واعتبرت العزاوي، في تصريحها لـ”هنَّ”، أن كل هذه المنجزات والمكتسبات هي “نتاج لنضالات المرأة المغربية على مر عقود من الزمن من أجل تمكينها من كافة حقوقها، وبفضل دعم الملك محمد السادس الذي يساند المرأة المغربية ويدعم تمكينها في مختلف مناحي الحياة العامة”.

وبيد أن إشراك المرأة في العمل السياسي مسار مليء بالمنجزات التي يتعين تحصينها، ترى العزاوي، في الوقت ذاته، أنه “مسار يستدعي انتزاع مكاسب إضافية تعزز مكانة المرأة في المشهد السياسي الوطني”.

“فُوض إلي اختصاص مبتور ولم أقبل به”

شرفات أفيلال، القيادية بحزب التقدم والاشتراكية، التي سبق وأن شغلت منصب كاتبة الدولة المكلفة بالماء في حكومة سعد الدين العثماني، (النسخة الثانية من حكومة العدالة والتنمية)، تعترف، رغم انتمائها إلى حزب معارض، بأن “الحكومة الحالية نصبت نساء في حقائب وزارية كانت حكرا على الرجال في الماضي، وهي حقائب استراتيجية مثل المالية والسياحة والسكنى والتعمير والطاقة والمعادن”، مشيرة إلى أنه ولـ”أول مرة نرى وزيرات يتمتعن بسلطات فعلية واختصاصات مهمة، بخلاف الحكومة السابقة التي ضمت عددا كبيرا من كاتبات الدولة بدون صلاحيات أو تأثير على السياسات العمومية”.

وأضافت أفيلال، في حديثها لمنصة “هنَّ”، أن “هناك قطاعات أخرى لم تعين فيها أي امرأة”، معربة عن أملها في أن يتم تدارك الأمر مستقبلا، لأن هناك نساء قادرات على إدارة جميع القطاعات التي يديرها الرجال حاليا، مؤكدة على أن “المشكلة ليست في الكفاءة بل في الإرادة السياسية”.

وأوضحت أن “حكومة سعد الدين العثماني السابقة ضمت حوالي ثماني كاتبات دولة، 90 في المئة منهن ظللن طيلة ثلاث أو أربع سنوات بدون اختصاصات واضحة، رغم تعيينهنَ من طرف الملك وأدائهنَ القسم”، مشددة على أن “الوزراء المشرفين على القطاعات رفضوا تفويض أي اختصاص لهن”، “أنا شخصيا فُوض إلي اختصاص مبتور ولم أقبل به”، تستطرد أفيلال.

“نحتاج انتزاع مكاسب إضافية”

أما في البرلمان، أفادت أفيلال أن نسبة النساء في مجلس النواب تبلغ حوالي 24.3 بالمائة في مجلس النواب و22.7 بالمائة في مجلس المستشارين، مشيدة بهذا التقدم الطفيف الذي تحقق، ومعتبرة، في الوقت ذاته، أنه يبقى غير كاف، ويستدعي مزيدا من الجهود لتعزيز الحضور النسائي داخل المؤسسة التشريعية.

من جهتها اعتبرت العزاوي أن المغرب وصل اليوم إلى نوع من النضج والتراكم الغني في مجال المشاركة السياسية للنساء داخل البرلمان، مؤكدة أن مشاركة النائبات البرلمانيات أساسية ومهمة جدا، وهو ما تثبته الدراسات الحديثة والإحصائيات المرتبطة بالبرلمان المغربي، إذ تبين أن النساء البرلمانيات هنَّ الأكثر حضورا ونشاطا والأكثر طرحا للأسئلة الموجهة التي تلامس نبض المجتمع وتعالج قضاياه الحقيقية بشجاعة وجسارة مسؤولة

وأوضحت العزاوي أن “النائبات البرلمانيات حاضرات بقوة في مختلف مناحي العمل البرلماني، سواء في التشريع أو مراقبة العمل الحكومي أو تقييم السياسات العمومية أو في أشغال اللجان والمناقشة والترافع والتدافع الإيجابي، إضافة إلى أدوارهن في مجال الدبلوماسية البرلمانية”.

وعن إمكانية وجود تمييز ضد النساء داخل القبة، أشارت العزاوي، التي كانت بدورها برلمانية في السابق، إلى أن “العمل البرلماني يقوم على الانضباط داخل الفِرق وليس على الرقابة، وأنا شخصيا لم يسبق لي أن شعرت بأي تمييز بيني وبين أي فاعل سياسي رجل”.

“ما يميز النساء البرلمانيات هو حضورهنَ واشتغالهنَ والتقدير الذي يحظينَ به من المواطنات والمواطنين؛ بفضل مشاركتهن وترافعهن بصدق وأمانة، دفاعا عن القضايا الوطنية بأفضل صورة”، تؤكد العزاوي.

“البرلمانيات حاضرات بقوة” 

من جهة أخرى، أبرزت العزاوي أن هناك العديد من المنجزات التي تحققت في مجال تعزيز المشاركة السياسية للنساء، من قبيل إقرار تشريعات تنص على كوطا خاصة بهن، سواء على مستوى قانون الانتخابات الذي أقر لوائح جهوية للنساء لضمان حد أدنى من التمثيلية داخل البرلمان، أو كوطا في حدود الثلث داخل المجالس الترابية ومختلف الهيئات المنتخبة من جماعات وجهات ومجالس عمالات وأقاليم ومقاطعات، إضافة إلى ما نص عليه قانون الأحزاب السياسية من ضرورة ألا تقل نسبة النساء عن الثلث في كافة الهيئات التقريرية للأحزاب.

ولا تتفق أفيلال مع هذا الطرح، حيث ترى أن تواجد المرأة في المجالس المنتخبة لا يزال محتشما، رغم تنفيذ هذا المبدأ بشكل جزئي، إذ لا تنكر أن هناك تقدما على مستوى عدد النساء في الجماعات الترابية، إلا أن هذا التقدم يظل محدودا على صعيد الوظائف الانتخابية والمسؤوليات الفعلية. 

وأكدت أن النسب لا تزال ضئيلة جدا، “فعلى سبيل المثال من بين 12 جهة، تترأس امرأة واحدة فقط جهة واحدة، أنا على مستوى المدن الكبرى، هناك تقدم نسبي حيث تسير ثلاث مدن ثلاث نساء، بينما على مستوى الجماعات الترابية يظل عدد النساء اللواتي يتولين تسيير الجماعات ضعيفا جدا. وفي المجالس الإقليمية، هناك امرأة واحدة فقط، ما يعكس أن ولوج النساء لهذه الوظائف الانتخابية ظل محدودا جدا بل شبه منعدم” على حد قولها.

وأضافت أفيلال أن القوانين شجعت الأحزاب على ترشيح النساء أو وضعهن في مناصب المسؤولية، لكن على مستوى الوظائف الانتخابية لا توجد إجراءات قانونية مماثلة، مما يشكل عائقا أمام وصول النساء إلى رئاسة الجماعات الترابية أو الجهات، أو تولي الأجهزة التقريرية داخل البرلمان. 

وأكدت على أن هذا الوضع يمكن استدراكه في الانتخابات المقبلة من خلال وضع إجراءات قانونية حازمة لضمان المناصفة في تسيير الجماعات الترابية، مشيرة إلى أن الهيئات التقريرية تتحمل مسؤوليات كبيرة، وتمكين النساء من هذه المناصب سيضمن وضع سياسات تدبيرية تخدم قضايا النساء والطفل.

نضج في مبدأ “الكوطا”

وبالعودة للحديث عن مبدأ التمييز الإيجابي، شددت العزاوي على أن المغرب وصل إلى نوع من النضج في مبدأ الكوطا، التي مكنت من ضمان الحد الأدنى من حضور النساء داخل المؤسسة البرلمانية، معتبرة أن هذا مكسب مهم للغاية، خاصة أن نسبة النساء في البرلمان تبلغ حاليا حوالي 24 في المائة، وهو ما يضع المغرب في حدود المعدل العالمي.

“حظيت شخصيا بشرف الولوج للمؤسسة البرلمانية عن طريق كوطا الشباب في 2016، لكن في 2021 قررت أن أخوض غمار الانتخابات المحلية ليس عن طريق الكوطا المحلية ولكن كقائدة في اللائحة المحلية، أي كوكيلة للائحة الرئيسية، واعتبر أن هذا ما هو مطلب ونجحنا في هذا بحيث أنني عضوة الآن في مقاطعة أكدال الرياض وعضوة في مجلس مدينة الرباط”، تضيف العزاوي متحدثة عن مسيرتها السياسية.

من جهتها، اعتبرت أفيلال أن مبدأ “الكوطا” أو التمييز الإيجابي، الذي جرى إقراره منذ سنة 2002، شكل قفزة نوعية في المشاركة السياسية للنساء لا يمكن إنكارها، سواء على مستوى البرلمان أو الجماعات الترابية، بفضل الآليات المعتمدة كاللائحة الوطنية واللائحة الجهوية أو اللوائح الإضافية واللوائح الخاصة بالنساء التي اتخذت تسميات متعددة، وهو ما ساهم في رفع نسب مشاركة النساء بشكل ملحوظ.

وأكدت أفيلال أن التجربة الممتدة على مدى عشرين إلى اثنين وعشرين سنة أفرزت نتائج مهمة جدا، حيث شهدت المشاركة السياسية للنساء قفزة متميزة عكست التراكم الإيجابي الذي تحقق، معتبرة أن هذا المسار يؤكد قدرة المرأة المغربية على إثبات حضورها الفعلي والفاعل في مختلف مستويات العمل السياسي والمؤسساتي.

“على الأحزاب تقوية حضور النساء”

صحيح أن مبدأ الكوطا مكن العزاوي من خوض تجربتها السياسية الأولى داخل البرلمان، وأنها تعتبره إيجابيا وأداة أساسية لضمان حضور النساء في المؤسسات المنتخبة، إلا أنها تؤكد، في المقابل، أن هذا المبدأ يظل آلية مرحلية ينبغي أن تفتح الطريق أمام الوصول إلى المناصفة الكاملة، عبر تعزيز مكانة المرأة بالاعتماد على كفاءتها وتجربتها ومقدرتها على خوض غمار المنافسة السياسية بشكل متكافئ مع الرجل.

“إلى متى سنظل رهينين ومعتمدين على هذه الآلية؟ أنا أعتبر أن الكوطا هي آلية مرحلية وليست هدفا في حد ذاته، آلية مرحلية من أجل دعم النساء والفاعلات السياسيات من أجل ولوج البرلمان، لكن عن طريق الاقتراع المباشر، عن طريق تكافؤ الفرص بين الفاعل السياسي الرجل والفاعلة السياسية المرأة، هذا هو الأصل”، تضيف العزاوي.

واعتبرت أنه لا تزال هناك معيقات وإشكالات حقيقية من أجل أن تنتزع الفاعلة السياسية مقعدها عن طريق الاقتراع المباشر وليس من خلال آليات التمييز الإيجابي عن طريق “الكوطا” أو غيرها.

“أعتقد أنه من الممكن أن تتبارى النساء على أسس الكفاءة والاستحقاق، أنا لا انتصر للمراة على أساس أنها امرأة فقط وإنما طبعا أعتبر أن الكلمة الحسم يجب أن تكون للكفاءة والاستحقاق ولمن يستطيع أن يمثل على أفضل وجه متطلبات وطموحات مغربيات ومغاربة اليوم”، تتابع العزاوي.

وتساءلت العزاوي: “إلى متى سوف نظل رهينين أو معتمدين على هذا المبدأ؟ وما هي الاستراتيجية الكفيلة بتمكين النساء بشكل حقيقي وفعلي لولوج المجالس المنتخبة بشكل مباشر؟”، مؤكدة أن هذه مسؤولية الأحزاب السياسية، حيث “لا يمكن انتظار الأسابيع الأخيرة من كل استحقاق انتخابي للقول إن المناخ غير مساعد على تمكين النساء بشكل مباشر، أو الاقتصار على ترشيحهن ضمن لوائح الكوطا”.

وأوضحت العزاوي أن الاشتغال يجب أن يبدأ من اليوم الموالي للانتخابات، عبر تقوية حضور النساء على المستويات المحلية بدينامية فعلية ودائمة، من خلال تأطير الساكنة المحلية والشباب وتشجيعهم على الانخراط في الشأن السياسي ودعم حظوظ النساء وتقوية قدراتهن القيادية. 

كما أكدت على ضرورة قيام الأحزاب بعملية مسح جغرافي للكفاءات النسائية المهمة والعمل معها بمساحة زمنية كافية لدعم حضورهن على المستوى المحلي، ليكن قادرات على قيادة لوائح محلية والولوج بشكل مباشر

“استغلال العلاقات العائلية والنفوذ الشخصي”

من جانبها، وضعت أفيلال الأصبع على إشكالية أخرى تتعلق باستغلال العلاقات العائلية والنفوذ الشخصي في الترشيحات، مؤكدة أن هذا الاختلال البنيوي يمثل تهديدا حقيقيا لمضمون آليات التمييز الإيجابي. 

وأوضحت أن هذه الآليات، التي صممتها الحركة النسائية في البداية لفتح المجال أمام النخب النسائية الوطنية والجهوية، تهدف إلى تمكينهن من المساهمة في صياغة تشريعات عادلة ومنصفة، وضمان مراعاة التشريعات للنوع الاجتماعي واحتياجات النساء، أنا الآن فصارت وسيلة للضغط على الأحزاب لترشيح قريبات أو معارف، ما أدى إلى تحريف محتوى هذه الآليات وتشويه أهدافها.

وأشارت أفيلال إلى أن جزءا مهما من النساء اللواتي ولجن البرلمان عبر اللوائح الجهوية لم يكن يمتلك تكوينا سياسيا أو مسارا مهنيا واضحا في العمل البرلماني، فضلا عن محدودية قدرتهن على الترافع أو الدفاع عن قضايا النساء بفاعلية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على جودة التشريع ومتابعة السياسات العمومية. 

وأضافت أن هذا الوضع أدى إلى تراجع ملحوظ في مستوى التشريع، مع غياب التأثير الحقيقي للنخب النسائية على صنع السياسات العامة.

وأوضحت أفيلال أن الهدف الحقيقي من هذه الآليات ليس إدراج الأقارب فقط، بل تمكين النساء ذوات الكفاءة من التأثير في العمل التشريعي ومراقبة العمل الحكومي، بما يضمن تحقيق سياسات عمومية عادلة ومنصفة للنساء. 

“الاستغناء عن مبدأ الكوطا قد يضع المشاركة السياسية للنساء في مأزق”

أما البقالي فترى أن المغرب اعتمد آلية الكوطا، على غرار العديد من الدول، كإجراء مرحلي وانتقالي لضمان وجود حد أدنى من التمثيلية النسائية، إلا أن مسار تطبيقه لم يصل بعد إلى مرحلة تمكن من الاستغناء عنه والتأسيس لمرحلة الانتقال إلى الوضع الطبيعي الذي تترشح فيه النساء والرجال دون الحاجة إلى آليات خاصة، حسب تعبيرها. 

وأكدت البقالي أن التراجع عن الكوطا في الوقت الحالي قد يؤدي حتما إلى تراجع كبير في عدد النساء في المؤسسات المنتخبة، كما أظهرت بعض التجارب المقارنة، لكنها شددت على ضرورة تطوير آليات تحفيزية لدعم الانتقال التدريجي للتخلي عنها.

واقترحت البقالي تخصيص نسبة 2 بالمائة من دعم الدولة للأحزاب السياسية لفائدة القطاعات والمنظمات النسائية الحزبية بهدف تأطير النساء وتجاوز حالة العزوف التي يعرفها العمل السياسي، خصوصا لدى النساء، كما دعت إلى تخصيص مبلغ مهم من التمويل العمومي للحملة الانتخابية للأحزاب التي ترشح النساء على رأس الدوائر الانتخابية المحلية، باعتبار أن اللوائح المحلية تمثل المدخل الحقيقي للديمقراطية التمثيلية. 

وأضافت البقالي أن تكثيف حملات التوعية والتحسيس والمرافعة أمر ضروري لتغيير العقليات داخل الأحزاب والمجتمع وتشجيع رفع التمثيلية السياسية للنساء، كما شددت على ضرورة مكافحة العنف ضد النساء في المجال السياسي وتأمين الحماية لهن من أي شكل من أشكال العنف أو التمييز.

“أحلم بامرأة كرئيسة للحكومة المغربية”

في ختام حديثها، أعربت العزاوي عن أملها في أن تتولى امرأة قيادة الحكومة المغربية، وأن تترأس البرلمان في المستقبل، معتبرة أن النساء المغربيات عند تقلدهن المسؤولية يتحملنها بكل كفاءة، تفان، وبأمانة واستقامة، ويعملن لخدمة الصالح العام بعيدا عن أي شبهات فساد، ما يجسد قدرة المرأة على أن تكون ركيزة أساسية في تطوير الحياة السياسية بالمغرب.

أما يسرى، الفتاة التي كانت شغوفة بالسياسة، فقد تركت هذا العالم خلفها ونسيت الماضي، فلم يعد لديها أي طموح سياسي، بدأت تشق طريقها في مجال الهندسة، عازمة على بناء مستقبل مهني أفضل، بعيدا عن التعقيدات والصراعات التي عاشتها، ومركزة على تطوير مهاراتها وتحقيق أهدافها المهنية بكل إصرار وتفاؤل.

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • بين الحُب والتجنيد.. قصة شقيقتين مغربيتين في قبضة التطرف بإسبانيا

    في أحد الأحياء السكنية الهادئة بمدينة ألكوركون، على مشارف العاصمة الإسبانية مدريد، تمكّنت السلطات الأمنية من تفكيك ما وصفته بـ”خلية تجنيد نسوية رقمية”، تقودها شقيقتان إسبانيتان من أصل مغربي، في قضية صادمة هزّت الجالية المغربية وأثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الإعلامية والحقوقية. الفتاتان، البالغتان من العمر 19 و21 عامًا، تواجهان تهمًا خطيرة تتعلق بنشر الفكر…

    Hounna | هنّ|

  • المغرب. عندما ينتفض “جيل زد”

    منذ يوم السبت 27 سبتمبر/أيلول، تشهد المملكة مظاهرات يومية لحركة “جيل زد 212”. هذه الاحتجاجات، التي أطلقها شباب مستقلون يرفضون أي انتماء سياسي أو نقابي، نجحت في حشد أعداد هائلة من المتظاهرين. لكن عليها أيضًا مواجهة حدود تنظيمها العفوي، بينما ينتظر الجميع خطاب الملك محمد السادس يوم الجمعة 10 أكتوبر/تشرين الأول. انتشار دعوات الاحتجاج من…

    هاجر الريسوني|

  • العنف الجنسي سلاح حرب صامت في ليبيا.. الناجيات بين الخوف والصمت

    بينما كانت العاصمة الليبية طرابلس تعيش على وقع اشتباكات دامية بين الميليشيات، هزّت جريمة اختطاف وقتل الطفلة رؤيا الرأي العام الليبي. مأساة رؤيا، التي طُويت من دون محاسبة، ليست إلا حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات، على رأسها العنف الجنسي، الذي بات يُستخدم كسلاح حرب صامت لإذلال الخصوم والسيطرة على المدنيين، وسط صمت مخيف وتجاهل…

    رتاج ابراهيم|

  • مشروع قانون الإضراب: “فرملة” لحق دستوري تضاعف معاناة العاملات والأجيرات

    لم يستطع الرفض المجتمعي ولا تحركات المعارضة البرلمانية، ولا جبهة الدفاع عن ممارسة حق الإضراب، التي تضم 18 هيئة نقابية وحزبية، مقاومة تمرير مشروع قانون رقم 97.15 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب. ف في جلسة عمومية بمجلس النواب، تم التصويت على هذا القانون يوم الثلاثاء 24 ديسمبر 2024 بالأغلبية، رغم الجدل المجتمعي الواسع…

    سناء كريم|