“المرض النفسي ليس عيبًا”.. معركة النساء الخفية مع اضطراب ثنائي القطب

لطيفة، شابة من مدينة سلا تبلغ من العمر 38 سنة، تكشف لـ”هنَّ” تن تجربتها مع مرض ثنائي القطب، ذلك المرض النفسي المعقد الذي يرافقها منذ أكثر من عقدين. شهادة لطيفة هي رحلة طويلة من التعايش، مليئة بالصمت والتحمل، وسط مجتمع ما زال يعتبر الاضطراب النفسي وصمة عار، ويضع المريض في خانة مختلفة عن باقي الناس، خصوصا إن كان جنسه أنثى.

تقول لطيفة، بنبرة رقيقة وخافتة: “أنا متعايشة مع المرض، ولو التقيت بي ولم تكوني تعرفين مسبقا أنني مريضة فلن تكتشفي ذلك بنفسك، لأنني لا أصرح للناس أنني مصابة بمرض نفسي مخافة الوصم. أسرتي الصغيرة فقط، إخوتي ووالداي، هم من يعرفون، أما باقي الناس فلا فكرة لديهم، وهذا اختياري الشخصي”.

اضطراب ثنائي القطب مرض نفسي معقد، لا يعرف عمرا محددا، لكنه غالبا ما يظهر في مرحلة المراهقة أو بداية الشباب، ويتميز بتقلبات مزاجية حادة بين الهوس والاكتئاب. هذه النوبات لا تؤثر فقط على المزاج، بل تمتد لتشمل الحياة الشخصية والاجتماعية والمهنية، وتجعل المصابين في رحلة يومية من التحدي والصراع من أجل الحفاظ على التوازن النفسي.

الدراسات الحديثة تشير إلى أن “النساء أكثر عرضة للإصابة بهذا الاضطراب مقارنة بالرجال، بسبب التغيرات الهرمونية المرتبطة بالدورة الشهرية والحمل وما بعد الولادة، وحتى مرحلة انقطاع الطمث”. 

هذه التغيرات تؤثر مباشرة على نشاط الدماغ، وتزيد من احتمال حدوث نوبات الاكتئاب والهوس، ما يجعل المرأة تواجه المرض بشكل مختلف وأكثر تعقيدا من الرجل.

تقول لطيفة إن البداية تعود إلى سنة 2003 حين تعرضت لطيفة لانهيار عصبي مفاجئ استدعى نقلها إلى المستشفى، حيث قضت خمسة عشر يوما تحت المراقبة والعلاج، آنذاك، لم تكن تعرف اسم المرض، وكان الطبيب يكتفي بوصف حالتها بأنها “اضطرابات في المزاج”. 

ومنذ ذلك الحين، بدأت لطيفة رحلة العلاج بالأدوية، رحلة ستدوم طويلا، حيث لم يتم التشخيص الدقيق لحالتها إلا سنة 2012، حين أخبرها الأطباء أنها مصابة باضطراب ثنائي القطب، وهو مرض يجعلها تتأرجح بين حالات من السعادة المفرطة غير الطبيعية (الهوس)، وفترات من الحزن العميق والاكتئاب. 

تقول لطيفة: “في الفترات العادية أبدو طبيعية تماما، لا شيء يفضح مرضي، لكن عند الانتكاسة يتغير الأمر. أكثر ما يكشف حالتي هو اضطراب النوم، فإذا فقدت النوم أدخل مرحلة المرض وأصبح مهيجة على غير العادة”.

ولأنها واعية بطبيعة مرضها، اختارت لطيفة أن تكون يقظة، فكلما أحست ببوادر الانتكاسة عادت إلى الطبيب لتعديل جرعات الدواء “حتى تنتظم الهرمونات”، على حد تعبيرها، لكنها في المقابل قررت أن تبقي أمر مرضها سرا، لأن المجتمع –كما تقول– لا يرحم.

“في البداية، إذا صرحت للناس، ربما يتعاطفون ويقولون أني مسكينة، لكن بعدها يتغير كل شيء، ويصبح أي تصرف بسيط غير عادي مبررا للقول بأني مختلة عقليا أو حمقاء،: آه، لهذا فضلت أن أعيش حياتي بشكل طبيعي، دون حاجة لإعلان مرضي”، توضح لطيفة.

بسبب مرضها، تخلت لطيفة عن الدراسة لتتفرغ لحصص العلاج، إذ صادف الانهيار العصبي الأول لديها فترة امتحانات البكالوريا سنة 2004، “لم أتمكن من اجتياز الامتحان، والطبيب حينها نصحني بعدم متابعة الدراسة، وهكذا توقفت مسيرتي الدراسية، وبقيت في البيت عاما كاملا. لكن بعد ذلك، اخترت أن تبحث عن عمل رغم الظروف، وإن براتب هزيل”، تردف لطيفة. 

رغم هذه المسيرة المتقلبة، تظل لطيفة متفائلة، تقول: “أنا بطبعي مرحة، وهذا يجعل شخصيتي تتغلب على المرض، صحيح أن الحزن يزورني أحيانا. لكنني حين أشعر به ألجأ إلى الله، أصلي وأطلب منه العون، والجانب الإيماني يقويني كثيرا”.

تحرش واستغلال

لكن معاناتها لا تقتصر على المرض وحده، بل تمتد إلى نظرة المجتمع وسلوك بعض الأطباء. فهي تؤكد أن المعاملة في المستشفيات تعتمد كثيرا على المريض نفسه، “إذا تقبلت العلاج وتعاملت بعقلانية، يعاملك الطاقم الطبي بشكل جيد. أما إذا كنت عنيفة أو رافضة، فالمعاملة تتغير”. 

غير أن الصدمة الكبرى بالنسبة لها كانت مع طبيب نفسي تعرفه منذ سنوات، تحول من ملاذ يفترض أن يكون آمنا إلى شخص يستغل هشاشتها ويتحرش بها. تحكي لطيفة: “التقيته في مقهى، فأخبرني بأنه مطلق ويحتاج إلى امرأة تهتم به، وأني أعجبته. بعدها صار يبعث لي رسائل مثل: “اشتقت إليك وأريد أن أضمك”.

رفضت لطيفة، الإذعان إليه، وقررت حظره نهائيا بعدما شعرت بأن الأمر انزلق إلى التحرش والاستغلال، تضيف بأسى: “حتى الأطباء النفسانيون، الذين يفترض أن يكونوا سندا، أصبح بعضهم يتحرش بالمريضات، وهذا يجعل النساء المريضات عرضة لمعاناة مضاعفة”.

اليوم، ورغم كل هذه الصعوبات، تقدم لطيفة نفسها كامرأة طبيعية، ناجحة اجتماعيا ومحبوبة وسط محيطها، وتفضل أن تعيش كأي إنسانة أخرى، تقول: “لا أعتبر نفسي مريضة، لدي علاج أتبعه، ودواء أشربه، وهذا يكفيني، لست بحاجة إلى شفقة أحد، لأنني إنسانة عادية كباقي البشر”.

صرخة وعي في وجه الوصم

ابتسام، شابة ثلاثينية متعايشة منذ خمس سنوات مع اضطراب ثنائي القطب، قررت أن تروي تجربتها ل”هن”، بعيدا عن أي خجل أو خوف، محاولة كسر الحواجز التي يفرضها المجتمع عبر التنميط والوصم. شهادتها ليست مجرد قصة شخصية، بل صرخة إنسانية ونداء للوعي، تلخص رحلة طويلة بين الألم والأمل، بين الانكسار والنهوض، وبين الصمت والكلام.

تصف ابتسام لحظة التشخيص بأنها لحظة فارقة قلبت حياتها رأسا على عقب. لم تكن صدمة بالمعنى التقليدي، بل كانت انفجارا داخليا أضاء لها الطريق لفهم ذاتها. 

بعد سنوات من تقلبات مزاجية حادة، بين قمم مضيئة من النشاط والثقة وبين قيعان مظلمة من الاكتئاب، جاء التشخيص كتفسير منطقي لما عاشته، لقد منحها ذلك لحظة إدراك عميقة: ما كانت تعانيه ليس ضعفا في الشخصية، ولا تقلبا عابرا في المزاج، بل حالة طبية اسمها اضطراب ثنائي القطب. ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة جديدة، رحلة مواجهة مع الذات، فيها الكثير من الألم والوعي والبحث عن التوازن.

وتحكي ابتسام أن المرض لم يكن تجربة بسيطة يمكن تجاوزها بخطوة أو خطوتين، بل كان صراعا معقدا يأخذها أحيانا إلى أعماق الاكتئاب القاتم، حيث تختفي الكلمات وتشل الحركة، وحيث تصبح أبسط الأفعال اليومية كقراءة كتاب أو كتابة سطر حلما بعيدا. 

وفي تلك اللحظات، تقول ابتسام أنها تغرق في عزلة خانقة تجعلها غير قادرة على التواصل حتى مع أقرب الناس إليها، وفي لحظات أخرى، ترتفع إلى قمة النقيض: نوبات هوس بطاقة مفرطة، أفكار متسارعة، وثقة لا حدود لها، لكنها سرعان ما تتحول إلى استنزاف داخلي مرهق، وكأنها تخوض انهيارا لا تعي تفاصيله.

العلاج، كما تقول، كان ولا يزال الملاذ. دواء الليثيوم، رغم صعوبته والتزامه الصارم، أنقذها من الانهيار في تلك المنحدرات الحادة.

لكن ابتسام لا تعتبر الدواء وحده كافيا، بل ترى، في حديثها إلى هذه المنصة، أن الدعم النفسي المستمر من طبيبها المعالج كان بمثابة ركيزة أساسية ساعدتها على المضي قدما، الطبيب الذي لم يتوقف عن الإيمان بقدرتها على التعافي كان بالنسبة لها صوت أمل يذكرها أن الحياة ممكنة رغم كل شيء. 

الاستشفاء عندها ليس علاجا لحظيا ولا وصفة سحرية، بل مسارا طويلا يتطلب عملا يوميا، وصبرا وتأملا وقبولا للتعايش مع هذا “الصديق الصعب؛ الذي صار جزءا منها. تقول بابتسامة مليئة بالعزم: “هكذا قررت أن أواجه المرض بالابتسام والأمل”.

اليوم، وبعد سنوات من النضال، تؤكد ابتسام أنها تعلمت كيف تعيش في توازن، بعيدا عن تقلبات المزاج القاسية. استطاعت أن تجد السلام الداخلي، وأن تقتنع بأن المرض ليس وصمة عار ولا دليل ضعف، بل تحد يستحق الصمود. لكن ذلك لم يأت بسهولة. فأصعب ما واجهته في حياتها اليومية كان الصراع المستمر مع نفسها، مع تقلبات المزاج التي لا تستطيع السيطرة عليها رغم وعيها وإرادتها.

وتقول إبتسام أن لحظات الاكتئاب، تجعل العالم يتحول كله إلى جبل ثقيل، تختزل في ظلام قاتم، تفقد معه رغبتها في أبسط الأفعال، حتى الكلام أو طلب المساعدة. 

وفي لحظات الهوس، تجد ابتسام نفسها في مواجهة مختلفة: طاقة جارفة وأفكار متسارعة ورغبات جامحة، تجعلها تسير على حافة الانهيار وكأن جسدها وحده يحتضن كل هذه الفوضى فيما روحها غائبة ومتعبة.

ما يضاعف هذا الصراع، كما توضح، هو صعوبة شرح ما يحدث لمن حولها. فالناس لا يرون داخلها، ولا يفهمون أن هذا ليس “مزاجا سيئا” أو “نرفزة” عابرة، بل حالة معقدة تترك بصماتها على كل تفاصيل حياتها. 

تخبرنا ابتسام أنها تشعر أحيانا بوحدة قاتلة رغم وجود من يحبها، لأنهم عاجزون عن مشاركة هذا العبء، والأصعب أن تجد نفسها مضطرة للانسحاب والصمت، ليس لأنها لا تحب من حولها، بل لأنها تحاول حماية نفسها من آلام الرفض وسوء الفهم. هذا الانسحاب يحرمها من بعض طموحاتها البسيطة، لكنه أحيانا يكون الوسيلة الوحيدة للبقاء على قيد التوازن.

تنمر وإقصاء

وعن تأثير الاضطراب على علاقاتها مع أقرب الناس إليها، تصف ابتسام الأمر بأنه رحلة مليئة بالتذبذبات، ففي لحظات النشاط والحيوية، تشعر أنها قادرة على منح حب واهتمام بلا حدود، لكن في لحظات الاكتئاب تغلق أبوابها وتنسحب إلى عالمها الداخلي. هذا التناقض يضع المحيطين بها أمام تحد كبير: فهم لا يعرفون كيف يتصرفون معها، وقد يسيئون فهم صمتها أو انطوائها على أنه رفض أو تجاهل. ومع ذلك، تؤكد أن بعض العلاقات صمدت بقوة، لأنها بنيت على التفهم والصبر والاحترام. هؤلاء الأشخاص، كما تقول، هم سندها الحقيقي، يمنحونها الحماية في لحظات الانهيار، ويعيدون إليها الإحساس بقيمة وجودها.

ابتسام تتمنى أن يدرك الناس أن اضطراب ثنائي القطب ليس جنونا ولا وصمة، بل حالة طبية معقدة تحتاج إلى علاج وفهم. مرضها لا يعرفها بالكامل، بل هو مجرد جزء منها، وهي تتعلم أن تتحكم فيه بدلا من أن يتحكم بها. وتقول إن تقلباتها المزاجية ليست مجرد نزوة أو مزاج سيئ، بل نوبات حقيقية تتطلب وعيا خاصا. ما تحتاجه ليس شفقة بل احترام وتقدير. وتؤكد أن الحديث عن الصحة النفسية ليس ضعفا بل شجاعة، وأن الصمت عن الألم لا يزيده إلا تفاقما.

وما يزيدها ألما هو أن التنمر والوصم لم يأتيا فقط من عامة الناس، بل حتى من أصحاب الأقلام والمنابر الثقافية، الذين يفترض أن يكونوا منارات للوعي. وتروي أنها تعرضت للإهانة من صحفي استخدم مرضها كذريعة للتشويه، ومن أستاذة جامعية قالت لها في نقاش سياسي: “ماغنعايركش بمرضك لي فيك كافيك”. 

كلمات تصفها ابتسام بأنها طعنة في الصميم، تنقيص وسبة، تكشف عمق الجهل وخطورة الوصم حتى داخل الفضاءات التي يفترض أن تحتضن الفكر والإنسانية. بالنسبة لها، لا يمكن السماح لمثل هذه السلوكيات أن تستمر، فاحترام المرضى النفسيين واجب أخلاقي وإنساني، والتنمر ليس إلا عقبة أمام التعافي والاندماج.

“المرض النفسي ماشي عيب”

بعد كل هذه السنوات، تؤمن ابتسام أن الصمت عن الأمراض النفسية ليس حلا، وأن الوصمة ليست مجرد كلمة، بل جرح غائر في النفوس. توجه نداءها لكل المؤسسات، من مدارس وجامعات ومساجد ومراكز عمل وثقافة، لتقف في وجه الجهل والخوف المرتبطين بالصحة النفسية. ترى أن الاعتراف بأن الاضطرابات النفسية أمر شائع، ومنح المصابين بها الدعم والاحترام بدلا من السخرية والإقصاء، هو الطريق نحو مجتمع أكثر إنسانية ورحمة، مجتمع يحتضن أفراده في قوتهم وضعفهم، لا يهمشهم ولا يهينهم.

تختم ابتسام شهادتها بنداء صريح: المرض النفسي ليس عيبا ولا ضعفا، بل تحد يواجه بشجاعة، الحقوق الإنسانية لا تنتزع بسبب الحالة الصحية. 

وتقول إنها عاشت وصارعت وانتصرت، وستظل تردد بصوت عال أنها واحدة من أولئك المميزين باضطراب ثنائي القطب، وأن هذه التجربة، رغم صعوبتها، كانت من أجمل دروس حياتها. ترفع صوتها لتؤكد مرة أخرى قائلة: “المرض النفسي ماشي عيب”.

الصعوبات التي تعانيها النساء المصابات تتضاعف بسبب الأدوار والمسؤوليات الاجتماعية المتعددة. الزواج، الأمومة، رعاية الأسرة والعمل، كلها أعباء تضيف ضغطا نفسيا إضافيا، يزيد من شدة نوبات المرض. في المقابل، الرجل المصاب غالبا ما يواجه تحديات أقل في تحمل هذه الأدوار، ويكون المجتمع أكثر تقبلا لحالته إذا كان يتلقى العلاج بانتظام.

إضافة إلى ذلك، المجتمع لا يزال يحمل وصمة تجاه النساء المصابات بالاضطراب النفسي، ويشكك في قدرتهن على الوفاء بالمسؤوليات، بينما يظهر تقبلا أكبر للرجال في نفس الحالة. هذا التمييز يزيد العبء النفسي على المرأة، ويجعلها أكثر عرضة للشعور بالضغط والعزلة، ويؤثر على جودة حياتها اليومية واندماجها في المجتمع.

“النساء أكثر عرضة لاضطراب ثنائي القطب” 

أكدت الأخصائية النفسية والباحثة في علم النفس الاجتماعي بشرى المرابطي أن اضطراب ثنائي القطب، المعروف في الدلائل الإحصائية السابقة، خاصة الدليل الرابع، باسم “الاكتئاب الهوسي”، يعد اضطرابا عقليا يسبب تقلبات مزاجية حادة بين قطب الهوس وقطب الاكتئاب، مشيرة إلى أن “حدة النوبات ومدتها وتواترها تختلف من شخص إلى آخر، إذ قد يكون الاضطراب حادا أو متوسطا أو خفيفا”.

وأوضحت المرابطي أن “نوبات الهوس غالبا ما تظهر في مرحلة المراهقة أو بدايات الشباب، وتتجلى في اليقظة الدائمة وقلة النوم وكثرة الحركة والكلام، إلى جانب أعراض أخرى مثل تضخم الأنا، سرعة الأفكار، التهيج العصبي، تشتت الذهن، وفي بعض الحالات الشديدة قد تصل إلى رؤية أو سماع أشياء غير حقيقية أقرب إلى الفصام”. 

“كما قد ينخرط المريض في أنشطة خطيرة المقامرة أو الممارسات الجنسية غير المحمية أو التبرع المفرط بالمال، مع شعور بأن هناك من يراقبه أو يتبعه، إلى جانب سلوكيات مفرطة في النشاط أو الغناء أو الصراخ”، تضيف الأخصائية النفسية.

أما عند الانتقال إلى قطب الاكتئاب، تضيف المتحدثة، فإن الوتيرة تختلف من ساعات إلى أشهر بحسب الحالات، حيث يعيش المريض حزنا شديدا، ويعود بذاكرته إلى الماضي بعيدا عن الحاضر والمستقبل، مع لوم الذات وتأنيب الضمير والشعور باليأس. وفي هذه المرحلة ينام المريض كثيرا على عكس الهوس الذي يقل فيه النوم إلى ساعة أو ساعتين، ويفقد الرغبة والقدرة والمتعة في ممارسة الأنشطة، وهو ما تصفه المرابطي بـ“مثلث الاكتئاب: غياب القدرة والرغبة والمتعة”.

وسجلت الأخصائية أن أعراض ثنائي القطب تضاف إليها عناصر خاصة مثل الذهان والتوهم وجنون العظمة، ما يجعله يختلف عن الاكتئاب العادي. وأبرزت أن الدراسات بينت أن النساء أكثر عرضة للإصابة بهذا الاضطراب مقارنة بالرجال، بالنظر إلى الارتباط الوثيق بينه وبين التغيرات الهرمونية في مراحل متعددة من حياتهن، بدءا من البلوغ ودورات الحيض الشهرية، مرورا بالحمل وفترة النفاس وما قد يرافقها من اكتئاب ما بعد الولادة، وصولا إلى سن اليأس حيث يظهر ما يسمى “الاكتئاب ثنائي القطب المتأخر”.

وأضافت أن النساء في الخمسينات أكثر عرضة للإصابة مقارنة بالرجال، نتيجة تداخل العوامل الهرمونية مع العوامل الوراثية ونمط العيش، إلى جانب المسؤوليات الثقيلة الملقاة على عاتقهن مثل رعاية الأبناء والأسرة والعمل ورعاية المسنين أو ذوي الإعاقة، ما يرفع من احتمالية الإصابة ويجعل النساء أكثر هشاشة في مواجهة المرض.

المرابطي في حديثها لمنصة “هنَّ”، تطرقت إلى مسألة الوصم المرتبط بالاضطرابات النفسية في المجتمع المغربي، مبرزة أن هناك تحولا نسبيا في الوعي داخل الفئات المتعلمة والمثقفة، غير أن التمييز ما يزال قائما، خاصة حين يتعلق الأمر بالنساء. وأوضحت أن المجتمع أكثر تقبلا لمعاناة الرجل من اضطراب نفسي إذا كان يتلقى العلاج، بينما تبقى المرأة أكثر عرضة للأحكام المسبقة والشكوك حول قدرتها على تحمل أدوارها الأسرية والاجتماعية، خصوصا ما يرتبط بمسألة الزواج والأمومة.

وأشارت المتحدثة إلى أن الزواج يقلل من توتر الرجل ويخفف قلقه، بينما يزيد من قلق المرأة ومسؤولياتها، وهو ما يفرض  حسب قولها  عملا وجهدا أكبر لتغيير هذه النظرة المجتمعية وتحقيق مساواة في التعاطي مع المرض النفسي.

وبخصوص البروتوكول العلاجي، أوضحت المرابطي أنها تحيل المريض أولا على الطبيب النفسي المختص قصد وصف العلاج الدوائي المناسب، والذي يشمل أدوية مضادة للذهان، والليتيوم، ومضادات الصرع، وأدوية موجهة لنوبات الاكتئاب أو الهوس. وتهدف هذه العلاجات إلى إعادة التوازن لنشاط المريض وتفادي الدخول في نوبات متطرفة. وأكدت أن المزاوجة بين العلاج الدوائي والعلاج النفسي، خصوصا المعرفي السلوكي، تظل ضرورية لتحقيق نتائج فعالة.

كما أشارت إلى أهمية “العلاج بالإيقاع الشخصي المتناسق” الذي يقوم على ضبط روتين الحياة اليومية، وتنظيم الأنشطة بما يتناسب مع قدرات المريض، وتجنب تراكم الضغوط التي قد تدفع إلى انتكاسة. وأكدت أيضا على إدماج البحث عن المتعة في حياة المريض، عبر استرجاع هواياته ومهاراته القديمة أو اكتشاف أنشطة جديدة تمنحه شعورا بالبهجة، باعتبار أن الاكتئاب يطرد المتعة من الحياة.

وشددت المرابطي على أن تقدير الذات يعد من المفاتيح الأساسية في الوقاية والعلاج، إذ يؤدي انخفاضه إلى تفاقم الاضطراب. كما اعتبرت أن إشراك العائلة في العلاج، ضمن ما يعرف بالعلاج النسقي، يساعد على تيسير حياة المريض وتقليل الضغوط المحتملة التي قد تؤدي إلى نوبات جديدة.

وفي هذا السياق، أبرزت أن العلاج المعرفي السلوكي يهدف أيضا إلى توعية المريض بطبيعة الاضطراب، وتعزيز قبوله له وفهمه لأبعاده الوراثية والبيولوجية، إلى جانب مساعدته على تدبير إيقاع حياته وحل المشكلات التي كانت سببا في تراكم الضغوط وتهييج المرض.

وانتقدت الأخصائية ضعف السياسات العمومية في مجال الصحة النفسية والعقلية بالمغرب، معتبرة أنها غير كافية وتفتقر إلى الانتشار الجغرافي اللازم. وأكدت أن النساء، بالنظر إلى خصوصيتهن ومسؤولياتهن، يفترض أن يحظين بامتيازات في الولوج إلى العلاج والأدوية مجانا، مع تعميم خدمات الطب النفسي المتخصص لتشمل المراكز الصحية المحلية بدل الاقتصار على المستشفيات الكبرى، خاصة لفائدة النساء في المناطق النائية.

وفي ختام تصريحها لـ“هنَّ” توقفت المرابطي عند إعلان وزير الصحة عن إطلاق برنامج استعجالي للنهوض بالصحة النفسية والعقلية بالمغرب، معربة عن أملها في أن “تكون لهذه المبادرة انعكاسات إيجابية وملموسة على حياة المرضى”، مؤكدة في الوقت ذاته أن إدماج العلاجات النفسية المتنوعة، مثل “البحث عن المتعة وإعادة بناء تقدير الذات والعلاج النسقي، يشكل ركيزة أساسية في مواجهة اضطراب ثنائي القطب والتقليل من أثره على الأفراد والمجتمع”.

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • صحفيات ليبيا تحت الضغط: تهديد رقمي وميداني يقيّد حرية الإعلام

    تعمل الصحفيات في ليبيا في مناخ يتّسم بهشاشة أمنية وانقسام سياسي مستمرّ، إلى جانب انتشار السلاح ووجود ميليشيات مسلّحة خارج إطار الدولة. ورغم تراجع حدّة المواجهات العسكرية المفتوحة خلال السنوات الأخيرة، إلاّ أنّ حريّة الصحافة تُواجه قيودًا واسعة تشمل التهديد والملاحقة والتضييق المهني، في سياق يفتقر إلى آليات حماية فعّالة ومساءلة قانونية. ومن هذا المشهد،…

    Hounna | هنّ|

  • من الظل إلى الضوء.. التسوية الاستثنائية تمنح المهاجرات فرصة جديدة في إسبانيا

    الإثنين الماضي، بدأت خدمة الحضور الشخصي لتقديم طلبات التسوية الاستثنائية لأوضاع المهاجرين في مدينة مالقة، فالأشخاص الذين تمكنوا من استكمال جميع الوثائق وحجزوا موعدًا مسبقًا لتقديمها، أصبح بإمكانهم، ابتداءً من ذلك اليوم، 20 أبريل الجاري، تقديم طلباتهم في ما مجموعه 26 مكتبًا تابعًا للبريد (Correos) تم تجهيزها لهذا الغرض في مختلف أنحاء المقاطعة الأندلسية، إضافة…

    Hounna | هنّ|

  • جزائرية تضع مولودها في مدينة سبتة بعد قطعها 5 ساعات سباحةً من المغرب

    وضعت شابة جزائرية تبلغ من العمر 26 عاما، مولودها في المستشفى الجامعي بمدينة سبتة، بعد وصولها إليها قبل أيام، عقب عبورها من المغرب سباحةً لمدة خمس ساعات.وبحسب مصادر تحدثت لـ"هنَّ"، من الخدمات الصحية والاجتماعية، "وصلت الشابة فاطمة إلى ساحل سبتة قبل أيام بعد قفزها في الماء من شاطئ مغربي قريب، رغم أنها حامل في شهرها…

    Hounna | هنّ|

  • حلم الأمومة… معاناة مغربيات مع “التخصيب” وتكاليفه باهظة الثمن 

    "أن أصير أما، ولو لمرة واحدة، واستحالة ذلك رغم المسار الطويل في انتظار وقوع حمل طبيعي، ثم رحلة العلاج، جعلاني أفكر في هذه الفئة من النساء الحالمات بالأمومة فأسست صحبة بعضهن جمعية لإسماع صوت الأسر الراغبة في الإنجاب، والتعريف بالصعاب التي يواجهنها نفسيا اجتماعيا وماليا، ثم للترافع من أجل وقف التكلفة الباهظة للعلاج بواسطة تقنيات…

    سناء كريم|