المخدرات في موريتانيا: وباء صامت يهدد النساء والفتيات في ظل صمتٍ مجتمعيٍّ

في ظل تصاعد القلق المجتمعي من تنامي ظاهرة تعاطي المخدرات وتداعياتها الخطيرة على الأمن الاجتماعي والصحي، تتجه الأنظار في موريتانيا إلى حجم انتشار هذه الآفة، وسبل مكافحتها، والفراغات القائمة على المستويات الوقائية والعلاجية والقانونية، خاصة حين يتعلق الأمر بالنساء والفتيات، الفئة الأكثر هشاشة والأقل ظهورًا في الإحصاءات والبلاغات الرسمية.

وتكشف المعطيات الميدانية للمجتمع المدني؛ عن واقع مقلق لم يعد يقتصر على فئة الشباب من الذكور، بل امتد بشكل متزايد إلى النساء والفتيات، في ظل صمت اجتماعي مشدد، وخوف من الوصمة، وغياب آليات حماية وعلاج تراعي الخصوصية الاجتماعية والنفسية لهذه الفئة. وهو ما يستدعي مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الأمنية، نحو معالجة جذرية متعددة الأبعاد تأخذ بعين الاعتبار البعد الجندري للظاهرة.

ورغم غياب إحصاءات وطنية رسمية منشورة تحدد عدد المتعاطين في موريتانيا، فإن تقارير متقاطعة وشهادات فاعلين اجتماعيين تشير إلى “تزايد ملحوظ في انتشار المخدرات خلال السنوات الأخيرة”، مع تسجيل حالات متنامية لتعاطي الفتيات، خصوصًا في البيئات الحضرية، دون أن ينعكس ذلك في الأرقام الرسمية، بسبب “الخوف من الفضيحة والنبذ الاجتماعي”.

وتروي فاطمة أم سيد أحمد، (اسم مستعار)، معاناتها مع ابنها الذي أصبح يُصنّف كمريضٍ عقلي بعد أن كان تلميذًا مجتهدًا، “عملت من أجله حتى لا يسلك الطريق الخطأ بعد أن تركني والده، غير أن أحلامي تبخرت عندما علمت أنه محتجز لدى الشرطة”.

وتضيف أنها لم تستطع الوقوف من شدة الصدمة، وبعد الإفراج عنه، ازدادت حالته سوءًا، و”أصبح أكثر عنفًا، يعتدي على الجميع إذا لم يجد ما يدخنه، ويهددني أيضًا، ما دفعني  للخوف على حياتي وحياة ابنتي حيث يعتدي عليها بالضرب أحيانا”. 

وتضيف الأم “ذهبت به  إلى المستشفى، حيث ما أزال أعيش معه دوامة الأدوية والعقاقير المهدئة، لتضيع بذلك أحلام ابني وأتلاشى  معه، أنا وما تبقي مني” على حد تعبيرها.

وتعكس قصة فاطمة جانبًا من الثمن الذي تدفعه الأمهات والنساء داخل الأسر المتضررة من الإدمان، سواء كضحايا مباشرات أو كحاضنات لألم مستمر، غير أن معاناة النساء لا تقتصر على هذا الدور، إذ باتت فتيات كثيرات يعشن التجربة ذاتها كمتعاطياتٍ، لكن في صمت مضاعف.

ولا تُعد هذه الحالات معزولة، إذ تتقاطع قصص عديدة عند سبب واحد يتمثل في الإدمان، وما يرتبط به من عنف، واستغلال، واعتداءات جنسية، وجرائم تُرتكب تحت تأثير المواد المخدرة، حيث تكون النساء والفتيات في كثير من الأحيان ضحايا مباشرات أو غير مباشرات.

وفي يوم الـ14 من ديسمبر 2024، أعلن وزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين أن “المخدرات باتت منتشرة في مختلف مناطق موريتانيا، بما في ذلك المدارس”، وأكد، خلال حديثه أمام الجمعية الوطنية، أن “الظاهرة لم تعد محصورة في أماكن بعينها”، داعيًا إلى “هبة شعبية لمواجهتها”، ومعلنًا عن تشكيل لجنة وزارية دائمة لمتابعة جهود المكافحة.

من جهتها، أكدت رئيسة “منظمة نور القمر”، الناشطة في مجال التوعية منذ 18 عامًا، النوهة محمد صالح، أن “المخدرات تنخر جسد المجتمع”، مشيرة إلى أن “تعاطي الفتيات يشكل خطرًا مضاعفًا، ليس فقط من الناحية الصحية، بل أيضًا بسبب القيود الاجتماعية التي تمنعهن من طلب المساعدة”. 

وقالت أن “تفشي الظاهرة بين الفتيات تعود إلى عوامل متعددة، من بينها الكبت النفسي، وضغط التقاليد، وغياب الاحتواء الأسري، والاستغلال العاطفي باسم الحب، إضافة إلى البطالة، والفشل العاطفي، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي”.

وأوضحت أن “الكثير من الفتيات يلجأن إلى التعاطي هربًا من الألم أو بحثًا عن شعور مؤقت بالسعادة، قبل أن يجدن أنفسهن عالقات في دوامة الإدمان. غير أن الخوف من الفضيحة والوصمة الاجتماعية يمنع معظمهن من التوجه إلى العلاج، ما يجعل الإدمان سرًا غير موثق، ويُبقي الفتيات خارج أي إحصاء رسمي أو مسار علاجي”.

وشددت النوهة محمد صالح على أن المجتمع يتعامل مع المرأة المدمنة باعتبارها “عارًا أخلاقيًا” أكثر من كونها مريضة تحتاج إلى الدعم، ما يضاعف معاناتها مقارنة بالذكور، داعية إلى تغيير النظرة السائدة، وبناء خطاب إنساني يُشجع على العلاج والاحتواء بدل الإقصاء والتجريم الاجتماعي.

وفي السياق ذاته، أكد القانوني والناشط الحقوقي اعل الشيخ صابر أن “المخدرات تُعد من أخطر الظواهر التي تهدد الأمن الصحي والاجتماعي في موريتانيا، حيث تحول البلاد تدريجيًا من فضاء عبور إلى سوق استهلاك، بما في ذلك مواد شديدة الخطورة”.

وبيّن أن غياب الإحصاءات الدقيقة “لا يعكس الحجم الحقيقي للظاهرة، خاصة في أوساط النساء، بسبب ضعف التبليغ والخوف الاجتماعي”.

وأوضح أن القانون رقم 93-37 المتعلق بمكافحة المخدرات اعتمد مقاربة توازن بين الردع والعلاج، حيث اعتبر المتعاطي مريضًا أكثر من كونه جانحًا، مع فتح المجال للعلاج الطوعي أو الإجباري. غير أنه اعتبر أن افتتاح مركز وطني لعلاج الإدمان، رغم أهميته، يظل غير كافٍ دون تعميم المراكز، وتوفير فضاءات علاجية آمنة تراعي خصوصية النساء والفتيات.

وبحسب بيانات المكتب الوطني لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات، تم خلال السنوات الأخيرة “تفكيك عدة شبكات، ومصادرة كميات كبيرة من الحشيش والكوكايين والمخدرات الاصطناعية، إضافة إلى آلاف الحبوب المهلوسة”. 

وتشير تقارير أمنية إلى أن “القنبيات والمهدئات غير المشروعة هي الأكثر تداولًا، مع تسجيل بيعها في أماكن عامة، بما فيها محيط المدارس”.

وأمام هذا الواقع، تبدو معركة مكافحة المخدرات في موريتانيا رهينة بقدرة الدولة والمجتمع على كسر الصمت المحيط بتعاطي النساء والفتيات، والانتقال من المقاربة الأمنية الضيقة إلى سياسة شاملة تُوازن بين الردع والعلاج والوقاية. فغياب الإحصاءات الدقيقة، ونقص مراكز العلاج، واستمرار الوصمة الاجتماعية، كلها عوامل تُبقي هذا الوباء الصامت متفشيًا في الخفاء، وتدفع أثمانه فتيات ونساء لا صوت لهن. ويبقى الاستثمار في التوعية، والدعم الأسري، وبناء خطاب إنساني شامل، الرهان الحقيقي لإنقاذ هذه الفئة قبل فوات الأوان.

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • خلف الأبواب المغلقة.. عاملات المنازل في موريتانيا بين الهشاشة والانتهاكات

    تشكل عاملات المنازل في موريتانيا جزء كبيرا من سوق العمل في البلاد، حيث يمثلن العمالة غير المصنفة ضمن سوق العمل بأشكال من الأعمال المنزلية التي  تتضمن رعاية كبار السن ومرافقة الأطفال والرضع، فضلا عن أعمال الطهي والتنظيف. عادة ما تلج الفتيات إلى هذا القطاع سعيا إلى القضاء على البطالة، ودعما لأسرهنَّ الفقيرة، وغالبا ما يكن…

    مريم إسحاق إبراهيم|

  • “أنا أم فاشلة”.. حكايات نساء أسرهن اكتئاب ما بعد الولادة

    تعيش ياسمين، ذات الـ28 ربيعًا، وهي غارقةٌ في ضيق عميق وحزن ثقيل لا تعرف له سببا واضحا، مع مشاعر سلبية تخنقها وتثقل أنفاسها. كانت الشابة الرباطية تسمع من قبل أن لحظة احتضان المولود تبدد كل تعب، وأن نظرة واحدة إلى عينيه كفيلة بأن تملأ القلب فرحا، فتفيض عليه بحب أمومي لا يقاس، لكنها لم تشعر…

    عفراء علوي محمدي|

  • “سيليا”.. صوت الريف الذي تحدى الخوف والسجن

    خيّم الصمت والحزن على شوارع الحسيمة، الجميع خارج منازلهم خزنًا على رحيل الزفزافي الأب، والأعلام السوداء معلقة بصمت على سطح منزل الراحل، والتي كانت رمزًا للحزن على اعتقال قادة "حراك الريف"، تحولت إلى رمزٍ للحداد والحزن على رجل ترجل عن صهوة الحياة، قبل أن يعانق ابنه في الحرية. قبل انطلاق موكب جنازة والده، اعتلى قائد…

    Hounna | هنّ|

  • بعد منعها من دخول الجزائر.. نصيرة ديتور: “سأواصل النضال والجزائر وطن الجميع”

     في 30 يوليو الماضي، أثارت واقعة ترحيل الناشطة الحقوقية الجزائرية نصيرة ديتور من مطار "هواري بومدين" بالجزائر إلى باريس؛ صدمة واسعة في الأوساط الحقوقية والمدنية.  وتعد ديتور؛ وهي رئيسة جمعية "أس أو أس المفقودين" وعضو في الاتحاد الأورومتوسطي ضد الاختفاء القسري؛ من أبرز الوجوه المدافعة عن قضية المفقودين في الجزائر، وهي نفسها أم لمفقود منذ…

    Hounna | هنّ|