القيادية في جماعة العدل والإحسان: أمان جرعود: لسنا ضدّ الانتخابات والمقاطعة اجتهادٌ سياسيٌّ وليست عقيدة

في ظل التحولات التي يعرفها المشهد السياسي المغربي، وما يرافقها من نقاشات متواصلة حول الديمقراطية، الإصلاح، الانتخابات ومستقبل الفعل السياسي، تظل جماعة العدل والإحسان؛ -الشهيرة إعلاميًا باسم “الجماعة”- وأحد أقوى التنظيمات الإسلامية في المغرب وفي المغرب الكبير؛ فاعلا يحظى باهتمام واسع، بالنظر إلى خصوصية مشروعها المجتمعي، وموقعها خارج المؤسسات المنتخبة، ومواقفها من عدد من القضايا السياسية والفكرية الكبرى.

في هذا الحوار، تستضيف منصة “هنَّ” أمان جرعود، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان؛ وذلك لمناقشة رؤيتها لمجموعة من الملفات التي تثير نقاشا واسعا داخل الساحة الوطنية، من العلاقة بين الدعوي والسياسي، إلى الديمقراطية والشورى، وموقف “الجماعة” من الانتخابات، وتصورها لنظام الحكم، الحريات ومستقبل الإصلاح السياسي في المغرب، في محاولة لفهم مواقف “الجماعة” كما تعبر عنها قيادتها، وإتاحة الفرصة لتوضيح رؤيتها بشأن القضايا التي تشغل الرأي العام.

سناء: بعد أكثر من أربعين سنة على تأسيس جماعة العدل والإحسان، كيف تعرفون أنفسكم اليوم؟ هل أنتم جماعة دعوية أم حركة سياسية أم مشروع مجتمعي؟

 أمان: بداية، أشكركم على الاستضافة، وعلى إتاحة هذه الفرصة للحوار، وهي مناسبة للتنويه بكل مبادرة إعلامية تفتح نقاشا جادا ومسؤولا حول القضايا الفكرية والسياسية التي تهم المغرب والمغاربة، وتبني جسور الحوار الهادئ من أجل التعارف وتوضيح المواقف وتجاوز التمثلات النمطية.

أما عن سؤالكم حول تعريف جماعة العدل والإحسان، فهي حركة إسلامية مغربية نشأت من واقع هذا البلد، وتشكلت في سياقه التاريخي والمجتمعي. تحمل مشروعا مجتمعيا يستلهم مرجعيته من الإسلام باعتباره مرجعية موجهة لحياة الفرد والمجتمع.

ويقوم هذا المشروع على الاجتهاد التأسيسي الذي بلوره الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، من خلال الجمع بين مقتضيات العدل ومتطلبات الإحسان، استلهاما من قول الله تعالى: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون”. من هنا، لا يمكن اختزال الجماعة في بعدها الدعوي أو في بعدها السياسي، لأنهما معا يتكاملان داخل نفس المشروع. 

سناء: إذن، ما الذي يأتي أولًا عند الجماعة، الدعوي أمِ السياسي؟ وما حدود الدعوة في العمل السياسي؟

أمان: لا تنظر الجماعة إلى العلاقة بين العمل الدعوي والعمل السياسي بمنطق التقديم والتأخير، حتى نقول أيهما يأتي أولا؟ فالأولويةُ عندنا هي لوحدة المشروع وتكامل أبعاده. 

فالدعوة والتربية تعنيان بتزكية الإنسان وبناء قيمه، ليكون صالحا لنفسه ومجتمعه،  قادرا على أداء رسالته في المجتمع، بينما يتجه العمل السياسي إلى الإسهام في إقامة العدل، ومقاومة الاستبداد، والدفاع عن الحقوق والحريات، وخدمة الصالح العام. وهذه المجالات، ومعها غيرها من مجالات العمل، لا تتنافس ولا تتزاحم، وإنما تتكامل داخل المشروع نفسه.

 وبالمناسبة، فإن إقامة العدل، والدفاع عن الحقوق، وخدمة الصالح العام، كلها من صميم الدعوة إذا فهمت الدعوة في معناها القرآني، لا في معناها الوعظي الضيق.

أما عن حدود الدعوة في العمل السياسي، فيجب التأكيد على أن الترابط المبدئي بين المجالين لا ينفي ضرورة التمايز الوظيفي بينهما. فالدعوة ينبغي أن تبقى وفية لرسالتها في التربية والتزكية والتوجيه، ويبقى العمل السياسي ملتزما بطبيعته وأدواته ومجاله. فلا تكون الدعوة وسيلة للتوظيف السياسي، ولا تكون السياسة وسيلة للوصاية على الناس واختياراتهم باسم الدين.

سناء: بالتالي، ومن هذه المنطلقات التي ذكرتها، ما هو تعريف الجماعة للديمقراطية؟

أمان: قبل الحديث عن الموقف من الديمقراطية، أذكر أولا أن الديمقراطية ليس لها تعريف واحد ولا حتى نموذج واحد. فهي تجربة إنسانية تطورت عبر التاريخ، وتعددت صورها وتطبيقاتها باختلاف المجتمعات والسياقات السياسية.

إلا أن هذا التعدد لا يحجب جوهرها، حيث تكون السلطة نابعة من الإرادة الحرة للشعب، وخاضعة للقانون والمساءلة، ولا يحتكرها فرد أو جماعة أو مؤسسة. وبهذا المعنى تكون الديمقراطية نقيضا للاستبداد، تقوم على الحرية، والمشاركة، والتداول السلمي على السلطة، وصيانة الحقوق والحريات، واحترام كرامة الإنسان.

وقد عبرت الجماعة في أكثر من مناسبة، على نظرتها الإيجابية لما راكمته التجربة الديمقراطية من آليات وإجراءات ومؤسسات أسهمت في الحد من الاستبداد، وترسيخ الشفافية والمساءلة وحماية الحقوق والحريات. وفي الوقت نفسه، لا نتعامل معها بوصفها نموذجا مكتملا، لأنها في النهاية تجربة بشرية قابلة للنقد والتطوير والإغناء.

سناء: تقولون إنكم تؤمنون بالديمقراطية، فهل تعتبرون الشورى هي الأصل؟ 

أمان: السؤال يوحي بوجود تعارض حتمي بين الشورى والديمقراطية وهذا غير دقيق، طبعا لا يتسع المجال هنا للتفصيل في الأمر، لكني فقط أود التأكيد على أمرين أساسين، أولهما أننا بحاجة إلى التمييز بين المبادئ المؤسسة والآليات الإجرائية. 

وثانيهما أن ما أنتجته التجارب الديمقراطية عبر تاريخها الطويل، ليس كله بالضرورة مقبولا وفوق النقد، كما أن الشورى لا تقدم نموذجا مؤسساتيا مغلقا، وإنما تفتح باب الاجتهاد أمام الأمة لتطوير الصيغ والآليات التي تحقق مقاصد العدل والحرية وصيانة الكرامة الإنسانية، وبالتالي فإمكانياتُ الالتقاء متاحة وموجودة. 

سناء: حسنًا، إذا صوّت المغاربة غدًا على قانون يخالف فهمكم للشريعة، هل ستقبلونَ بنتيجة الصندوق أم ستقولون إن الأغلبية أخطأت؟

أمان: من حق المجتمع أن يختار، ومن حق الفاعلين السياسيين، والمفكرين، والمثقفين أن يختلفوا مع هذا الاختيار وأن يعملوا على الإقناع بوجهة نظرهم، خاصة وأن النخبة، سواء كانت سياسية أو فكرية، هي المؤهلة لصناعة وعي المجتمع وقناعاته. فلا تعارض بين احترام الإرادة الشعبية، وبين استمرار النقاش حول ما تفرزه من قوانين وسياسات، لأن الديمقراطية نفسها لا تقوم على إسكات الأقلية، وإنما على ضمان حقها في التعبير والإقناع والسعي إلى كسب تأييد المجتمع.

فإذا اختار المغاربة مثلا، قانونا لا نتفق معه، هذا حقهم وينبغي أن يحترم، لكن من حقنا أن نبين موقفنا، وأن ندافع عن رؤيتنا، وأن نسعى إلى إقناع المواطنين بما نراه، مستعملين في ذلك جميع الوسائل التي يكفلها القانون للجميع. 

وهنا يكمن التحدي، فكيف توازن الدولة بين حفظ حق الأغلبية، وبين منح المخالف وإن كان أقلية، حق التعبير عن رأيه والإقناع به دون إقصاء أو وصاية؟

سناء:  إذا انتخب المغاربة حزبا علمانيا بأغلبية مطلقة، هل ستعتبرونَ حكمه شرعيّاً؟ 

أمان: نحتاج بداية إلى توضيح المقصود بالشرعية، لأن هذا المفهوم يحمل أكثر من معنى. فإذا كان المقصود به الشرعية السياسية والدستورية، فإن أي حزب يصل إلى المسؤولية عبر انتخابات حرة ونزيهة، وفي إطار قواعد دستورية تحظى بقبول المجتمع، فإنه يستمد مشروعيته من تلك الآليات، بصرف النظر عن مرجعيته الفكرية أو الأيديولوجية.

لذا لا ينبغي أن نربط حق أي حزب في تولي المسؤولية بكونه إسلاميا أو علمانيا أو غير ذلك، وإنما بمدى احترامه لقواعد التنافس السياسي، واحتكامه إلى الإرادة الحرة للمواطنين، والتزامه بالقانون، وخضوعهِ للمساءلة والمحاسبة.

ومن الطبيعي جدا؛ إذا كنا في مشهد سياسي تعددي أن تختلف المرجعيات والبرامج، وأن يصل إلى المسؤولية هذا الحزب أو ذاك، بحسب ما يختاره الناس. 

سناء: ما هو تصوركم لنظام الحكم؟ هل هو نظام يقوم على مؤسسات منتخبة وفصل السلط، أم أن هناك سلطة مرجعية أعلى، شبيهة مثلا بمجلس صيانة الدستور أو مجلس الخبراء في إيران؟

تصورنا لنظام الحكم واضح، ولا يقوم على وجود سلطة مرجعية تعلو على المؤسسات الدستورية أو تمارس الوصاية عليها، سواء أكانت هيئة سياسية أو غير ذلك.

نحن ندعو إلى نظام تكون فيه السلطة موزعة بين مؤسسات دستورية تستمد شرعيتها من الإرادة الحرة للأمة، وتمارس اختصاصاتها في إطار الدستور والقانون، وفق مبدأ الفصل بين السلط، واستقلال القضاء، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان التداول السلمي على السلطة.

ولذلك، كان همنا الذي عبرنا عنه في الوثيقة السياسية، وفي غيرها من الوثائق، هو البحث عن الضمانات التي تمنع احتكار السلطة وعودة الاستبداد. 

وهذه الضمانات، في تصورنا، تتحقق ببناء مؤسسات قوية ومتوازنة، وتوزيع واضح للاختصاصات، ورقابة متبادلة بين السلطات، وسيادة القانون. لأن تدبير الشأن العام هو من اختصاص المؤسسات التي تختارها الأمة وفق الدستور، وهي وحدها التي تتحمل مسؤولية ممارسة السلطة وتخضع للمساءلة.

وأية مقارنة ببعض النماذج التي تقوم على وجود هيئة تعلو على المؤسسات المنتخبة لا تعبر عن تصورنا، فلسنا من هواة استنساخ التجارب.

سناء: كل التيارات الإسلامية تعلن عدم احتكارها للدين، لكن عندما تصل إلى السلطة يصبح تفسيرهَا للدين هو التفسير الرسمي للدولة. فما الضمانة أنكم لن تنهجوا الشيء نفسه؟

السؤال ينطلق من تعميم قد لا يساعد على فهم المسألة بدقة، لأنه يفترض أن جميع التيارات الإسلامية بمجرد وصولها إلى السلطة، تقوم باحتكار تفسير الدين وجعله التفسير الرسمي للدولة، والواقع أن تجارب الحركات ذات المرجعية الإسلامية مختلفة ومتباينة، ولا يصح اختزالها في نموذج واحد، كما لا يصح الحكم على أي مشروع بما تكون قد انتهت إليه تجارب أخرى تختلف في ظروفها وسياقاتها واختياراتها.

لقد عرف الاجتهاد في فهم النصوص الدينية عبر تاريخ الأمة، تعددا في المدارس والآراء، لكنه لم يكن يوما حكرا على جماعة أو حزب أو مؤسسة، لذلك، ليس من حق أي طرف أن يحتكر الحديث باسم الإسلام أو أن يمنح تأويله صفة الإلزام.

أما مسألة الضمانة، ففي تقديري، ليس هناك أوثق من بناء نظام سياسي يقوم على التعددية الحقيقية، ويصون حرية الاجتهاد والتعبير، ويحتكم إلى المؤسسات والقانون لا الوصاية على المجتمع. بهذا، وبهذا فقط، لا تستطيع أي جهة كانت، أن تحتكر السلطة، كما لا تستطيع أن تحتكر الدين. 

سناء: من يملك في مشروعكم حق تفسير المرجعية الإسلامية؟ العلماء؟ البرلمان؟ القضاء؟ أم الجماعة؟

أظن أن التفاعل مع هذا السؤال ينبغي أن ينطلق أولا من تمييز منهجي بين المرجعية نفسها، أي القرآن الكريم والسنة النبوية، وبين الاجتهاد في فهمها وتنزيلها. 

فالمرجعية ثابتة من حيث الأصول والقيم، أما الفهم البشري لها فهو اجتهاد قابل للمراجعة، والنقد والاستدراك ما دام منضبطا بأدواته العلمية والمنهجية. لهذا عرف تاريخ الأمة، كما قلت سابقا، تعددا في المدارس الفقهية والفكرية دون أن يُعد ذلك خروجا عن المرجعية.

إذن، فالمشكلة لا تكمن في اختلاف الأفهام ولا في تعددها، لكنها تبدأ حينما يدعي فهم ما أنه الممثل الوحيد للمرجعية، أو أنه يملك حق إغلاق باب المراجعة.  

سناء: إذا اختار الشعب امرأة لرئاسة الحكومة، هل ستدافعونَ عن هذا الاختيار حتى لو كانت مرجعيتها الفكرية تختلف مع مرجعيتكم؟

هذا السؤال يقترب بشكل كبير من سؤال سابق، لكن لا بأس من إعادة التأكيد على أن التعددية السياسية لا معنى لها إذا لم تقم على الاعتراف بحق المختلف معك في الوصول إلى المسؤولية العامة متى اختاره المواطنون بحرية، وليس الخلاف في المرجعية أو في الرؤية السياسية مبررا لإنكار هذا الحق، لأن التنافس الديمقراطي يقوم على الاحتكام إلى إرادة الناخبين، لا إلى درجة الاتفاق أو الاختلاف بين الفاعلين السياسيين. 

وعليه، فإذا اختار المواطنون امرأة لرئاسة الحكومة في انتخابات حرة ونزيهة، فإن هذا الاختيار ينبغي أن يحترم من طرفنا ومن طرف غيرنا؛ لأنه تعبير صريح عن إرادة شعبية. ولا ينبغي أن يُبنى موقفنا على كونها امرأة أو على اختلافنا أو اتفاقنا مع مرجعيتها الفكرية، لأن ما يهمنا هو مدى التزامها بالدستور والقانون، واحترامها للحقوق والحريات، وقدرتها على خدمة المصلحة العامة. 

وفي المقابل، من حقنا، كما هو حق أي فاعل سياسي، أن ندافع عن رؤيتنا بالحوار والإقناع والعمل السياسي والتدافع السلمي، فالمعارضة شيء، والطعن في حق من اختاره المواطنون في ممارسة مسؤولياته شيء آخر.

سناء: الوثيقة السياسية، التي قدمتموها سنة 2024، تبيّن أنكم تمتلكون مشروعًا سياسيًا متكاملاً لإدارة الدولة، فلماذا لم تتقدموا إلى اليوم بطلب تأسيس حزب سياسي؟

أمان: صحيح أن الوثيقة السياسية تقدم تصورا متكاملا للإصلاح السياسي والمجتمعي، لكن امتلاك مشروع سياسي لا يعني بالضرورة أن الإطار الوحيد للتعبير عنه هو تأسيس حزب سياسي. الحزب هو فقط أحد الأطر التنظيمية الممكنة، وتقدير اعتماده يختلف باختلاف طبيعة المشروع والسياق الذي يتحرك فيه.

ثم إن جماعة العدل والإحسان ليست مشروعا سياسيا خالصا، وإنما هي مشروع مجتمعي تتكامل فيه الأبعاد التربوية والدعوية والفكرية والسياسية كما أسلفنا. ومن ثم، فإن اختزال هذا المشروع في إطار حزبي لا يعكس طبيعته ولا يعبر عن تعدد أبعاده.

أما من الناحية السياسية، فقد عبرنا في أكثر من مناسبة على أن قرار تأسيس حزب لا يرتبط بمجرد الرغبة في ذلك، وإنما بقدرة العمل الحزبي على أداء وظائفه في التأطير والتنافس والإسهام في تدبير الشأن العام. 

مع العلم أن الجماعة كانت سباقة منذ تأسيسها سنة 1983 إلى طلب تصريح من أجل تأسيس جمعية ذات صبغة سياسية حين كان قانون الجمعيات هو الذي يحكم الأحزاب.

سناء: إذا أعلنت الدولة غدًا استعدادها للترخيص لحزب تابع للعدل والإحسان، هل ستتقدمونَ بطلب التأسيس؟

أمان: ما ينبغي الاتفاق حوله؛ هو أن الحق في التنظيم ليس مِنَةً من حد، بل هو حق أساسي من حقوق الإنسان ينبغي احترامه، وأي توجه نحو ضمان هذا الحق سيعتبرُ خطوةً إيجابية.

 لكن قرارنا بخصوص تأسيس حزب لن يكون أبدا استجابة لرغبة أي جهة كانت، ولسنا نعاني من أزمة إطار تنظيمي كي نقفز على أية إشارة من هنا أو هناك. 

ولذلك، لا أستطيع أن أجيب بنعم أو لا عن فرضية لم تقع بعد، لأن مثل هذا القرار لا يملكه شخص، ولا يصدر عن رغبة فردية، وإنما يخضع للمؤسسات المختصة داخل الجماعة، وفق آلياتها في التشاور والتداول واتخاذ القرار.

لكن الشيء الذي يمكنني تأكيده، هو أن تأسيس حزب سياسي بالنسبة للجماعة ليس غاية في حد ذاته، وليس خيارنا الوحيد للمشاركة، والاهتمام بقضايا الشأن العام وإنما نعتبره شكلا من الأشكال التنظيمية الممكنة، التي تُقيَّم على ضوء خدمتها للمصلحة العامة. وأي قرار في هذا الاتجاه سيبنى على تقدير مؤسسات الجماعة للواقع ولجدوى هذا الخيار في حينه، وليس على مجرد فرضيات أو إعلان نوايا. 

سناء: بعد أكثر من عشرين سنة من المقاطعة، ما الجديد الذي يجعلكم تجددون القرار في كل استحقاق انتخابي؟

أمان: بدايةً، لابد من توضيحٍ مهم كي نرى الصورة واضحة دون مشوشات، جماعة العدل والإحسان وفي كل محطة انتخابية، لا تنطلق من قرار جاهز، وإنما تعيد قراءة السياق السياسي، وتقييم مدى توفر الشروط التي تجعل المشاركة ذات جدوى، ثم تبني موقفها على نتائج هذا التقييم. ولذلك فإن ما يتجدد في كل استحقاق انتخابي ليس قرار المقاطعة، وإنما هو تقييمٌ للواقع.

وإذا انتهى هذا التقييم إلى النتيجة نفسها، فذلك لأن الأسباب التي بُني عليها الموقف لم تعرف، في تقديرنا؛ تحولا يفرض تغيير موقفنا. فالإشكالات المرتبطة ببنية النسق السياسي، وبطبيعة توزيع السلطة ومدى تأثير المؤسسات المنتخبة في صناعة القرار، مازالت مطروحة هذا إن لم نقل أنها تتفاقم.

سناء: هل تعتبرون أن شروط إجراء انتخابات حرة ونزيهة وتنافسية غير متوفرة في المغرب؟ وما الذي يجعلها كذلك؟

أمان: أود بداية أن أشير إلى أن الحكم على نزاهة العملية الانتخابية يتجاوز سلامة التصويت أو فرز الأصوات، ليشمل البيئة التي تسبق الانتخابات، والآثار التي تترتب عنها بعدها. إنها مسار سياسي متكامل يصعب اختزاله في يوم الاقتراع.

وأظن أن هناك العديد من الاختلالات التي تحول دون اكتمال شروط التنافس الديمقراطي، سواء على مستوى البيئة السياسية التي ينبغي أن تكفل تكافؤ الفرص وحياد المؤسسات وصيانة الحقوق والحريات، أو على مستوى النتائج، من خلال محدودية أثر الانتخابات في إنتاج مؤسسات منسجمة قادرة على ممارسة صلاحياتها بكامل الاستقلالية والفعالية.

لذلك، فإن اقتراحاتنا لا تنصرف إلى تحسين الجوانب التقنية للعملية الانتخابية فحسب، وإنما تركز على ضرورة استكمال الشروط السياسية والمؤسساتية التي تجعل الانتخابات أداة حقيقية للتعبير عن الإرادة الشعبية، وآلية فعالة للتداول الحقيقي على السلطة.

سناء: هل تعتبرون أن مقاطعة الانتخابات طوال هذه العقود كانت قرارًا صائبًا؟

أمان: إن تقييم أي قرار سياسي ينبغي أن يتم بمنطق مختلف عن الأحكام القطعية، فالسياسةُ ليست مجالا لليقين المطلق، وإنما هي مجال للاجتهاد في ضوء المعطيات المتاحة في لحظة معينة. لذلك لا أفضل الحديث عن قرار صائب أو خاطئ لأنها في نظري أحكام قيمة، وأفضل الحديث عن قرار منسجم مع قراءتنا السياسية للواقع.

ما ينبغي التأكيد عليه، هو أن قرار المقاطعة كان وما يزال ثمرة نقاش وتداول داخل مؤسسات الجماعة، وذلك استنادا إلى قراءة للمشهد السياسي وإمكانات الفعل من خلاله. لكننا في الوقت نفسه، لم نزعم أن موقفنا يرقى إلى مرتبة الحقيقة المطلقة، وكنا دائما مستعدين لمراجعة تقديراتنا إذا تغيرت السياقات التي بنيت عليها. 

ولذلك، فإن تقييمنا لهذا الخيار لا ينطلق من الرغبة في الدفاع عنه؛ فقط لأنه أصبح جزءا من تاريخنا كما يرى البعض، وإنما تقييمنا مرتبط بالجواب عن سؤال واحد: هل تغيرت المعطيات التي تأسس عليها هذا الخيار؟ وما دامت الإشكالات الجوهرية التي كانت محل تشخيص ما زالت حاضرة بدرجات متفاوتة، فإن ما انتهينا إليه آنذاك يحتفظ بوجاهته السياسية إلى يوم الناس هذا. 

سناء: تصفون الانتخابات بأنها لا تفرز سلطة حقيقية، لكن ملايين المغاربة يصوتون فيها. ألا يعني هذا أن استمرار المقاطعة ترك الساحة السياسية فارغة؟

أمان: الحضور في الساحة السياسية لا يختزل في المشاركة الانتخابية. فالسياسةُ أوسع من الانتخابات، وهي تشمل الإسهام في النقاش العمومي، والتأطير المجتمعي، والدفاع عن الحقوق والحريات، والتفاعل مع مختلف القضايا الوطنية، وبناء الوعي العام، والانفتاح على مختلف القوى الحية في المجتمع.

نعم، نحترم اختيار ملايين المغاربة الذين يشاركون في الانتخابات، لكن من حقنا أيضا أن نختلف في تقديرنا السياسي، وأن نرى المشاركة في ظل الشروط الحالية، لا تحقق التغيير الذي يتطلع إليه المواطن. دون أن ننسى أن خيار المقاطعة هو أيضا اختيار ملايين من المغاربة؛ والجماعة جزء منهم.

أضف إلى ذلك أن خيار المقاطعة بالنسبة للجماعة لم يقترن في يوم من الأيام بالانسحاب من الفضاء السياسي أو ترك الساحة فارغة، بل بالعكس تماما، ظل مقترنا بحضور مستمر في المجتمع، والإسهام في بناء الوعي المجتمعي، والدفاع عن القضايا الكبرى للوطن، وتقديم رؤية للتغيير تحظى بالنقاش والتفاعل.

سناء: ألا تخدم المقاطعة بشكل غير مباشر الأحزاب التي تنتقدونها، وتترك المجال للأحزاب الإدارية للفوز؟

أمان: هذا سؤال مشروع، وقد كان محل نقاشٍ دائم، ليس داخل الأوساط السياسية فحسب، بل حتى بين المهتمين بالشأن العام. ولا شك أن لكل موقف سياسي كلفته، سواء تعلق الأمر بالمشاركة أو بالمقاطعة، لكن السؤال كان يشغلنا هو؛ هل مشاركتنا في ظل الشروط التي نتحفظ عليها، ستفضي إلى نتائج مختلفة؟ أم أنها فقط ستمنح شرعية لواقع نرى أنه في حاجة إلى إصلاح عميق؟

لهذا؛ لا ينبغي اختزال أسباب صعود هذا الحزب أو ذاك في موقف جهة اختارت المقاطعة، لأن النتائج الانتخابية هي محصلة عوامل متعددة، تتعلق بطبيعة النظام الانتخابي، وبالسياق السياسي، وبموازين القوى، وبخيارات الناخبين… ولا يمكن ردها إلى عامل واحد.

أضف إلى ذلك أن المقاطعة بالنسبة إلينا رسالة سياسية تنبه إلى أن ترسيخ الخيار الديمقراطي لا يقتصر على تغيير الوجوه أو التداول على المقاعد، لكنه ينطلق من توفير بيئة سياسية ودستورية ومؤسساتية تجعل لصوت المواطن أثرا فعليا في صناعة القرار.

سناء: هل المقاطعة قرار مبدئي دائم أم أنها قابلة للمراجعة؟

أمان: في العمل السياسي، من المهم التمييز بين المبادئ الثابتة والمواقف الاجتهادية، والمقاطعة ليست مبدأ ثابتا ولا عقيدة غير قابلة للمراجعة، بل هي اجتهاد سياسي تأسس على قراءة معينة للواقع، وعلى تقدير مدى جدوى المشاركة في ظل الشروط السياسية القائمة. وما دامت اجتهادا سياسيا، فهي بالضرورة قابلة للمراجعة متى تغيرت المعطيات التي بنيت عليها. 

لذلك، فالثابت عندنا هو الالتحام الدائم مع هموم المغاربة واهتماماتهم واقتراح ما نراه مناسبا للانفلات من قبضة الفساد والاستبداد. أما الوسائل والآليات، فهي مجال للاجتهاد الدائم، تخضع لتقدير الواقع وتحولاته. فإذا تغيرت الأسباب التي دعت إلى المقاطعة، فإن منطق الاجتهاد يقتضي إعادة النظر في هذا الخيار.

إن العمل السياسي الرشيد يقوم على قراءة مستمرة للواقع وتفاعل دائم ومسؤول مع تحولاته دون تنكر للمبادئ ولا التفاف عليها، وهذا هو الشرط لبناء مواقف سياسية مسؤولة.

سناء: ما هي الشروط السياسية التي إذا توفرت ستشاركون في الانتخابات؟

أمان: نحن لا نبحث عن امتيازات ولا نبحث عن اشتراطات خاصة، وإنما عن ضمانات سياسية ودستورية تعيد الثقة في العملية الانتخابية، وتطمئن المواطن إلى أن صوته مؤثر، وأن المؤسسات التي انتخبها قادرة على الوفاء باختصاصاتها.

لذلك، فإن أي بيئة سياسية تضمن انتخابات حرة ونزيهة، واستقلالا للقضاء، واحتراما للحقوق والحريات، وربطا فعليا بين المسؤولية والمحاسبة، ومؤسسات منتخبة تمارس صلاحياتها الدستورية دون إفراغ أو تعطيل، ستكون بطبيعة الحال بيئة مختلفة تستدعي إعادة النظر في مختلف الخيارات السياسية.

سناء: هل أنتم ضد الانتخابات الحالية أم ضد مبدأ الانتخابات نفسه؟

لسنا ضد مبدأ الانتخابات، بل نعتبرها إحدى الآليات الأساسية التي يعبر بها الشعب عن إرادته، ويختار مِن خلالها مَن يتولى تدبير شؤونه، ويحاسبه على أدائه. لذلك لم يكن اعتراضنا يوما على فكرة الانتخابات في ذاتها، وإنما على الشروط السياسية والمؤسساتية التي تُجرى في ظلها، ومدى قدرتها على أن تفضي إلى تداول حقيقي على السلطة، وإلى مؤسسات تمارس صلاحياتها كاملة. وكنا دائما نؤكد على ضرورة إصلاح البيئة السياسية والدستورية التي تحتضن العملية الانتخابية، حتى تصبح الانتخابات تعبيرا حقيقيا عن الإرادة الشعبية، لا مجرد استحقاق دوري.

ولو كنا نرفض مبدأ الانتخابات من حيث هو، لما تحدثنا عن الشروط التي تجعل المشاركة ذات جدوى، ولما قلنا إن مواقفنا السياسية، ومنها المشاركة أو المقاطعة، هي اجتهادات مرتبطة بالواقع وليست مبادئ ثابتة. 

سناء: إذا لم يكن التغيير عبر صناديق الاقتراع، فما هو المسار العملي الذي تقترحونه للوصول إلى انتقالٍ ديمقراطيٍّ؟ 

أمان: بداية نحن لا نقلل من أهمية الانتخابات كما قلت سلفا، بل نعتبرها محطة أساسية في أي نظام ديمقراطي. لكننا نرى أن الانتخابات، مهما بلغت درجة نزاهتها، لا تستطيع وحدها أن تنتج انتقالا ديمقراطيا إذا لم تكن مسبوقة بإصلاحات سياسية ودستورية تؤسس لقواعد جديدة في تدبير السلطة والعلاقة بين الدولة والفاعل السياسي وبين الدولة والمجتمع.

لذلك نرى أن المدخل الحقيقي للإصلاح هو حوار وطني جامع، تشارك فيه مختلف القوى السياسية والمجتمعية، يفضي إلى توافق حول القواعد المؤسسة للحياة السياسية، ويؤسس لميثاق وطني يحدد أسس الانتقال الديمقراطي، ويضمن بناء دولة المؤسسات، وسيادة القانون، والفصل بين السلط، واستقلال القضاء، وصيانة الحقوق والحريات.

وعندما تستقر هذه القواعد، تصبح الانتخابات آلية طبيعية للتنافس على البرامج والتداول على المسؤولية، ويصبح لصندوق الاقتراع أثر حقيقي في صناعة القرار.

إنه مسار متكامل يجعل الانتخابات ذات معنى وجدوى، مسار يحولها من إجراء دوري إلى أداة حقيقية للتداول الديمقراطي على السلطة.

سناء: كيف تقيمون المشهد الحزبي المغربي اليوم؟ 

أمان: لن أجازف إذا قلت بأن المشهد الحزبي في المغرب يعيش أزمة مركبة، يصعب اختزالها في طرف واحد أو في بعد واحد. فعندما لا تسمح البيئة السياسية بتنافس متكافئ، وتداول فعلي على السلطة، واستقلالية حقيقية للفاعل الحزبي، فإن قدرة الأحزاب على القيام بأدوارها في التأطير والوساطة وصناعة البدائل يظل محدودا. 

سناء: إذن المشكلة في الأحزاب نفسها، أم هي في النظام السياسي الذي تعمل من داخله؟

أمان: لا يمكننا أن نعفي الأحزاب من مسؤوليتها، فكثير منها يعاني اختلالات داخلية واضحة، من قبيل ضعف الديمقراطية الداخلية، وهيمنة الأشخاص على المؤسسات، وضعف التأطير والتواصل مع المواطنين، الأمر الذي أفقد الثقة في العمل الحزبي، وساهم في تنامي مظاهر الانتهازية السياسية والترحال الحزبي، حتى أصبح الانتماء الحزبي في بعض الحالات أقرب إلى ورقة انتخابية منه إلى تعبير عن مشروع سياسي أو مجتمعي.

لذلك، أرى أن إصلاح المشهد الحزبي لابد له من أحزاب قادرة على تجديد نفسها، وتكريس الديمقراطية الداخلية، وبناء جسور الثقة مع المجتمع. ويحتاج كذلك إلى بيئة سياسية تعزز استقلالية الأحزاب وتضمن تنافسا سياسيا حقيقيا. وكلما كانت البيئة السياسية أكثر انفتاحا، وكانت الأحزاب أكثر استقلالا وقوة، ازدادت قدرتها على أداء وظائفها الدستورية، واستعادت الحياة السياسية جزءا من حيويتها ومصداقيتها.

سناء:  كيف تقيمون أداء البرلمان الحالي؟ وهل يمارس سلطة حقيقية أم أن صلاحياته محدودة؟

أمان: البرلمان المغربي يواجه اليوم تحديين متلازمين؛ الأول يتعلق بالأداء، حيث لا يمكن إنكار وجود اختلالات تسيء إلى صورة المؤسسة، من قبيل الغياب المتكرر لبعض الأعضاء، وضعف المبادرة التشريعية، ومحدودية فعالية آليات الرقابة. أما التحدي الثاني، وهو الأهم، فيتعلق بطبيعة البيئة السياسية والمؤسساتية التي تحد من قدرة البرلمان على ممارسة وظائفه باعتباره سلطة تشريعية ورقابية مستقلة.

لذلك، فإن النقاش حول أداء البرلمان لا ينبغي أن يقتصر على سلوك أعضائه، بل يجب أن يمتد إلى موقعه داخل البناء الدستوري والسياسي، ومدى تمتعه بصلاحيات فعلية تمكنه من التشريع والرقابة والمحاسبة بما ينسجم مع منطق فصل السلط وتوزنها.

إن تقوية البرلمان يبدأ من تعزيز مكانته الدستورية، وتوسيع صلاحياته الرقابية والتشريعية، إلى جانب ترسيخ ثقافة المسؤولية والمحاسبة داخل المؤسسة نفسها. أما الاكتفاء بإدخال بعض التحسينات الإجرائية أو التعديلات التنظيمية فلا يعدو كونه إهدارا للجهد والوقت لا أقل ولا أكثر. بهذا فقط يستعيد البرلمان قوته ومكانته ويستعيد المواطن ثقته في جدوى العمل البرلماني وفي قدرة صوته الانتخابي على إحداث أثر حقيقي.

سناء: حزب العدالة والتنمية اختار المشاركة من داخل المؤسسات، بينما اخترتم أنتم المقاطعة. بعد ولايتين قاد فيها الحكومة، هل تعتبرون أن تجربته أثبتت صحة موقفكم؟ 

أمان: بالفعل، وبعد مرور كل هذه السنوات، نحن في حاجة إلى تقييم تلك المرحلة، لكن ينبغي أن يتم هذا التقييم بهدوء وبمنطق استخلاص الدروس، لا بمنطق إثبات من كان على صواب ومن كان على خطأ.

لذلك، فإننا لا نتعامل مع هذه التجربة باعتبارها دليلا على صحة موقفنا أو خطأ موقف غيرنا، فما يعنينا أساسا هو الإسهام في بناء شروط تغيير سياسي يفتح آفاقا أوسع أمام الجميع، ويعزز ثقة المواطنين في العمل السياسي ومؤسساته. 

سناء: هل فشل العدالة والتنمية هو فشل للإسلاميين في الحكم؟ أم لفكرة المشاركة داخل النظام السياسي المغربي؟

أمان: في تقديري، لكل تجربة سياقها الخاص، ولكل بلد شروطه السياسية والدستورية، لذلك لا ينبغي أن نسقط في فخ التعميم فنجعل من تجربة واحدة معيارا للحكم على تجارب أخرى.

أما إذا رجعنا إلى الحالة المغربية، فإن أداء أي حزب سياسي ومآلات تجربته لا تحددها مرجعيته الفكرية ولا حجم حضوره الشعبي، وإنما يتأثر بطبيعة النسق السياسي الذي يتحرك داخله، وما يتيحه من هوامش للفعل والتأثير.

من هنا، فإن الدرس الذي نستخلصه لا يتعلق بالأشخاص ولا بالمرجعيات، وإنما يتعلق بضرورة توفير الشروط التي تجعل أي تجربة حكومية، أيا كان الحزب الذي يقودها، قادرة على الوفاء بالتزاماتها أمام المواطنين، وخاضعة في الوقت نفسه للمساءلة والمحاسبة.

سناء: قيادات في العدالة والتنمية اعتبرت أن دعوتكم إلى مقاطعة الانتخابات كانت تستهدفها أكثر مما تستهدف الدولة. لماذا كانت العلاقة بينكما متوترة رغم أنكما تنطلقان من مرجعية إسلامية؟

أمان: بداية لابد من توضيح فكرة أساسية، مفادها أن الاشتراك في المرجعية لا يعني بالضرورة الاشتراك في الموقف. فالمرجعيةُ الواحدة قد تفضي إلى اجتهاداتٍ مختلفةٍ سواء في التشخيص أو في الاقتراح. 

أما عن علاقتنا بحزب العدالة والتنمية، فيصعب اختزالها في التوتر. كل ما هنالك أننا نختلف في المقاربة والتقدير السياسيين، وهذا شيء طبيعي في العمل السياسي. 

أما عن مقاطعتنا للانتخابات فهي لم تكن موجهة ضد حزب العدالة والتنمية، ولا ضد أي حزب أو جهة بعينها، وإنما كانت تعبيرا عن موقف سياسي قائم على قراءتنا للنسق السياسي برمته.

أضف إلى ذلك أن الاختلاف في الاجتهاد السياسي أمر طبيعي، ولا ينبغي أن يتحول إلى خصومة أو إلى تشكيك في النوايا. وما يجمع الفاعلين السياسيين ينبغي أن يكون أكبر مما يفرقهم، لأن ما يجمعنا هو البحث عن مصلحة المغرب والمغاربة وهي تعلو فوق كل اختلاف. 

لا شك أن الحياة السياسية في المغرب تحتاج إلى ترسيخ ثقافة تقبل الاختلاف، والتمييز بين تنوع الرؤى والتقديرات وبين تحويل ذلك إلى صراعات تستنزف الجميع. وهذا مطلب ينبغي أن يشتغل عليه جميع الفاعلين السياسيين.

سناء: هناك من يقول إن الجماعة تفضل أن تبقى قوة ضغط ومعارضة لأنها لا تريد تحمل مسؤولية الحكم. ما ردكم؟ 

أمان: هذا السؤال ينطلق من افتراض يتعلق بالنوايا أكثر مما يتعلق بالمواقف المعلنة. لذلك أفضل أن أتحدث عن موقف الجماعة كما تعبر عنه أدبياتها وممارستها.

أولا، نحن لا ننظر إلى المعارضة باعتبارها موقعا مريحا، ولا إلى الحكم باعتباره غاية في حد ذاته. وفي تصورنا؛ الموقعان معا وسيلة لخدمة المجتمع وتحقيق المصلحة العامة، وليسا هدفا يُطلب لذاته.

ثانيا، إن تحمل مسؤولية الحكم لا يُختزل في الوصول إلى السلطة، وإنما في وجود تعاقد سياسي حقيقي، وإرادة شعبية حرة، ومؤسسات تضمن المحاسبة والتداول على السلطة، وفي غياب هذه الشروط، يصبح الحديث عن تحمل المسؤولية بلا معنى.

سناء: البعض يرى أن خطاب الجماعة اكتسب شرعيته من موقع المعارضة والمظلومية. هل تخشون أن تفقدوا هذه الشرعية إذا دخلتم المعترك الانتخابي، كما حدث مع حزب العدالة والتنمية؟

أمان: صحيح أن جماعة العدل والإحسان تعرضت، عبر مراحل مختلفة، للتضييق والمنع، وما زالت، لكننا لم نعتبر ذلك في يوم من الأيام مصدرا لشرعيتنَا، ولا سعينا إلى تحويله إلى رأسمال سياسي أو رمزي.

فالشرعية الحقيقية لأي فاعل مجتمعي لا تُبنى على موقعه من السلطة، سواء كان في “المعارضة” أو في “الحكم”، وإنما تبنى على وضوح مشروعه، وانسجام مواقفه، وقربه من قضايا المجتمع، وقدرته على الحفاظ على استقلالية قراره ومصداقيته.

أما هذا الربط بين موقف الجماعة من المشاركة الانتخابية والخشية من فقدان هذه الشرعية؛ فهو غير وارد على الإطلاق؛ خاصة وأن الجماعة لم تجعل من المشاركة أو المقاطعة مبدأً ثابتا، ولا من المعارضة مكسبا لا ينبغي التنازل عنه. بل تنظر إلى هذه القضايا باعتبارها خيارات سياسية تُقدر حسب السياقات والمآلات والجدوى.

وفيما يتعلق بالمقارنة مع تجربة حزب العدالة والتنمية، فمن الإنصاف أن تُقرأ كل تجربة في سياقها الخاص، لأن كل فاعل له مرجعيته وقراءته وخياراته. لذلك نحن لا نبني مواقفنا على تجارب الآخرين، بل ننطلق من رؤيتنا نحن لطبيعة التغيير المنشود، وللشروطِ التي تجعل من أي مشاركة ذات جدوى.

سناء: لو أصبحت الانتخابات غدًا حرة ونزيهة، والقضاء مستقلًا، وضمنت الدولة التداول الحقيقي على السلطة، هل ستتحول جماعة العدل والإحسان إلى حزب سياسي وتشارك في الانتخابات؟

أمان: إذا افترضنا وتحققت هذه الشروط، فإننا سنكون أمام تحول نوعي في الحياة السياسية، ولا شك أن ذلك سيفتح أمام جميع الفاعلين إمكانات جديدة للمشاركة والإسهام في تدبير الشأن العام.

أما بالنسبة لجماعة العدل والإحسان، فمن الطبيعي أن يفرض أي تحول بهذا الحجم مراجعة لوسائل العمل وآلياته بما ينسجم مع الواقع الجديد، وبما ينسجم مع طبيعتها ومع مشروعها. فالسياسة، على أهميتها، ليست كل شأن الجماعة، وإنما هي بعض شأنها. نحن أصحاب مشروع مجتمعي، يشتغل في مجالات التربية والدعوة والفكر، إلى جانب اهتمامه بالشأن العام. 

لذلك فأي تحول في الحضور السياسي لن يغير من طبيعة المشروع ولن يختزل رسالته في العمل السياسي فأحرى في العمل الحزبي.

اقرأ أيضا

  • زينب عبد الوفي: النساء في مهنة “العدل” يواجهن عقليات ذكورية ولا تمثيل لنا في أجهزة الهيئة

    في حوار مع منصة “هنَّ”، تسلط زينب عبد الوفي، العدل الموثقة باستئنافية المحمدية والحاصلة على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية، الضوء على التحديات التي تواجه النساء في مهنة التوثيق العدلي.  تتحدث عن العقبات التي اعترضت المرأة عند دخولها هذا المجال، وأبرزها بعض العقليات الذكورية التي رفضت وجودها، سواء داخل المهنة نفسها أو في المجتمع عمومًا.  كما…

    سناء كريم|

  • ديمقراطية البصر الأعور.. في الانتخابات الليبية المرأة تُنتخب بلا ملامح

    مع انطلاق الحملات الانتخابية التي تملأ الشوارع والمنصات الرقمية، تبرز ظاهرة طمس صور النساء المترشحات، كمرآة صادقة للصراع الثقافي والاجتماعي العميق الذي تواجهه المرأة في ليبيا.  فحين تُخفى صور المرشحات أو تُستبدل بأسمائهن فقط، لا يكون الأمر مجرد تجاهل بصري، بل استمرار لمنظومة اجتماعية تحصر المرأة في الظل وترفض الاعتراف الكامل بحقها في الظهور والمشاركة…

    منى توكا|

  • انتظارات التونسيات من الرئيس القادم للبلاد: “تحقيق العدالة الاجتماعية المفقودة في تونس” 

    دعا الرئيس التونسي قيس سعيد، إلى إجراء انتخابات رئاسية في 6 أكتوبر الجاري، حسبما أشار بيان رسمي مقتضب من الرئاسة، صدر مطلع شهر يوليوز الماضي. وتأتي هذه الانتخابات الرئاسية في سياق انتخابي "تم خلاله ضرب كل ما تم تركيزه من مبادئ الانظمة الديمقراطية"، حسب نشطاء حقوق الإنسان في البلاد، كما يرجح في سابقة من نوعها…

    ريم بلقاسم|

  • حقوق النساء بعد 25 جويلية: كيف تتراجع الحقوق دون أن تتغيّر القوانين؟

    شكّل الخامس والعشرون من جويلية/يوليو 2021 نقطة تحوّل فارقة في المسار السياسي التونسي، بعد إعلان الرئيس قيس سعيّد تجميد عمل البرلمان وإقالة رئيس الحكومة، ثم تجميع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية تدريجيًا بيده، قبل إقرار دستور جديد سنة 2022 وتغيير المنظومة الانتخابية والمؤسساتية. وبينما انصبّ جزء كبير من النقاش العام على تداعيات هذه التحوّلات على الديمقراطية…

    يسرى بلالي|