لم يعد الدفاع عن حقوق النساء في المغرب حكرا على الفاعلات النسويات أو الحركات النسائية فقط، بل أصبح أيضا خيارا واعيا لدى عدد متزايد من الرجال الذين يعتبرون أنفسهم معنيين بشكل مباشر بقضية المساواة. رجال اختاروا الاصطفاف إلى جانب النساء، لا من موقع الوصاية، بل من موقع الشراكة في النضال من أجل العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، معتبرين أن أي تقدم ديمقراطي حقيقي لا يمكن أن يتحقق دون إنصاف النساء وضمان كرامتهن.
في السنوات الأخيرة، برز خطاب جديد لرجال ينتمون إلى خلفيات سياسية وفكرية مختلفة، يجمعهم الإيمان بأن قضايا النساء ليست قضايا فئوية، بل قضايا مجتمعية بامتياز. خطاب يتقاطع فيه النضال الحقوقي مع التجربة الشخصية، والعمل السياسي مع الوعي الإنساني، ويضع المساواة بين النساء والرجال في صلب النقاش العمومي، بعيدا عن الصور النمطية التي تحصر النسوية في صراع ضد الرجال.
من داخل الأحزاب السياسية، ومن الحقل الصحفي والثقافي، ومن فضاءات المجتمع المدني، يعلن هؤلاء الرجال مواقف واضحة ضد التمييز القائم على الجنس، وينتقدون القوانين والممارسات التي تكرس الحيف ضد النساء، سواء تعلق الأمر بمدونة الأسرة، أو بالعنف القائم على النوع، أو بالتمثيلية السياسية، أو بسوق الشغل. ويجمعهم إدراك مشترك بأن الصمت لم يعد ممكنا، وأن الانخراط في هذا النقاش هو مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون اختيارا سياسيا.
ويستحضر هذا التحول في الخطاب ذاكرة الحركة النسائية المغربية، بكل ما حملته من توترات وإقصاءات في بداياتها، ليؤكد أن السياق اليوم تغير، وأن معركة المساواة تحتاج إلى توسيع صفوفها والانفتاح على كل من يؤمن بها، نساء ورجالا.
في هذه التقرير، ترصد منصة “هنَّ” آراء عدد من الفاعلين الرجال الذين يعرفون أنفسهم كنسويين، للوقوف على دوافعهم، وفهمهم للنسوية، وكيف ينعكس ذلك على ممارساتهم ومواقفهم داخل المجتمع.
النسوية نضال من أجل مجتمع عادل
يرى آدم سمين، عضو شبيبة حزب التقدم والاشتراكية، أن تبنيه للفكر النسوي “لم يكن اختيارا ظرفيا أو ترفا فكريا، بل نتيجة وعي عميق بالبنية الاجتماعية والقانونية التي تحكم وضعية المرأة المغربية، وبالتمييز الممنهج الذي تتعرض له في مختلف مناحي الحياة”.
ويؤكد على أن “النسوية الجذرية ليست مفهوما قدحيا، بل هي مقاربة فكرية تسعى إلى معالجة جذور الخلل، وعلى رأسها النظام الأبوي الذي ينتج التمييز القائم على الجنس، ويكرس أشكالا متعددة من الإقصاء والعنف الرمزي والمادي ضد النساء، في ظل تساهل الدولة أو تقاعسها في كثير من الأحيان”.
ويعتبر أن إدراكه لواقع المرأة المغربية “جاء من وعي شخصي وتجربة جماعية في آن واحد، إذ إن المرأة في المغرب تعيش وضعية اختلال بنيوي يجعلها في موقع أقل حظا مقارنة بالرجل، سواء في قضايا الحضانة، والولاية على الأطفال في حالة الطلاق، أو في الإرث، والتعدد، وسوق الشغل، والتقاعد، والحماية الاجتماعية”.
ويشدد على أن “استمرار هذه الأوضاع في مغرب اليوم أمر غير مقبول، خاصة في مجتمع يقدم نفسه في الظاهر كحداثي، بينما يعكس واقعه الاجتماعي والقانوني تناقضا صارخا مع هذا الادعاء”.
ويأسف سمين لـ”غياب سياسة عمومية حقيقية تهدف إلى توعية المجتمع بمفهوم النسوية وأهدافها، وهو ما أدى إلى انتشار تصورات خاطئة وأحكام مسبقة حول هذا الفكر”. ويؤكد على أن “النظرة السلبية السائدة تجاه النسوية لا تعود إلى جوهرها، بل إلى سوء فهمها، في ظل غياب النقاش العمومي الرصين”.
ورغم ذلك، يوضح أنه لا يرفض الرأي المخالف، بل يدعو إلى الحوار والاستماع والنقاش، لكنه يرفض اختزال نضاله في مجرد وسمه بالنسوية دون مناقشة القضايا العميقة التي يطرحها.
ويوضح اعتزازه بما يقوم به، معتبرا أن هدفه “ليس الدفاع عن فكرة مجردة، بل المساهمة في بناء واقع تصبح فيه المساواة أمرا بديهيا لا موضوعا للصراع”.
ويشير سمين إلى أن “النسوية ليست موجهة ضد الرجال، بل هي مشروع مجتمعي يهدف إلى تحقيق المساواة الكاملة بين النساء والرجال في الحقوق والواجبات”.
ويرى أن “الخطاب الذي يقدم النسوية باعتبارها معادية للرجال يسعى في العمق إلى الحفاظ على الامتيازات غير المشروعة التي يتمتع بها الرجال داخل النظام الأبوي، والتي جاء الفكر النسوي لتفكيكها وإعادة النظر فيها على أساس العدالة والإنصاف”.
ومن بين القضايا التي يعتبرها ذات أولوية قصوى، يضع مسألة الاغتصاب الزوجي، التي لا يعترف بها التشريع المغربي. وينتقد التصور الضيق والسائد لمفهوم الاغتصاب، الذي يحصره في اعتداء يقع خارج إطار الزواج، مؤكدا على أن “الاغتصاب في جوهره هو كل علاقة جنسية تتم دون رضا أحد الأطراف، سواء داخل مؤسسة الزواج أو خارجها”.
ويشدد على أن “إجبار الزوجة على المعاشرة الجنسية هو شكل من أشكال الاغتصاب، حتى وإن تم تحت غطاء العلاقة الزوجية”، مبرزا أن “غياب هذا المفهوم في القانون يفتح الباب أمام إفلات المعتدين من العقاب، ويجعل النساء دون حماية قانونية حقيقية”.
ويستحضر في هذا السياق حالات واقعية كشفت حجم الخلل التشريعي، حيث “صدرت أحكام ابتدائية بالإدانة قبل أن تلغى في مراحل التقاضي اللاحقة، ما يعكس غياب إطار قانوني واضح وصريح يعترف بالاغتصاب الزوجي ويجرمه”. ويرى أن هذا الوضع “يشكل مساسا خطيرا بكرامة النساء وبحقهن في السلامة الجسدية والنفسية”.
ويتوقف سمين عند ملف تعديل مدونة الأسرة، معتبرا أن ما تم تداوله إلى حدود الساعة لا يتجاوز مستوى الوعود والتصريحات السياسية، دون أن يترجم إلى نصوص قانونية واضحة تحال على البرلمان.
ويؤكد على أن “أي إصلاح، مهما كان محدودا، يظل أفضل من استمرار الوضع القائم”، لكنه يشدد في المقابل على أن “المرأة المغربية مازالت تعاني من اختلالات صارخة، خاصة في ما يتعلق بالحضانة والإجراءات الإدارية، حيث تجبر الأم الحاضنة على اللجوء إلى ولاية الأب في عدد من المساطر، في وضع غير متكافئ ولا يقوم على مبدأ المعاملة بالمثل”.
كما ينتقد القاعدة التي تسقط الحضانة عن المرأة في حال زواجها، في الوقت الذي لا يطبق فيه نفس المبدأ على الرجل، معتبرا أن هذا التمييز لا يستند إلى منطق العدالة ولا إلى مصلحة الطفل، بل يعكس رؤية تقليدية تعاقب المرأة على اختياراتها الشخصية.
وفي السياق نفسه، يدعو سمين إلى فتح نقاش جدي حول التعدد، معتبرا أن الإبقاء عليه لم يعد مبررا في مجتمع يسعى إلى تكريس الكرامة الإنسانية والمساواة. كما يؤكد أن قضية الإجهاض يجب أن تخرج من دائرة الطابوهات، مشددا على حق المرأة في التحكم في جسدها واتخاذ قراراتها الصحية والإنجابية بحرية ومسؤولية، ما دام ذلك لا يشكل خطرا على صحتها.
ويعتبر أن “العنف الزوجي والعنف الموجه ضد النساء بشكل عام يجب أن يتعامل معه كقضية مجتمعية بامتياز، تستدعي تعزيز الترسانة القانونية، وتوفير آليات فعالة للحماية، والقطع مع منطق التطبيع مع العنف أو تبريره ثقافيا أو اجتماعيا”.
وفي ما يخص سوق الشغل، يرى سمين أن النساء يعانين من تمييز بنيوي واضح، سواء على مستوى الولوج إلى فرص العمل، أو الأجور، أو الترقي المهني. كما يلفت الانتباه إلى الاختلالات المرتبطة بأنظمة التقاعد، وإلى تجاهل الدولة للخصوصيات البيولوجية للنساء، معتبرا أن إقرار إجراءات حمائية، مثل العطل المرتبطة بالدورة الشهرية، لا يعد امتيازا، بل خطوة ضرورية لتحقيق المساواة الفعلية بين الجنسين، في إطار مسؤولية الدولة في ضمان العدالة الاجتماعية.
وعلى مستوى المشاركة السياسية، يوضح سمين أنه لا يعارض مبدئيا النقاش حول نقد نظام الكوطا، لكنه يشدد على ضرورة تقديم بدائل واقعية وقابلة للتنفيذ.
ويقترح في هذا الصدد “اعتماد نظام انتخابي نسبي كامل بلوائح وطنية تقوم على مبدأ التناوب الإجباري بين النساء والرجال، باعتباره نموذجا أكثر عدلا ونجاعة من الصيغ الحالية”.
غير أنه يقر بأن “السياق السياسي الراهن في المغرب لا يسمح بالاستغناء عن نظام الكوطا، لأنها تظل الآلية الوحيدة المتاحة حاليا لضمان تمثيلية النساء، في ظل هيمنة الرجال داخل الأحزاب السياسية واستفادتهم من دعم تنظيمي ومالي أكبر”.
وفي ختام تصوره، يؤكد سمين أن النسوية التي يدافع عنها ليست معركة ضد فئة معينة، بل نضال من أجل مجتمع عادل، يضمن المساواة الفعلية بين جميع أفراده. ويرى أن “أي مشروع حقيقي لتحديث المغرب لا يمكن أن ينجح دون تفكيك البنى التمييزية التي تقصي النساء، ودون جعل العدالة الجندرية ركيزة أساسية من ركائز البناء الديمقراطي”.
إشراك الرجال في الحركة النسوية ضرورة حقوقية
من جهته، يرى هشام حذيفة، الكاتب والصحفي، أن الجدل المرتبط برفض بعض النسويات لانخراط الرجال في الحركة النسوية لا يمكن فهمه خارج سياقه التاريخي. فالحركة النسائية، بصيغتها الحديثة التي تبلورت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، نشأت في ظرف اتسم بإحباط عميق لدى النساء، خاصة داخل الأحزاب السياسية التقدمية واليسارية، التي كانت ترفع شعارات الديمقراطية والتحرر، لكنها في الواقع كانت تؤجل قضايا النساء بدعوى وجود أولويات أكبر، على رأسها إسقاط الاستبداد وبناء الديمقراطية، مع وعد مؤجل بأن تأتي حقوق المرأة لاحقا.
في هذا السياق، “وجدت النساء أنفسهن مهمشات حتى داخل الفضاءات التي يفترض أنها تقدمية، وهو ما دفعهن إلى إخراج قضية المرأة من داخل الأحزاب، وتأسيس جمعيات نسائية مستقلة تركز حصريا على الدفاع عن حقوق النساء”، يضيف حذيفة.
ويعتبر حذيفة أن “هذا المسار كان مفهوما ومبررا في تلك المرحلة، لأن النساء لم يكن يملكنَ خيارا آخر، ولأنهنَّ كن الأقدر على التعبير عن الحيف الذي يعشنه يوميا. لذلك، فإن الإقصاء الرمزي أو العملي للرجال في بدايات الحركة النسوية يمكن تفهمه كنتاج مباشر لتجربة تاريخية قائمة على الخذلان والتهميش”.
غير أن حذيفة يؤكد أن هذا السياق لم يعد قائما اليوم، “فنحن في سنة 2026 وقد مرت أزيد من خمسة عقود على ذلك المخاض التاريخي، وبرزت أجيال جديدة من الرجال الذين وعوا بأهمية حقوق النساء، ليس فقط من منطلق سياسي أو نظري، بل من خلال تجاربهم الشخصية داخل الأسرة، ومع بناتهم، وزوجاتهم، ومحيطهم الاجتماعي”.
ويعتبر أن استمرار خطاب إقصاء الرجال من الحركة النسوية في الزمن الراهن لم يعد له ما يبرره، بل قد يشكل عائقا أمام تحقيق المساواة الفعلية.
ويشدد حذيفة على أن “الدفاع عن حقوق النساء اليوم يجب أن ينظر إليه كجزء لا يتجزأ من الدفاع عن حقوق الإنسان، بمعناها الشامل، لا كقضية فئوية تخص النساء وحدهن”.
“فحين تتم حماية حق المرأة، يتم في الوقت نفسه حماية حق الإنسان، لأن المساواة ليست امتيازا تمنحه فئة لأخرى، بل حق إنساني كوني. ومن هذا المنطلق، يرى حذيفة أن إشراك الرجال في النضال من أجل المساواة لم يعد خيارا ثانويا، بل ضرورة استراتيجية وأخلاقية”، يوضح حذيفة.
ويستحضر في هذا الإطار تجارب جمعوية اختارت منذ سنوات العمل المشترك بين النساء والرجال، معتبرا أن هذه المبادرات أثبتت أن الرهان على الشراكة ممكن ومثمر.
كما يذكر أن العديد من النسويات الرائدات، في المغرب وخارجه، يؤكدن اليوم أن معركة المساواة لا يمكن ربحها دون الرجال، لأن النظام الأبوي لا يضر النساء فقط، بل يشوه المجتمع بأكمله.
ويؤكد على “وجود رجال مؤمنين بالمساواة داخل الحركة النسوية يساهم في توسيع قاعدة الدعم، ويشجع رجالا آخرين على الانخراط، خاصة أولئك الذين يتقاسمون نفس القناعات لكنهم يترددون في الاقتراب من حركة يعتقدون، عن خطأ، أنها مغلقة عليهم”.
وفي هذا السياق، يعتبر حذيفة أن “الخطابات الذكورية المعادية للنسوية فقدت اليوم كل معناها، ولم تعد تشكل سوى مواقف هامشية لا تستحق النقاش الجدي. كما يرى أن التمسك بخطاب نسوي إقصائي للرجال، خارج سياقه التاريخي، لا يقل إشكالية، لأنه يحد من جاذبية الحركة ويقلص قدرتها على التأثير المجتمعي. فكلما اتسعت دائرة المنخرطين في الدفاع عن المساواة، وكلما ارتفعت فرص تحقيقها على أرض الواقع”.
ومن موقعه كصحفي، يؤكد حذيفة أن قناعته بقضية المساواة لم تكن نظرية أو مجرد تبن فكري، بل تشكلت عبر العمل الميداني والاحتكاك المباشر بواقع النساء، خاصة في المغرب المهمش والعميق، وفي الأحياء الشعبية للمدن الكبرى، وفي المصانع، لا سيما في قطاعات مثل النسيج وتعليب السمك. ويوضح أن “النزول إلى الميدان يكشف حجم التمييز الذي تعانيه النساء بشكل خاص، إضافة إلى التهميش العام الذي يطال فئات واسعة من المجتمع”.
ويرى أن “هناك حيفا اجتماعيا يطال المغاربة عموما، رجالا ونساء، لكن هناك أيضا حيفا خاصا وممنهجا يستهدف النساء بشكل مباشر، سواء في العمل، أو في الأجور، أو في ظروف التشغيل، أو في الاعتراف الاجتماعي”. ومن هنا جاءت أهمية اعتماد سرد القصص كأداة للترافع، لأنها تسمح بإبراز هذه الحقائق المجردة من خلال تجارب إنسانية ملموسة، قادرة على لمس الوجدان وتحفيز التفكير النقدي.
ويشير في هذا الإطار إلى أعماله الصحفية والبحثية التي ركزت على أوضاع النساء المهمشات، وإلى مساهماته في مشاريع توثيقية تناولت التمييز في سوق الشغل، وسلطت الضوء على نساء ظللن خارج دائرة الاهتمام الإعلامي والسياسي. ويعتبر أن الكتابة عن هذه القضايا ليست مجرد نقل للواقع، بل فعل مقاومة رمزية ضد التهميش والنسيان.
كما يتحدث عن المبادرات التي يشرف عليها، خاصة في إطار العمل الثقافي والتربوي، والتي تهدف إلى ترسيخ قيمة المساواة لدى الشباب والشابات، عبر التكوين في التفكير النقدي، والاعتماد على النصوص والسرديات المستمدة من واقع النساء.
ويؤكد على أن “الاشتغال مع الأجيال الصاعدة على هذه القيم يشكل رهانا أساسيا لبناء مجتمع أكثر عدلا، لأن المساواة لا يمكن أن تفرض بالقانون فقط، بل يجب أن تصبح جزءا من الوعي الجماعي”.
ويبرز أن “اعتماد سرد القصص كوسيلة للترافع جاء نتيجة إدراك محدودية الأساليب الكلاسيكية في الدفاع عن قضايا المساواة، خاصة في ظل حالة الإنهاك الخطابي التي يعيشها النقاش العمومي”.
ويؤكد على أن “هذه المبادرات حرصت على إشراك مختلف الحساسيات الاجتماعية، من ناشطات حقوقيات، وطالبات جامعيات، ونساء يدافعن عن الحريات الفردية، وأخريات يعشن أوضاعا خاصة، في محاولة لإبراز تنوع التجارب النسائية داخل المجتمع المغربي”. ويعتبر أن هذا التنوع ضروري لفهم تعقيد واقع النساء، ولتفادي اختزال قضيتهن في صورة واحدة أو خطاب واحد.
وفي ختام تصوره، يؤكد حذيفة على أن “المساواة بين النساء والرجال ليست شعارا ولا قضية نخبوية، بل حق إنساني أساسي يجب أن يحتل موقعا مركزيا في أي مشروع مجتمعي ديمقراطي”.
ويرى أن “إشراك الرجال في هذا النضال لا ينتقص من جوهر الحركة النسوية، بل يقويها، ويمنحها بعدا إنسانيا أوسع، ويجعلها أكثر قدرة على إحداث التغيير المنشود”.
الدفاع عن حقوق المرأة التزام إنساني ومجتمعي شامل
من جانبه، يؤكد زهير بلهادي، عضو شبيبة حزب الأصالة والمعاصرة، أن دفاعه عن حقوق المرأة ينطلق من قناعة راسخة بأن هذه الحقوق تشكل جزءا لا يتجزأ من حقوق الإنسان. فالمرأة، في نظره، ليست عنصرا هامشيا داخل المجتمع، بل هي أساسه ومحوره، وهي الفاعل الأول في بناء القيم والأخلاق وتشكيل الوعي المجتمعي.
ومن هذا المنطلق، يرى أن “الدفاع عن حقوق المرأة هو دفاع عن كرامة المجتمع ككل، وعن حق النساء في العيش بحرية واحترام ومساواة”.
ومن داخل حزب الأصالة والمعاصرة، يوضح بلهادي أنه انخرط في الترافع من أجل تعزيز حقوق المرأة، خاصة في ما يتعلق بتعديل مدونة الأسرة. ويشير إلى “وجود عدة اختلالات تمس حقوق النساء، لا سيما في قضايا الإرث، والطلاق، والحضانة، التي ما تزال تطرح إشكالات قانونية واجتماعية عميقة”.
وفي هذا السياق، يبرز أنه دافع بشكل خاص عن تفعيل الفصل 49 من مدونة الأسرة، لما له من أهمية في تنظيم الأموال المكتسبة أثناء الزواج، كما ترافع من أجل مراجعة مسألة الولاية على الأطفال، ومعالجة إشكالية التعصيب، باعتبارها قضايا تمس جوهر العدالة الأسرية.
ويؤكد بلهادي على أن “الترافع السياسي لا يقتصر فقط على النصوص القانونية، بل يشمل أيضا الانخراط في النقاش العمومي والمشاركة في الفعاليات والندوات التي تنظمها نساء الحزب، والتي تهدف إلى تسليط الضوء على وضعية المرأة المغربية واقتراح حلول عملية لتعزيز تمكينها”.
ويذكر في هذا السياق أنه من بين المقترحات التي أثارت اهتمامه بشكل خاص فكرة إحداث ميزانية مخصصة للنساء ضمن قانون المالية، باعتبارها خطوة عملية يمكن أن تساهم في تقليص الفوارق وتعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للنساء.
وفي تقييمه لوضعية المرأة في المغرب، يرى بلهادي أنها تعرف تطورا تدريجيا وإيجابيا، مدعوما بتوجيهات ملكية واضحة تؤكد على ضرورة إدماج المرأة وضمان مشاركتها الفعلية في مختلف مجالات الحياة العامة.
ويستحضر في هذا الإطار عددا من الخطب الملكية التي شكلت محطات مفصلية في مسار تعزيز حقوق النساء، من بينها الخطاب الملكي ليوم 11 أكتوبر 2002، الذي شدد على ضرورة تحرير المرأة من كل أشكال الحيف، وتطوير الترسانة القانونية بما يواكب وعيها بحقوقها وواجباتها.
كما يشير إلى خطاب 10 أكتوبر 2008، الذي أكد على أهمية ضمان تمثيلية منصفة للنساء داخل الجماعات المحلية، وخطاب 14 أكتوبر 2011، الذي أبرز الدور التاريخي والمحوري للمرأة المغربية في الحركة الوطنية وفي بناء المغرب الحديث.
ويضيف أن الخطاب الملكي ليوم 30 يوليوز 2022 شكل تأكيدا صريحا على أن مغرب اليوم لا يمكن أن يقصي المرأة أو يحرمها من حقوقها، داعيا إلى مشاركتها الكاملة في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ويرى أن “هذه التوجيهات تعكس إرادة سياسية عليا لدعم حقوق النساء، غير أن ترجمتها على أرض الواقع مازالت تتطلب مجهودا تشريعيا ومؤسساتيًا ومجتمعيا متواصلا”.
ورغم الإقرار بالتقدم المحرز، يؤكد بلهادي على أن “الطريق مازال طويلا، وأن هناك العديد من التحديات التي ينبغي مواجهتها لضمان المساواة الفعلية بين النساء والرجال، سواء على مستوى القوانين أو الممارسات أو التمثلات الاجتماعية”.
ويعتبر أن “تطوير وضعية المرأة يقتضي تضافر جهود الدولة، والأحزاب السياسية، والمجتمع المدني، إلى جانب تغيير العقليات التي ما تزال تعيق تحقيق العدالة الجندرية”.
وعلى المستوى الشخصي، يشدد بلهادي على أن تعامله مع النساء يقوم على الاحترام والتقدير، وعلى منحهن نفس الحقوق والفرص التي يتمتع بها الرجال، سواء في المجال السياسي أو الاجتماعي أو المهني.
ويعزو هذا السلوك إلى التربية التي تلقاها داخل أسرته، والتي غرست فيه قيم المساواة والإنصاف، معتبرا أن تغيير المجتمع يبدأ من التربية ومن العلاقات اليومية التي تعكس احترام الكرامة الإنسانية دون تمييز.
ويخلص بلهادي إلى أن “الدفاع عن حقوق المرأة ليس موقفا ظرفيا أو شعارا سياسيا، بل هو التزام أخلاقي وإنساني، وجزء أساسي من أي مشروع مجتمعي يسعى إلى تحقيق التنمية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية”.



















