الفراولة المُرّة.. مأساة المغربيات في حقول هويلفا مستمرة!

في شهر أبريل، صباح فجرٍ أندلسي بعيدٍ عن الوطن، نزلت العاملات الموسميات المغربيات من الحافلة واحدة تلو الأخرى؛ وجوه غارقة في التعب، وعيون تختبئ خلفها أحلام هشّة. لم تحمل كلٌ منهن سوى حقيبة صغيرة، وصورة لأطفالٍ ينتظرون رزق الموسم. كانت حقول الفراولة في هويلفا، جنوب إسبانيا، توحي بالخُضرة والعمل، لكن الواقع كان أقسى من الطين.

جئن بعقود موسمية من المغرب، ممهورة بختم الأمل، ليجنين ثمارًا حمراء تحصدها أوروبا بشغف، لكن ما لم يعرفنه أنهن سيسقطن واحدة تلو الأخرى في فراغ قانوني وإنساني؛ حملٌ دون رعاية، مرضٌ دون دواء، عملٌ دون أجر، ووطنٌ يُصبح بعيداً حتى قبل الرحيل إليه.

في موسم الفراولة هذا العام، لم تُقطف الثمار وحدها، بل قُطفت كرامات، وخُذلت نساء، وظلت الأسئلة عالقة في طين الحقول؛ من يُنقذ العاملات حين يصمت القانون؟ ومن يمنع الألم حين يصبح موسميًا يقطف مع الفاكهة الحمراء؟ 

امرأة حامل بلا عقد ولا أمان

كان من المفترض أن تشتغل عاملات مغربيات لدى شركة Berrys la Dehesa في “كارتايا” طوال موسم الفراولة، لكن بعد أيام قليلة، توقف العمل فجأة. لم يتلقين أجورًا، ولا عقودًا، ولا حتى بطاقة إقامة تخوّلهن الاستمرار في إسبانيا. إحداهنّ كانت حبلى في شهرها الخامس، ولكنهنّ وجدن أنفسهن بلا دخل، بعد أن أرسلن آخر ما جنينهُ إلى أسرهن في المغرب.

“كنا نأكل قليلاً ونصمت. لا وثائق، لا مال، ولا أمل”، هكذا تقول واحدة منهنّ لنقابة العمال “CCOO”، ملخصة كل تراجيديا التجربة المريرة. 

الشركة – حسب النقابة – لم تحترم الحد الأدنى من عدد الأيام أو ساعات العمل، وهو ما تنص عليه أوامر التعاقد الرسمية التي تلزم بتوفير عمل مستمر لا يقل عن 85 بالمائة من وقت الموسم، وما حصلن عليه لم يتجاوز 40 بالمائة. 

حين تدخّلت نقابة العمال “CCOO”، اضطرت الشركة إلى توقيع عقود العمل، ليتمكن من الحصول على بطاقة الإقامة (TIE)، لتضمن العاملات حق العودة في مواسم لاحقة. لكن الضغط لم يتوقف عند الإهمال فقط، بل امتد إلى محاولة دفعهنّ للعودة قسرًا إلى بلدهن “بوسائلهنّ الخاصة”، وفق ما أكدته النقابة.

من قطف الفراولة إلى صراع مع السرطان

على بعد كيلومترات قليلة، وفي مزرعة أخرى، كانت امرأة مغربية في السابعة والأربعين، تكافح مرضاً صامتاً، تعمل منذ سبع سنوات في مواسم الفراولة، وتُعيل أبناءها الستة، لكن في ماي الماضي تغيّر كل شيء.

شعرت بألم حاد، نزيف متواصل. أدخلت إلى مستشفى “خوان رامون خيمينيث” في هويلفا، حيث شُخصت إصابتها بسرطان عنق الرحم. بدأت علاجها، ووصفت لها أدوية ستكفيها حتى شهر سبتمبر المقبل، ولكن المفاجأة كانت في قرار إعادتها إلى المغرب.

الجمعية النسائية “AMIA” تؤكد أن المرأة لم تطلب العودة، بل نُقلت رغم حالتها، فخسرت إمكانية العلاج المجاني الذي كانت تستحقه بحكم اشتغالها ودفعها للضمان الاجتماعي. اليوم، في بلدها، تبكي عبر الهاتف، غير قادرة على شراء الدواء.

“العلاج هناك مكلف، وإن لم يكن لديك المال، تموت سريعاً”، تقول فاطمة الزهيري، رئيسة الجمعية.

في المقابل، تقول جمعية أرباب العمل في الفراولة “إنترفريسا” أنها هي من طلبت العودة لرؤية أسرتها، بعد تأكيد الأطباء أن حالتها لا تُرجى. لكنها، كما تقول فاطمة، “كانت تتوسل فقط أن يُرسلوا لها تقاريرها الطبية كي لا تبدأ الفحوص من جديد”.

الشركة المشغلة – Berrys La Fontanilla – امتنعت عن التعليق. ومثلها فعلت تعاونية “فريسون دي بالوس” التي اكتفت بالقول إن “الشركة دعمت العاملة بكل ما يلزم”.

وجه آخر لمأساة متكررة

العاملة المصابة بالسرطان، لم تكن الوحيدة، فقد تبعتها سمية، امرأة مغربية أخرى، مصابة هي أيضاً بسرطان عنق الرحم. اشتغلت أربعة عشر موسماً في هويلفا، حتى بعد اكتشاف مرضها قبل سبعة أعوام.

كانت تكافح من أجل لقمة العيش ولعلاج باهظ لا يمكن تغطيته في بلدها. لكن حين ساءت حالتها، وبدأت تتغيب عن العمل، اتهمتها مشرفة المزرعة بالكذب، وطلبت منها “العودة فوراً إلى المغرب”، مدعية أنها “تتظاهر بالمرض” فقط لتبقى في إسبانيا.

لم يكن معها أحد، جمعية “خورناليراس إن هويلفا”، وهي منظمة نسوية تدافع عن العاملات الموسميات، هي فقط تضامنت معها. أما الشركة، فقد أدارت ظهرها.

صمت رسمي وتحديات للقطاع

قطاع الفراولة في هويلفا ينتج أكثر من 97 بالمائة من محصول إسبانيا، ويُعد الأكبر عالميًا في تصديره. ومع ذلك، لا يزال يعاني من فضائح تتكرر موسميًا، تُضعف صورته، وتضر بآلاف العاملات، خاصة اللواتي يُستقدمنّ من المغرب بعقود موسمية.

تيريسا بوليدو، من نقابة العمال “CCOO” تقول بوضوح: “هذه الممارسات ليست عامة، لكن حين تحدث، تضر بالقطاع كله، بما في ذلك المزارعون الشرفاء الذين يحترمون القانون… يجب أن نوقف هذه الانتهاكات”.

وقد طالبت النقابة بعدم إعادة العاملات اللواتي قدمن شكاوى، إلى نفس الشركات اللاتي اشتكين منها؛ خشية الانتقام منهنّ”.

سفر نحو الوجع.. “نحن نساء ونستحق الاحترام”

خلف 17 ألف عقد عمل موسمي و350 ألف طن من الفراولة، لا نرى العرق، ولا نسمع الصمت المبلل بالخذلان. لا نرى زينب وهي تُخفي دمعتها في بيت بلا كهرباء في نواحي مدينة مغربية، ولا تلك التي ستقف الآن على المستشفى في مكان ما من المغرب حاملة ملفًا من أوراق بلا دواء. لن نسمع صوت سمية وهي تقول لابنها في مكالمة سريعة من مهجع مكتظ في هويلفا، “أنا بخير، اشتريت لك الحقيبة المدرسية التي تحبها”، وهي بالكاد تملك ما يسد رمقها.

هؤلاء النسوة لسن مجرد “عاملات موسميات”، بل أمهات، معيلات، أجساد تعبُر الحدود حالمات بلقمة نظيفة، فيُستقبلن بعقود من ورق، وسلال ممتلئة بالوعود. بعضهن ينزفن بصمت، وأخريات يُعدن كما جئن: مكسورات، مهمشات، وبعضهن لا يعدن إلا في حكايات مثل هذه.

في موسم الفراولة، تتفتح ثمار حمراء لامعة في الحقول الإسبانية، بينما تذبل كرامة النساء تحت أشعة الاستغلال وغياب العدالة. تلك العاملة المغربية التي أُعيدت إلى بلادها بعد تشخيص إصابتها بالسرطان، ليست رقمًا على لائحة المغادرات، بل قصة من وجع متكرر. وسمية، التي حُرمت من راتبها ومن وثائقها، لم تكن سوى واحدة من كثيرات تم إقصاؤهنّ فجأة، بعد أسابيع من العمل غير الموثق، بلا عقد، بلا تأمين، بلا اعتبار.

هنا، لا نتحدث فقط عن انتهاك قوانين العمل، بل عن إهدار إنساني لا يمكن تبريره بحسابات السوق. ما يحدث في مزارع هويلفا ليس مجرد “حالة استثنائية”، بل شرخ في منظومة يُفترض أنها تضمن الحقوق قبل الأرباح، الكرامة قبل المحاصيل.

“نعرف حقوقنا. ندفع للضمان، نشتغل في الشمس، نُرسل المال لأبنائنا… نحن لسنا آلات موسمية”، تقول فاطمة الزهيري لـ“هنَّ”، بإصرار نسوي واضح. وتضيف: “من تعمل لسبعة أعوام هنا، تستحق علاجًا، ورعاية واحترام، لا الطرد بصمت”.

وما بين الحقول الخضراء المزهرة والبيوت المتهالكة على أطرافها، لا تزال نساء كثيرات يقطفن الفراولة بأمل العودة، لا فقط إلى أوطانهنّ، بل إلى إنسانيتهنّ المنسية. وبين قطفة وأخرى، تحمل المغربيات في أيديهن أكثر من ثمار… إنهنّ يحملن سؤالاً صامتاً: هل سنُعامل كعاملات أم كأرقامٍ موسمية؟

اقرأ أيضا

  • العاملة المغربية زهرة.. قضية تفضح نظامًا بلا رحمة ولا كرامة 

    زهرة بَهلَوي، امرأة مغربية، عاملة زراعية؛ مساهمة في نظام الضمان الاجتماعي الإسباني، مريضة بالسرطان، وأُعيدت إلى المغرب دون أن تتلقى أي علاج، دون إجازة طبية، دون فتح ملف لعجز مؤقت، دون أي تعويض مُعترف به، ودون أي ضمان. اليوم، في بلدها، لا تزال زهرة بلا رعاية صحية، بلا متابعة طبية، بلا أي حقوق مفعّلة. والأسوأ…

    Hounna | هنّ|

  • فراولة معفرة بالدم والدموع.. مقتل عاملة مغربية يكشف جحيم العاملات في حقول إسبانيا 

    زهرة، عاملةٌ مغربية تبلغ من العمر سبعةً وأربعين عامًا، جاءت من المغرب للعمل في حقول مدينة هويلفا الإسبانية. يوم الأحد الـ2 من نوفمبر الجاري، أقدم زوجها السابق على قتلها في إحدى المزارع بمنطقة موغير، لأنه لم يتحمّل فكرة فقدان السيطرة عليها. كانت زهرة تستعد لبدء حياة جديدة، بعد أن نجحت أخيرًا في جلب ابنتها البالغة…

    Hounna | هنّ|

  • ألم الهوية وجرح المجتمع.. قصة متحولة جنسية مع العادات والقوانين في موريتانيا 

    من موريتانيا، حيث يتراءى لك شظايا الماضي في عيون الناس وعاداتهم الراسخة، هربت مريم، فمع كل خطوة كانت تخطوها في بلاد المرابطين كانت تشعر وكأنها تحمل عبئاً ثقيلًا فوق قلبها؛ في عالم يتربص فيه الخوف من الآخر، لاسيما وأن مريم امرأة محاصرة بين هويتها الجندرية الحقيقية والمجتمع الذي يرفضها؛ فهي هي واحدة من الكثيرات اللاتي …

    سلطانة خليفة|

  • “هِمَم”: آلة القضاء تُلاحق الصحافيات في المغرب وسط صمت رسمي وتضامن باهت

    رصد تقرير جديد صادر عن الهيئة المغربية لمساندة المعتقلين السياسيين “هِمَم”، واقعًا مقلقًا لحرية الصحافة في المغرب، لاسيما في ما يتعلق بوضعية الصحافيات، اللواتي وجدن أنفسهن، حسب التقرير، في مواجهة “آلة قضائية متشددة”، وسط صمت رسمي وتضامن حقوقي وحقوقي محدود ومحتشم. وأكدت الهيئة في تقريرها الصادر صباح اليوم الخميس، أن عددًا من الصحافيات المستقلات يُواجهن…

    Hounna | هنّ|