رغم الجهود التشريعية التي جاء بها القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء الذي يشكل القانون إطاراً قانونياً شاملاً لمناهضة العنف (الجسدي، النفسي، الجنسي، والاقتصادي)، مع توفير الحماية للضحايا، وإقرار عقوبات مشددة، ومأسسة آليات التكفل، ما زالت هذه الظاهرة تسجل أرقاما مقلقة في المغرب، كاشفة بذلك عن اتساع رقعة الانتهاكات ضد المرأة، واستمرارها داخل الفضاءين الأسري والرقمي على حد سواء.
وجاء هذا القانون 103.13 لتعزيز المنظومة القانونية لمكافحة هذه الظاهرة، عقب تسع سنوات من صدور أرقام مقلقة، وواقع سوداوي كشفت عنها المندوبية السامية للتخطيط سنة 2009، غير أنه وبعد مرور ثماني سنوات على دخوله حيز التنفيذ، لم يتمكن من تحقيق الأهداف المتوخاة منه بشكل كامل، من حيث توفير الحماية القانونية للنساء ضحايا العنف، وضمان الوقاية والحماية، والحد من الإفلات من العقاب، والتكفل الجيد بالضحايا.
ووفقا لحوارات أجرتها منصة “هنَّ” مع فاعلات جمعويات وباحثات في المجال، فإنه بالرغم من بعض التحسن الذي رافق تنزيل القانون المناهض لهذه الظاهرة، إلا أن العنف ضد النساء مازال ظاهرة بنيوية، كما أن عددًا من الجمعيات المعنية تكشف في تقاريرها الدورية والسنوية أن الأرقام المصرح بها “لا تعكس سوى جزء من الواقع”، في ظل استمرار الصمت والخوف وصعوبات التبليغ.
فإلى أي حدّ يتوفر المغرب على استراتيجية حكومية واضحة ومندمجة لتفعيل هذا القانون؟ وما مدى كفاية الميزانية المخصصة بتفعيل فلسفة هذا القانون؟ وما فعالية آليات تتبع وتقييم نتائجه بشكل دوري وشفاف؟ كلها تساؤلات مشروعة تزداد إلحاحا، خاصة في ظل التزام وزارة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية بالصمت، أو “التجاهل”، وعدم تفاعلها مع محاولات منصة “هنَّ” لاستجلاء مكامن القوة والقصور في تنزيل هذا القانون على أرض الواقع.
العنف الزوجي وفقدان الاستقلال المالي
“حين تزوجت، فرض علي زوجي التوقف عن العمل، ووعدني بأنه سيتكفل بجميع مصاريف البيت، صدقته، لكن سرعان ما تبدد ذلك الوعد، صار يصرخ في وجهي كلما طلبت منه مبلغا بسيطا لاقتناء ملابس، ولم يلبث الصراخ أن تحول إلى ضرب دون سبب”، هكذا تبدأ فاطمة سرد قصتها لمنصة “هنَّ” مع زوجٍ عرضها لمختلف أشكال العنف.
تقول فاطمة وهي سيدة أربعينية: “كنت جميلة، أعمل في شركة للخياطة، أعيش حياة مستقلة، أشتري ما أريد، وأشعر بالرضا عن نفسي، إلى أن التقيت برجلٍ يكبرني بعشر سنوات، تقدم لخطبتي، واشترط أن أترك عملي. في البداية، شعرت بسعادة غامرة، وتخيلت أني سأعيش حياة هادئة مليئة بالحب والاستقرار، لكن سرعان ما تحول الحلم إلى كابوس، بعدما تغيرت تصرفاته بعد سنة واحدة فقط من الزواج خصوصا بعدما أصريتُ على الخروج للعمل لإعالة نفسي”.
وتضيف: “بدأ الأمر بعنف لفظي، ثم تطور إلى ضرب، وركل جعلني أشعر وكأنني عبء ثقيل عليه، بعدما كنت شريكة حياة، فقد كان جد عصبي، وعنيف”.
وبصوت يختلط فيه الألم بالحزن تتابع فاطمة: “رغم اكتشافي طبيعة زوجي العنيفة، حاولت أن أتحمل من أجل إنجاح زواجي، ولكي لا أعود مطلقة إلى أسرتي، لكنني أدركت أن الصمت لن ينقذني، وكلما واجهته زاد عنادا، يريد التحكم في كل حركاتي، ويده تسبق فمه، أخيرا فقررت الانفصال، فكان القرار كافيا ليُشعل مزيدا من الحقد داخله، وكأنه كان يتلذذ بتعذيبي.. انتهى الزواج بالطلاق بعد مسار طويل من المعاناة، خاصة وأنني كنت قد خسرت عملي ولم يعد لي أي مصدر رزق”.
“عدت إلى بيت أسرتي مكسورة، احتجت وقتا طويلا لأستعيد شيئا من نفسي، لكن، وبصدق، لا يزال الخوف يسكنني، بعد أربع سنوات، ما زلت أستيقظ أحيانًا مذعورة… كأن الكابوس لم ينته بعد”، تواصل فاطمة سردها.
فاطمة واحدة من ملايين النساء اللواتي يتعرض للعنف الزوجي لكن الخوف من نظرة الأسرة والمجتمع، أو وجود أبناء، يحول دون اتخاذهنّ قرار الانفصال، رغم كل أشكال العنف الممارس عليهن.
في عملي متحرش
بدورها تحكي بديعة لمنصة “هنَّ” المأساة التي عاشتها بسبب تعرضها للتحرش من رئيسها في العمل قائلة: “كنت موظفة، أتقاضى أجرا محترما، أموري جيدة، لا يعكر صفوها سوى تعامل رئيسي المباشر الذي استباح حياتي وعرضي فقط لأني تجاوزت الخمسين سنة بدون زواج”.
وتضيف بديعة: “في البداية لم أنتبه للأمر، كان يتعامل معي بشكل جيد، لا يحاسبني على تأخري أحيانا، ومتساهل حين أتقدم بطلب عطلة، لأكتشف أنه كان يريد مقابلا على ذلك، صارحني يوما أنني أعجبه، وطلب مني السفر معه إلى أي مدينة أختارها نهاية الأسبوع، تساءلت عن السبب، واجهته بأنه متزوج، ولديه أبناء يمكنه السفر معهم، سألته بأي صفة يحدثني… كنت مصدومة جدا، وزادت صدمتي حين قال لي إنني كبيرة في السن، ولم أتزوج متسائلا لماذا لا أعيش حياتي”.
تنهدت بديعة وأضافت: “خرجت من مكتب رئيسي غير مستوعبة، كان يسرد على مسامعي ‘خيره’ علي، وبأنني فقط أريد أن أمثل الطهرانية عليه، فلست إلا خمسينية لم ينتبه إلي أي رجل… كلمات كالسم تجمد الدم في عروقي، وأنا أبكي بحرقة”.
“المصيبة، أنني لم أستطع البوح بما جرى لأي كان في المكتب، ولا أستطيع حتى أن أشتكي فلا دليل لدي، وأكيد الجميع سيكون ضدي، وأنا الخمسينية غير المتزوجة، لذلك التزمت الصمت، وبدأت إجراءاتي الإدارية للانتقال لأي قسم آخر بعيدا عنه”، تضيف.
الإثبات، وتقديم دليل للعنف الممارس على النساء بكل أنواعه اللفظي، الجسدي والرقمي، يظل هاجسًا يؤرق النساء اللواتي يجدن أنفسهن في مواجهة “رجل” لا يراهن ككيان، بل يتعامل معهن كجسد فقط.
العنف ضد النساء في ارتفاع
في حديثها مع لمنصة “هنَّ”، أكدت بشرى عبدو، رئيسة “جمعية التحدي للمساواة والمواطنة”، على أن “واقع العنف ضد النساء في المغرب يطرح مفارقة واضحة بين وجود القوانين، واستمرار ارتفاع الحالات”.
وتقول عبدو: “للأسف الشديد، اليوم لدينا القانون 103.13 المتعلق بحماية النساء من العنف، لكن حسب الإحصائيات الرسمية، نسجل ارتفاعاً مهولاً في عدد الحالات، سواء بالرجوع إلى أرقام المندوبية السامية للتخطيط أو رئاسة النيابة العامة أو وزارة العدل، وهي كلها مؤشرات تدق ناقوس الخطر“.
وأضافت: “صحيح أن هناك قانوناً واستراتيجيات ولقاءات توعوية، إلى جانب آليات للحماية من قبيل خلايا التكفل داخل المحاكم ومصالح الشرطة والدرك الملكي والمؤسسات الصحية، لكن يبقى السؤال حول استمرار ارتفاع حالات العنف مطروحا بقوة”.
وتابعت المتحدثة ذاتها موضحة: “ما يجب الاشتغال عليه اليوم هو تربية الإنسان، يجب أن تلعب مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وخاصة المدرسة، دورها الكامل. نحن بحاجة إلى مناهج تعليمية تربي الأجيال على نبذ العنف، واحترام المرأة، وترسيخ القيم الإنسانية، إضافة إلى التعريف بالقوانين الزجرية حتى يدرك الجميع أن هناك ردعاً ورفضاً مطلقاً للعنف”.
وتشدد على أن: “الحملات التحسيسية لا يجب أن تظل مرتبطة بالأيام العالمية أو المناسبات، بل ينبغي أن تكون ممتدة طيلة السنة، من أجل التوعية وتقوية قدرات الفاعلين المدنيين والمؤسساتيين في مجال مناهضة العنف”.
وفي تقييمها للقانون، تعتبر المتحدثة أنه “حان الوقت لإعادة النظر في القانون 103.13، لأنه يعرف عدة ثغرات، من بينها تحميل الضحايا عبء الإثبات. لا يعقل أن نطلب من امرأة معنفة، تعيش وضعاً نفسياً صعباً، أن تقدم الأدلة، في حين يفترض أن تقوم المؤسسات بجمعها والبحث فيها. هذا من شأنه أن يدفع العديد من النساء إلى التراجع عن التبليغ، رغم تعرضهن للعنف ووجود شهود“.
كما نبهت إلى تحول خطير في طبيعة العنف، قائلة: “اليوم لم نعد نتحدث فقط عن الأشكال التقليدية، بل عن عنف رقمي خطير قد يؤدي إلى آثار نفسية حادة تصل أحياناً إلى الانتحار، في ظل صعوبة تحديد هوية المعتدين على منصات التواصل الاجتماعي”.
وخلصت إلى أن المغرب “بحاجة إلى مراجعة شاملة للقانون 103.13، وإلى إخراج قانون خاص بحماية النساء والفتيات من العنف الرقمي، بما يواكب التحولات الراهنة ويضمن حماية فعلية للضحايا”.
التحدي في التفعيل وثقافة التبليغ
فتيحة العكري، رئيسة “المركز المغربي لمناهضة العنف ضد النساء بالأقاليم الجنوبية”، بدورها أبرزت في حديث مع منصة “هنَّ” أن القانون 103.13 شكّل خطوة إيجابية في مسار حماية النساء بالمغرب، غير أن حصيلته تظل “بين بين”، على حد تعبيرها، بين ما تحقق من مكتسبات، وما يواجهه من تحديات على مستوى التطبيق.
وتقول العكري: “لا يمكن القول إن القانون لم يحقق شيئاً، كما لا يمكن الجزم بأنه حقق كل الأهداف بنسبة مئة في المئة، فمجردُ وجود نص قانوني يجرم العنف ضد النساء يُعد مكسباً مهماً لأنه يعزز شعور النساء بالحماية القانونية، ويكرس التزام الدولة بمحاربة هذه الظاهرة”.
وأضافت: “الإشكال لا يكمن فقط في النصوص القانونية، بل في كيفية تنزيلها على أرض الواقع، فالمسألة تبقى مرتبطة بمدى تفعيل القانون، وبالسلطة التقديرية للقضاء، ومدى الجرأة في تطبيق العقوبات على الجناة”.
وفيما يتعلق بواقع العنف، أفادت العكري أن “الظاهرة لا يمكن قياسها فقط من خلال العنف الجسدي، بل تشمل أيضاً العنف النفسي والاقتصادي”، مبرزة أن “امرأة مطلقة تعيل أطفالاً دون نفقة تعيش شكلاً من أشكال العنف القاسي”، وهو ما يعكس اتساع مفهوم العنف ضد النساء.
وفي تقييم للأرقام المتعلقة بالعنف التي يتم الإعلان عنها أوضحت أن “هناك صعوبة في تحديد ما إذا كانت حالات العنف في تراجع أم في ارتفاع، نظراً لتعدد أشكاله واختلاف السياقات، خاصة في العالم القروي حيث تعاني النساء من هشاشة اقتصادية كبيرة وصعوبات في الولوج إلى العدالة”.
وأكدت على أنه من أبرز التحديات التي تعيق تفعيل القانون، هو “ضعف التبليغ عن حالات العنف”، داعية إلى ترسيخ “ثقافة التبليغ” لدى النساء، فالعديد من الضحايا لا يتقدمن بشكايات بسبب الخوف أو الهشاشة أو غياب الإمكانيات”.
وفي هذا السياق، نوهت بالدور الذي تقوم به المؤسسات الأمنية والقضائية، مشيرة إلى “وجود خلايا للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف داخل المحاكم ومصالح الأمن، فضلاً عن توفير المساعدة القضائية، ما يساهم في تسهيل مساطر التبليغ والتقاضي”.
كما أكدت على “أهمية دور المجتمع المدني في التوعية والمواكبة، من خلال تقديم الدعم القانوني والنفسي، والعمل على تمكين النساء اقتصادياً”، معتبرة أن “الاستقلالية المادية تشكل عنصراً حاسماً في تمكين المرأة من الدفاع عن حقوقها”.
وشددت في هذا الإطار على أن “تحسين فعالية القانون يمر عبر ثلاثة مداخل أساسية: تعزيز التوعية، ترسيخ ثقافة التبليغ، وتقوية التمكين الاقتصادي للنساء، إلى جانب استمرار تعبئة مختلف الفاعلين، بما في ذلك الإعلام، الذي يلعب دوراً محورياً في نشر الوعي بحقوق النساء.. ويظل الرهان هو الانتقال من وجود قانون يجرم العنف إلى واقع يضمن حماية فعلية لكل النساء، دون استثناء”.
ضعف التنسيق المؤسساتي بين الصحة الأمن
في حديث مع منصة “هنَّ” حول مدى تنزيل قانون مناهضة العنف ضد المرأة على أرض الواقع، قالت نجية تزروت، رئيسة “شبكة الرابطة إنجاد ضد عنف النوع”، أن أول ما يبرز هو ضعف التفعيل العملي رغم وجود المقتضيات، “فما زالت آليات الحماية؛ كالأوامر الاستعجالية والإبعا؛ لا تُفعّل بالسرعة والنجاعة المطلوبة، أحيانًا بسبب بطء المساطر أو تباين الاجتهاد بين الجهات، كما أن هناك إشكالية الإثبات، فكثير من حالات العنف، خاصة النفسي والاقتصادي، يصعب إثباتها، ما يجعل المتابعة القضائية محدودة ويُثني الضحايا عن التبليغ”.
وزادت المتحدثة قائلة: “جانب آخر يمكن تسجيله في هذا الإطار، يتعلق بنقص البنيات والخدمات المواكِبة، مراكز الإيواء غير كافية، والدعم النفسي والقانوني غير متاح بشكل متكافئ جغرافيًا، خصوصًا في المناطق القروية، كما يظهر ضعف التنسيق المؤسساتي بين الصحة، الأمن، القضاء، والشؤون الاجتماعية، ما يؤدي إلى تشتت مسار التكفل بالضحايا بدل أن يكون مسارًا مندمجا وسلسا“.
وشددت على أنه “لا يمكن إغفال العوائق الثقافية والاجتماعية، حيث الخوف من الوصم، الضغط الأسري، والتطبيع مع بعض أشكال العنف، كلها عوامل تحدّ من التبليغ وتُفرغ القانون من جزء من فعاليته”.
من النواقص أيضا تضيف نجية تزروت: “القانون ركّز أكثر على الزجر، مقابل محدودية البعد الوقائي والتربوي، إضافة إلى غياب كافٍ لمقاربة شمولية تُعالج الجذور (التربية، الإعلام، التمكين الاقتصادي)، وبالتالي هناك حاجة لتكوين مستمر للمتدخلين (شرطة، قضاة، أطر صحية) حول خصوصية قضايا العنف القائم على النوع، لضمان تعامل مهني وإنساني يضع الضحية في قلب الاهتمام”.
وانتهت إلى أن “القانون خطوة مهمة، لكنه وحده لا يكفي. التحدي الحقيقي هو الانتقال من نص قانوني إلى منظومة حماية متكاملة، فعّالة، وقريبة من النساء في حياتهن اليوم”.
تراجع طفيف في الأرقام وظاهرة تتجذر
تشير أرقام البحث الوطني للمندوبية السامية للتخطيط لسنة 2009 إلى أن 62.8 بالمائة من النساء المغربيات تعرضن للعنف، أي ما يقارب 6 ملايين امرأة، مع تسجيل 55 بالمائة من العنف داخل الفضاء الزوجي، و40.6 بالمائة في الأماكن العامة بالوسط الحضري.
وعلى مستوى الأشكال، تصدر العنف النفسي بنسبة 57.7 بالمائة، يليه الجسدي 15.2 بالمائة، ثم الجنسي 8.7 بالمائة، والاقتصادي 8.2 بالمائة.
وبعد عشر سنوات، وفي سياق تولي بسيمة الحقاوي وزارة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية، أظهر البحث الوطني لسنة 2019 تراجعًا نسبيًا في معدل انتشار العنف إلى 54.4 بالمائة وطنياً، و55.8 بالمائة في الوسط الحضري مقابل 51.6 بالمائة في القروي. كما سجل العنف النفسي 49 بالمائة، والاقتصادي 17 بالمائة، والجسدي 15 بالمائة، والجنسي 14 بالمائة، إضافة إلى 13.8 بالمائة من العنف الرقمي.
لكن هذا “التراجع الإحصائي” يخفي، بحسب نتائج البحث نفسه، واقعا أكثر تعقيدا، أكثر من 90 بالمائة من النساء لا يقمن بالتبليغ، خصوصا المتزوجات، ما يعني أن الأرقام المعلنة لا تعكس سوى جزء محدود من حجم الظاهرة، كما أن 59.4 بالمائة من العنف يقع داخل الفضاء الأسري، وهو ما يعيد تثبيت البيت كأحد أكثر الفضاءات خطورة بدل كونه فضاء حماية.
وتكشف المعطيات كذلك عن تحول في طبيعة العنف، مع ارتفاع العنف الرقمي الذي وصل إلى 13.8 بالمائة إجمالا، و24.4 بالمائة لدى الفتيات بين 15 و24 سنة، إلى جانب تسجيل 29.9 بالمائة من الفتيات ضحايا للعنف قبل سن 15 سنة.
ويمكن قراءة الانخفاض من 62.8 بالمائة سنة 2009 إلى حوالي 57 بالمائة سنة 2019 مؤشراً على بداية منحى تنازلي، خاصة بعد دخول القانون 103.13 حيز التنفيذ سنة 2018، غير أن هذا التقييم يصطدم بواقع آخر يتعلق باستمرار ضعف التبليغ، وتعدد أشكال العنف، وصعوبة الولوج إلى العدالة.
في المقابل، تقدم المعطيات الميدانية الحديثة صورة أكثر قتامة، فقد سجل تقرير شبكة النجدة لمساعدة النساء ضحايا العنف خلال الفترة ما بين نونبر 2023 وأكتوبر 2024 ما مجموعه 2254 حالة، تصدر العنف النفسي بنسبة 26 بالمائة، يليه العنف اللفظي والاقتصادي والاجتماعي بـ20 بالمائة، ثم العنف الجسدي بـ19 بالمائة، فالقانوني بـ7 بالمائة، فالجنسي بـ6 بالمائة.
كما تكشف هذه الحالات عن تركيبة اجتماعية لافتة للضحايا، إذ تمثل ربات البيوت 41 بالمائة، تليهنّ العاملات المنزليات والمستخدمات والمعطلات بنسبة 13 بالمائة لكل فئة، بينما لا تتجاوز نسب الموظفات 8 بالمائة، والمشتغلات في المهن الحرة 6 بالمائة.
وبين أرقام رسمية تتحدث عن “تراجع نسبي”، وشهادات ميدانية تكشف استمرار الضغط والعنف بأشكاله التقليدية والحديثة، يظل السؤال مفتوحًا حول مدى فعالية السياسات العمومية في تحويل النصوص القانونية إلى حماية فعلية.
وبدورها، سجلت رئاسة النيابة العامة خلال سنة 2024 ما مجموعه 73.645 شكاية تتعلق بالعنف ضد النساء بمختلف أشكاله، وهو ما يمثل انخفاضًا بنسبة 14 بالمائة مقارنة بسنة 2023 التي بلغت فيها الشكايات 85.909، في مؤشر على منحى تنازلي خلال السنوات الثلاث الأخيرة، غير أن هذا الاتجاه لم يستمر، إذ عرفت سنة 2025 ارتفاعًا في عدد الشكايات ليصل إلى 79.059 شكاية، وفق الحصيلة التي أعلنت عنها رئاسة النيابة العامة سنة 2026، بما يعكس عودة منحى تصاعدي في وتيرة التبليغ حسب المصدر ذاته.
ارتفاع مقلق ودعوات إلى مراجعة شاملة لقانون 103,13
يكشف التقرير السنوي لشبكتي “الرابطة إنجاد ضد عنف النوع” و”نساء متضامنات” حول العنف ضد النساء، أن مجمل حالات العنف المصرح بها لدى مراكزها بلغ 28 ألفا و980 خلال الفترة الممتدة ما بين 1 يوليوز 2024 و30 يونيو 2025، تتعلق 47 بالمائة منها بالعنف النفسي.
التقرير، الذي تم إصداره بتنسيق مع “فيدرالية رابطة حقوق النساء”، كشف أنه إلى جانب العنف النفسي الذي يعتبر الأكثر انتشارا بين صفوف الضحايا اللواتي يلجأن للتبليغ عنه، بلغت نسبة العنف الاقتصادي- الاجتماعي 23 بالمائة، فيما معدلات العنف الأخرى تبقى أقل انتشارا، حيث سجل العنف القانوني نسبة 10 بالمائة، والعنف الجسدي 8 بالمائة، والعنف المعلوماتي 7 بالمائة، والعنف الجنسي 5 بالمائة، مسجلا أن هذه المعطيات تدل على استمرار الأبعاد البنيوية للعنف ضد النساء، باعتباره “نتاجا لعلاقاتِ القوة غير المتكافئة داخل الأسرة والمجتمع وضعف الاستقلال الاقتصادي للنساء”.
وعلى مستوى التشريعات، دعا التقرير، على الخصوص، إلى مراجعة شاملة للقانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، وتجريم جميع أشكال العنف الأكثر انتشارا، وعلى رأسها الاغتصاب الزوجي، والعنف الاقتصادي، والعنف الرقمي بكافة مظاهره الحديثة، وتقوية تدابير الحماية الفورية عبر تبسيطها وإلزامية تفعيلها من قبل النيابة العامة والشرطة القضائية، والمراجعة الجذرية للقانون الجنائي من خلال إعادة النظر في التصنيف الثلاثي للجرائم وتخصيص فصل لجرائم العنف القائم على أساس النوع، كما دعا إلى الإسراع بإصدار مدونة الأسرة، متساوية وعادلة والشروع في تطبيقها، مع ضمان إقرار المساواة بين الجنسين في كافة مقتضيات المدونة وإلغاء التمييز في الحقوق والواجبات، وإلغاء الاستثناءات المرتبطة بتزويج الطفلات وتحديد سن الزواج في 18 سنة بشكل قطعي، واعتبار عقد الزواج هو الوسيلة الوحيدة لإثبات الزواج، مع تيسير إجراءات توثيق عقود الزواج واعتماد الرقمنة، بما يكفل تسجيل جميع عقود الزواج في سجلات رسمية رقمية.



















