العنف ضد الأطفال في موريتانيا.. أزمة تهدد مستقبل المجتمع

العنف ضد الأطفال، واحدة من الظواهر الخطيرة التي تهدد صحة ونمو الأجيال القادمة، وتؤثر بشكل مباشر على مستقبل المجتمع بأسره. ولكن هذا العنف يتخذ أشكالًا متعددة تشمل الإيذاء الجسدي والنفسي والجنسي، بالإضافة إلى الإهمال، ما يترك أثرًا عميقًا على الأطفال نفسيًا وسلوكيًا. 

وفي هذا الإطار، خرجت حملة “صحح مفاهيمك”، في موريتانيا، والتي تهدف إلى تسليط الضوء على أبعاد هذه الظاهرة، وتعزيز الوعي المجتمعي والديني بأهمية حماية الطفولة، مع تقديم حلول عملية وسبل وقائية عبر خطاب توعوي ودعوي متكامل.

الأب المفترس 

تشير التجارب إلى أن عدد الناجين من العنف الذين يروون تجاربهم قليلون، رغم ما له من عواقب مدمرة على صحتهم البدنية والنفسية والسلوكية. ومن بين هذه القصص، قصة أربعة أطفال تعرضوا للعنف بعد طلاق والدهم عن والدتهم، حيث أخذهم عنوة وبدأ في تعذيبهم يوميًا وليلاً، وكانت من بين هؤلاء الأطفال طفلة تبلغ سنة واحدة فقط. 

ظلّ الجيران يسمعون صرخات الأطفال طلبًا للنجدة في أوقات متعددة ليلاً ونهارًا، كما تعرض الصبيةُ لحروق في مناطق حساسة قريبة من الأعضاء التناسلية، سواء الذكور أو الإناث، وهو تعذيب بشع لم نتمكن من تصويره.

تدخلت خالة الأطفال وطلبت تسليمهم، لكن الأب رفض، فتقدمت بالشكوى وألقي القبض عليه وتمت إحالته إلى السجن، حيث حكم عليه بثلاث سنوات نافذة بعد اعترافه بالجرم. 

واعتبرت “الجمعية الموريتانية لصحة الأم والطفل”، التي تابعت القضية، أن الحكم “خطوة مهمة نحو حماية الطفولة ووضع حد للعنف الأسري الذي يهدد مستقبل الأطفال”.

تشير بيانات الجمعية إلى منحى تصاعدي مقلق في جرائم العنف بموريتانيا. فخلال عام 2023 سُجّل اغتصاب 377 شخصًا، من بينهم 331 قاصرًا (311 فتاة و20 صبيًا)، إضافة إلى 46 امرأة بالغة. وفي العام نفسه رُصدت 95 حالة عنف زوجي و34 حالة عنف جسدي.

أما معطيات عام 2024 فتؤكد استمرار الارتفاع، حيث وثّقت الجمعية 428 حالة اغتصاب، من بينها 261 قاصرًا (49 منهم من الصبية)، و118 امرأة بالغة، إلى جانب 126 حالة عنف جسدي. 

وتعكس هذه المؤشرات اتساعًا في رقعة العنف، وتستدعي وفق النشطاء الذين استشارتهم منصة “هنَّ”، “نقاشًا معمقًا حول أسباب تفاقمه”، من هشاشة المنظومة القانونية إلى ضعف شبكات الحماية الاجتماعية، وصولًا إلى ثقافة الإفلات من العقاب.

وترى الناشطة سهام حمادي منسقة الحماية والمناصرة في “الجمعية الموريتانية لصحة الأم والطفل”، أن العنف ضد الأطفال “سلوك يؤثر على نموهم وكرامتهم وحقوقهم”. 

وأضافت في حديثها لـ”هنّ” أن “الأسرة هي المصدر الأساسي للأمان، وينبغي على الوالدين مراقبة أبنائهم وحضورهم في كل تفاصيل حياتهم، حيث يمكن أن يحدث العنف أحيانًا في المدرسة أو المحظرة”.

عوامل العنف 

الناشط الحقوقي عبد القادر محمد، يشير في تصريح لـ”هنَّ” إلى أن هناك عدة عوامل تجعل الأطفال أكثر عرضة للعنف، منها “هشاشة الأسر والفقر، خاصة في المناطق الريفية، إذ يؤدي ذلك إلى ارتفاع احتمالية تعرض الطفل لمختلف أشكال العنف، كما يرتبط ارتفاع معدلات الطلاق بالتفكك الأسري، ما يزيد من عبء الأم ويؤثر على الأطفال”. 

وتشمل العوامل الأخرى، حسب الناشط، “التعصب الاجتماعي المرتبط بسوء فهم المراهقين لقضايا الصحة الجنسية، التسرب المدرسي، انخفاض معدلات التعليم، اكتظاظ المدارس، وانتشار عمالة الأطفال أو تجارة الأطفال”. 

ويضيف الناشط “صعوبة الحصول على الأوراق الثبوتية، وعدم تسجيل المواليد، فـ56 بالمائة من حديثي الولادة غير مسجلين، زاد من تفاقم المشكلة”.

ويشير إلى أن الإهمال يفاقم الوضع، حيث “يؤدي استمرار عدم تقديم الرعاية الضرورية إلى تدهور صحة الطفل ونموه، كما يجهل الكثير من المربين آثار العنف النفسية، التي تؤثر بشدة على التطور النفسي والسلوكي للطفل، وتشمل الإهانات، الإذلال، السب، الوصم، الرفض، الهجر، وأشكال أخرى من العنف”. 

وأكد على أن “وعي الأسرة بالعنف داخل وخارج المنزل هو العامل الأساسي للتصدي له، من خلال مرافقة الطفل ومتابعته خلال مراحل تطوره، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وإتاحة مساحة للتعبير والاستماع، وتحويل الطفل للجهات المختصة عند الحاجة”.

وأكد الدكتور باب سيد أحمد اعل، رئيس منتدى السوسيولوجيين الموريتانيين، أن “العنف يتجسد أحيانًا في الثقافة الضيقة للأسرة والمجتمع، حيث يؤدي الإكراه الاجتماعي إلى تشكيل الشخصية بطريقة تتقبل التعنيف كحل، ويظهر ذلك في الواقع الاجتماعي الموريتاني من خلال مظاهر العنف في الشارع ووسائل التواصل الاجتماعي، ورفض كل شيء دون تفكير نتيجة صراع الثقافة التقليدية مع اتجاهات حديثة تسعى لتمثيل نفسها”.

ويشدد القانوني اعل الشيخ صابر، على أن “حماية الطفل من العنف واجب قانوني ودستوري على الدولة الموريتانية”، مشيرًا إلى أن “مجموعة تشريعات وطنية واتفاقيات دولية، منها المدونة العامة لحماية الطفل (القانون رقم 024-2018)، تنص على حظر كل أشكال العنف وسوء المعاملة والإهمال والاستغلال، مع الالتزام بمبدأ المصلحة الفضلى للطفل”. 

“كما جرم الأمر القانوني رقم 015-2005 الاعتداءات الجسدية والجنسية والنفسية على الأطفال، ووفّر القانون رقم 017-2020 حماية خاصة للأطفال من كل أشكال الاستغلال”، يضيف المتحدث.

إجراءات الحماية 

عند اكتشاف حالة عنف، تُلزم المادة 52 من المدونة السلطات المختصة باتخاذ إجراءات حماية عاجلة تشمل التبليغ، تأمين سلامة الطفل، إجراء فحوصات طبية ونفسية، وفتح تحقيق قضائي يحفظ السرية والكرامة، مع إمكانية وضع الطفل في مركز استقبال إذا كان محيطه يشكل خطرًا. 

وتحدد النصوص الجزائية العقوبات وفق جسامة الفعل، وقد تصل إلى السجن الطويل في حالات الاعتداء الجنسي أو الاتجار أو التعذيب.

وفي الوسط المدرسي، تحظر المدونة أي معاملة تنطوي على عنف داخل المؤسسات التعليمية، وتلزم الإدارات بإنشاء آليات تبليغ وحماية، رغم غياب نص صريح يحظر العقاب الجسدي. 

وعلى الصعيد الدولي، تضمن اتفاقية حقوق الطفل (1989) حماية الأطفال من جميع أشكال العنف، وتشدد على حق الطفل في إعادة التأهيل والدعم النفسي، كما يعزز الميثاق الإفريقي لحقوق الطفل (1990) هذه الضمانات.

وتعترض تطبيق القوانين عدة تحديات، أبرزها ضعف آليات التبليغ، نقص التكوين المتخصص لدى الفاعلين، صعوبة الوصول إلى الخدمات الداعمة في المناطق الداخلية، وثقافة متسامحة مع بعض أشكال العنف التربوي. كما يمثل غياب نص قانوني صريح يحظر العقاب الجسدي في المدارس فجوة تشريعية تحتاج إلى معالجة.

ويتيح القانون للأطفال ضحايا العنف التعويض المدني، المساعدة القانونية المجانية، وخدمات الرعاية النفسية والاجتماعية، مع حق اللجوء للقضاء عبر ممثلهم القانوني أو مندوب حماية الطفل، وفق المادتين 40 و55 من المدونة.

وتستلزم مواجهة العنف اتخاذ خطوات إصلاحية تشمل: تعديل القوانين لتجريم كافة أشكال العنف، إنشاء وحدات قضائية متخصصة، تعزيز آليات التبليغ والحماية، تطوير قدرات الشرطة والقضاة والمعلمين، وتوسيع مراكز الرعاية والتأهيل. كما يُعد تعزيز الثقافة القانونية ودمج التربية على الكرامة الإنسانية في المناهج أساسيًا لإنهاء العنف ضد الأطفال.

وتبقى حماية الأطفال واجبًا على الجميع، ويتطلب التزامًا صادقًا، فأطفال اليوم هم قادة المستقبل، ويتوقع أن يردوا للمجتمع الخدمات التي نقدمها لهم بما يعكس جودة معاملتهم وحقوقهم.

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • “قضية القرن”.. علنية الجلسة في”قضية التآمر على أمن الدولة” تثير الجدل في تونس 

    انطلقت اليوم 4 مارس أولى جلسات ما بات يعرف بـ"قضية التآمر على امن الدولة" بالمحكمة الابتدائية بتونس العاصمة، وسط غياب للمتهمين الموقوفين الذين اختارت رئاسة المحكمة أن يكون حضورهم عن بعد، معللة قرارها "بوجود خطر حقيقي"، وذلك على خلاف من يتم متابعتهم في حالة سراح حيث يمكنهم حضور الجلسة. كان الوصول إلى القاعة رقم 6…

    ريم بلقاسم|

  •  الزواج السري في موريتانيا| بين أباء جاحدين وسماسرة رابحين: النساء ضحايا تائهات

    تحول الزواج السري خلال السنوات القليلة الماضية، من زواج غير مُعلن إلى ظاهرة مستشرية في موريتانيا، حيث أصبح لهذا الزواج ما يشبه الشبكات المنظمة، لها قيادات ومنسقين وسماسرة؛ منتشرين في عموم البلاد، دون أي اعتبار لما يترتب عليه هذا الزواج من مشكلات اجتماعية ونفسية وقانونية. وكان للزواج السري في موريتانيا، وقع الفضيحة للمرأة بالدرجة الأولى،…

    نور عبدالدائم|

  • “كرامتنا خط أحمر”.. السرقات داخل المستشفى الجامعي بوجدة تفجر غضب طلبة الطب والصيدلة

    شهد المستشفى الجامعي بوجدة بداية هذا الأسبوع حادثة سرقة طالت عدداً من طلبة كلية الطب والصيدلة أثناء ممارستهم لتدريبهم اليومي، حيث بلغت قيمة المسروقات حوالي 1900 درهم بالإضافة إلى متعلقات شخصية أخرى في غياب أي إجراءات أمنية أو حماية داخل الأروقة.  وجاء في البلاغ التنديدي لمجلس طلبة الطب والصيدلة بوجدة أن كرامة الطالب الطبيب خط…

    شادي بخاري|

  • “صماء برتبة سامعة”.. حكاية نجاح مهندسة تونسية رغم الإعاقة 

    صماء برتبة سامعة في مجتمع الصم وسامعة برتبة صماء في مجتمع السامعين"، هذا تحكي لـ"هنَّ"، أماني شرميطي عن نفسها مختصرةً حياة الصم ومعاناتهم، وهي فعلا كما تصف، محاورة جيدة، تغني وترقص وتحب الموسيقى، تلعب وتضحك بشراهة، وتتحدث لغة الإشارات باعتبارها فاقدة للسمع منذ صغرها. التقت منصة "هنَّ"،  بأماني في إحدى المقاهي وسط العاصمة تونس، كانت…

    ريم بلقاسم|