العنف الرقمي: وسيلة لإقصاء وترهيب النساء السياسيات في الجزائر

عقد المجلس الشعبي الوطني بالجزائر، يوم الثلاثاء 28 جويلية، جلسة علنية خُصّصت لإثبات عضوية نواب الفترة التشريعية العاشرة، والتي تُوجت بانتخاب السيدة خليدة بوفدش كأول امرأة تتولى رئاسة البرلمان في تاريخ البلاد. ورغم هذا المكسب المهم لتمثيل النساء الجزائريات سياسياً، إلاّ أنّ التشكيلة الجديدة أظهرت تمثيلاً نسائياً ضعيفا يقتصر على 25 امرأة فقط من أصل 407 نواب.

هذا الحضور النسائي المحدود يعكس حجم المعركة التي تخوضها النساء لافتكاك مكانتهن داخل فضاء مازالت تطغى عليه الهيمنة الذكورية. غير أنّ معركتهن لا تنتهي داخل غرفة البرلمان، بل تمتد إلى الفضاء الرقمي، إذ شهدت منصات التواصل الاجتماعي، عقب الإعلان عن النتائج ، حملات سخرية وتنمر مكثفة استهدفت النائبات والسياسات. حيث تكشف هذه الحملات صداماً صريحاً بين المكتسبات القانونية والمؤسسية التي أقرّتها الدولة، وبين بنى مجتمعية تقليدية تعبّر عن رفضها لشرعية النساء في إدارة الشأن العام.

استهداف رقمي يلاحق السياسيات

عقب الإعلان عن نتائج البرلمان، تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة لمواجهة الحضور النسائي في الفضاء السياسي، ويُعد ماحدث مع النائبة “زهية بن قارة” واحدا من أبرز الأمثلة على حدّة هذه الحملات؛ إذ تُعد أول امرأة تُنتخب لرئاسة بلدية الشيقارة الريفية المحافظة سنة 2017 عن حزب إسلامي، وتعرّضت خلال مسارها السياسي لحملات تنمر شديدة استمرت حتى بعد فوزها بمقعد نيابي في البرلمان.

لا تُعدّ النائبة زهية أول ضحية لهذا العنف الرقمي بل هو ظاهرة امتدت لتمس سياسيات في محطات مختلفة، حيث واجهت المحامية والسياسية “زبيدة عسول” الفترة الماضية ،كمّا هائلا من التهكم الرقمي فور إعلان رغبتها في الترشح للانتخابات الرئاسية، فيما شهدت مسيرة “لويزة حنون”، الأمينة العامة لحزب العمال، اقتطاعاً متكرراً لمقاطع من خطاباتها الشعبية وتحويلها إلى مواد هزلية تُركّز على الشكل والنبرة والانفعال، كما تعرّضت “خليدة بوفدش” عقب تنصيبها كأول امرأة تتولى رئاسة البرلمان لهجوم رقمي وسخرية عبر المنصات تحت حجة أنّه تم تعيينها ولم يتم انتخابها وأنها لا تستحق وصولها إلى هذا المركز.

وفي هذا السياق، تؤكّد الناشطة السياسية في حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية رانيا (إسم مستعار) في تصريح لمنصّة “هنّ”، أنّ الفضاء العام يشهد أنماطاً متكررة من العنف ضد النساء في السياسة؛ إذ ترى أنّه:”في كل مرة تظهر فيها امرأة سياسية لتُعبّر عن توجهها أو موقفها من قضية عامة، ينزاح النقاش في كثير من الأحيان من مناقشة أفكارها إلى السخرية من مظهرها، لباسها، أو طريقة حديثها كما تجلّى ذلك في حالة “زهية بن قارة”، حيث تجاوز الأمر التهكم ليصل إلى التقليل من الشأن والتجريح الشخصي بدلاً من المحاججة الموضوعية.”

تُعرّف منظمة Womankind Worldwide  ‘العنف ضد النساء السياسيات’ بأنّه شكل غير مرئي وغالباً ما يكون مستمراً من العنف القائم على النوع الاجتماعي، ويهدف أساساً إلى إسكات النساء وإقصائهن أو عقابهن على مشاركتهن في الحياة السياسية والعامة. ولا يقف هذا العنف عند حدود الإقصاء المباشر، بل يتضاعف ليشكّل أداة لترهيب النساء وتقييدا لحركتهن في الفضاء العام.

توضّح رانيا الأبعاد النفسية والاجتماعية لهذه الممارسات:”وصلت حملات التشويه والضغط التي تستهدف الناشطات السياسيات إلى مستويات مقلقة، وهي نتاج صور نمطية وأحكام مسبقة متجذرة مجتمعياً. وقد تدفع هذه الضغوط بعض النساء إلى ممارسة الرقابة الذاتية، أو التردد في الترشح للمناصب القيادية، أو حتى الانسحاب الكامل من العمل العام تفادياً للاستهداف الشخصي.”

وحول دور المؤسسات الحزبية، تشير إلى أنه رغم وجود خطوط تضامن، إلاّ أنّ الواقع يتطلب آليات أكثر نجاعة:”تتلقى النساء الناشطات غالباً دعماً من الأحزاب والتكتلات التي ينتمين إليها عبر بيانات التضامن أو التوعية، إلا أن هذا الدعم يظل غير كافٍ لمواجهة حجم التشهير والتحريض، مما يستدعي إيجاد آليات حماية أكثر فعالية تضمن مشاركتهن السياسية دون خوف.”

في  دراسة إعلامية للباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال آسية عجال تحمل عنوان “تمظهرات العنف الرمزي الممارس ضد المرأة السياسية في الجزائر”؛ حلّلت الباحثة عيّنة شملت مضامين رقمية وإعلامية استهدفت خمس فئات أساسية من الفاعلات في المشهد السياسي (الوزيرات، البرلمانيات، المرشحات للانتخابات الرئاسية، الناشطات الحزبيات، والرموز الثوريات). وأظهرت النتائج أنّ العنف الرقمي ضد هذه الفئات يُمارس عبر “التبخيس المنظم” لأدوارهن، والاعتماد على “الأنساق البصرية واللغوية” للتركيز على المظهر واللباس والأخطاء الشكلية واللغوية، بهدف الإيحاء بتدنّي المستوى الفكري واللساني للسياسية الجزائرية وحصرها في صورة ذهنية تربطها بالعجز وتضعها خارج إطار الأهلية لإدارة الشأن العام.

كما أوضحت الدراسة أنّ هذا الاستهداف يتجاوز النقد الموضوعي ليعتمد أساساً على “استراتيجية الفكاهة والسخرية” كأداة إقناعية طاغية تُمرر الاحتقار والتبخيس بقالب هزلي يجرّد الضحية من أسلحتها الدفاعية، ويكرس فكرة أن مكانها الطبيعي هو المنزل. كما كشفت الباحثة عن توظيف “الإستراتيجية المثالية” التي تضع تصنيفات تعجيزية تطالب السياسية بالكمال التام في كل أدوارها، وتستغل مقارنتها المستمرة بالصورة التاريخية لـ “المرأة الثورية” للضغط عليها؛ مما يجعل أي هفوة بسيطة أو خطأ شكلي ذريعة لتشديد الخناق النفسي عليها والتشكيك الشامل في قدرتها على اتخاذ القرارات المصيرية.

سوسيولوجيا العنف الرمزي كأداة للضبط الاجتماعي 

ينظّر عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في كتاب “الهيمنة الذكورية” للعنف الرمزي باعتباره عنفاً ناعماً وغير محسوس، لا يستخدم القوة المادية المباشرة، بل يظل “غير مرئي ولا يُنتبه له حتى من قبل ضحاياه”. وهو عنف قائم وواقعي تُرسخه الثقافة والمجتمع عبر تحويله إلى “ترسيمات لا واعية”، تدفع الخاضعين له إلى تقبّل هذه الهيمنة وتكرار إنتاجها وكأنها أمر طبيعي وبديهي.

وفي تفكيك اجتماعي لأبعاد هذه الظاهرة وتأثيرها على المشاركة السياسية للنساء، توضّح الباحثة في علم اجتماع التربية فاطمة بن سليمان، في تصريح لمنصة “هنَّ”، سوسيولوجيا هذا الاستهداف الرقمي قائلة: “لا يجري محاكمة المرأة السياسية على جسدها ومظهرها لأنّ ذلك هو موضوع النقاش الحقيقي، بل لأن التركيز على الجسد هو وسيلة لنزع الشرعية السياسية عنها؛ فحين تُختزل المرأة في شكلها أو حياتها الخاصّة، يتم إفراغ حضورها السياسي من مضمونه وتحويلها من فاعلة سياسية إلى موضوع للمراقبة والتقييم”.

وتُضيف الباحثة: “من الناحية السوسيولوجية، كلما دخلت النساء مجالات كانت تاريخياً حكراً على الرجال، ازدادت محاولات إعادتهن إلى ما يُعتبر ‘مكانهن الطبيعي’، وذلك عبر تذكيرهن باستمرار بأن قيمتهن تُقاس كنساء قبل أن تُقاس كمواطنات أو قيادات سياسيات؛ فالأمر ليس محاكمة للجسد بقدر ما هو محاكمة لحق المرأة في امتلاك السلطة والظهور العام”.

تحذّر بن سليمان من تحول الفضاء الرقمي إلى سياق للضبط الاجتماعي، مؤكدةً أنّ “الوصاية المجتمعية اليوم لم تعد تحتاج إلى قوانين تمنع النساء من المشاركة في المجال العام، لأنّ وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تقوم بهذا الدور بصورة أكثر فعالية”. فكل حملة سخرية، وكل تعليق على شكل امرأة أو صوتها أو حياتها الخاصة، لا يستهدف امرأة بعينها فقط، بل يبعث رسالة جماعية إلى جميع النساء مفادها أن “المشاركة في الفضاء العام لها ثمن”؛ وهنا تصبح المنصات الرقمية أداة لإنتاج الخوف والرقابة الذاتية.

وعن مآلات هذه الممارسات الرقمية، تنبّه بن سليمان إلى أنّ “إقصاء النساء لا يحدث عبر المنع المباشر، بل عبر جعل الفضاء العام عدائياً لدرجة تدفعهن إلى الانسحاب منه بأنفسهن، وهو أحد أكثر أشكال الهيمنة فعالية لأنّه يجعل الإقصاء يبدو وكأنه ‘اختيار شخصي’ وليس نتيجة ضغط اجتماعي”.

في السياق ذاته، تؤكّد الباحثة أن السخرية المستمرة من المقابلات الإعلامية للنائبات ليست مجرد ترفيه أو نقد سياسي، بل هي “شكل من أشكال العنف الرمزي الذي يهدف إلى تقليص شرعيتهن السياسية”؛ فبدلاً من مناقشة أفكارهن أو أدائهن، يتحوّل جسد المرأة وصوتها ومظهرها إلى موضوع للنقاش، بما يرسل رسالة لكل امرأة تفكّر في دخول السياسة بأنّ ثمن المشاركة سيكون التشهير أكثر من النقاش.

وتختتم فاطمة بن سليمان تصريحها لمنصة “هنَّ” بالتأكيد على التبعات المؤسساتية لهذه الظاهرة، حاسمةً بأن “التساهل مع هذه الانتهاكات وعدم إدانتها لا يمس فقط بشرعية النساء السياسيات، بل يمس أيضاً بحرمة البرلمان وبهيبة مؤسسات الدولة”. فالنائبات لا يمثلن أنفسهن، بل يمثلن إرادة الناخبين والناخبات وسيادة الجمهورية؛ وعندما يُختزل وجودهن في السخرية أو التشهير بسبب كونهن نساء، فإنّ ذلك لا يُعد اعتداءً على أفراد فقط، بل “مساساً بالديمقراطية وبحق النساء في التمثيل السياسي على قدم المساواة”.

الواقع التشريعي والتطبيقي في مواجهة العنف الرقمي 

هذا الهجوم الرقمي على النساء في السياسة يطرح التساؤل حول مدى نجاعة وفعالية النصوص القانونية الحالية في الجزائر؛ فهل تكفي الحماية العامة التي يعتمدها التشريع لمواجهة العنف الرقمي ضد السياسيات، أم أنّ الواقع الميداني يتطلّب أطراً إجرائية ومفهومية أوسع؟ 

في هذا الصدد، توضّح المحامية المعتمدة لدى المحكمة العليا ومجلس الدولة عائشة زميت، في تصريح خصّت به منصة “هنّ”، الواقع القانوني والإجرائي للظاهرة، قائلة: “لا يوجد نص قانوني يحمي النساء أو السياسيات بصفتهن فئة مستهدفة بذاتها، بل إن الحماية قانوناً تأتي عامة وحيادية. وتستند هذه الحماية إلى المادة 303 مكرر من قانون العقوبات التي تعاقب كل من تعمد المساس بحرمة الحياة الخاصة للأشخاص بأية تقنية كانت، إلى جانب مواد السب والقذف التي تُطبق على الوقائع المرتكبة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتوفّر ركن العلنية. كما أن مشروع تعديل قانون العقوبات المتضمن رفع العقوبة لا يستحدث هو الآخر نصاً خاصاً بالمرأة الناشطة أو السياسية، ليظل القانون يحمي الشرف والحياة الخاصة بمنطق عام وأسري تقليدي، لا بمنطق حماية المشاركة السياسية للمرأة بصفة خاصة”.

وعن الصعوبات التي تواجه الضحية في الميدان، تُضيف الأستاذة زميت: “تواجه الضحايا عوائق إجرائية معقدة؛ تتمثل في صعوبة تحديد هوية أصحاب الحسابات الوهمية المسيرة من الخارج، وبطء إجراءات جمع الأدلة الرقمية مقارنة بسرعة انتشار المعلومة، مع احتمال حذف المحتوى قبل توثيقه الذي يتطلب معرفة تقنية معمقة. يُضاف إلى ذلك تعقيد إجراءات التعاون القضائي الدولي وطول مدة الفصل في القضايا، رغم أنّ التعديل الأخير لقانون الإجراءات الجزائية أتاح إمكانية الاستدعاء المباشر في جرائم القذف في حال تحديد الضحية لهوية الجاني. أمّا من الناحية الاجتماعية، فتعاني المساء من الخوف من تضاعف حملات التشهير والانتقام في حال اللجوء للقضاء، إلى جانب ثقل الوصم الاجتماعي؛ كون أغلب حملات التشهير تمسّ الشرف وتستهدف الحياة الخاصة للنساء نظراً للنظرة المجتمعية التي يغلب عليها الفكر الذكوري”.

تلخّص عائشة زميت هذه الإشكاليات لمنصّة “هنّ” في ثلاث فجوات أساسية، مؤكدةً: “أولها فجوة تشريعية تتعامل مع التشهير كجريمة أخلاقية فردية لا كأداة إسكات وضغط سياسي ضد النساء الفاعلات في الحياة العامة. وثانيها فجوة تنفيذية تتجلى في غياب آليات استعجالية لإزالة المحتوى المسيء بشكل فوري، وضعف التكوين التقني للقضاة والشرطة القضائية، بالإضافة إلى طول الإجراءات الذي يفقد الضحية الحماية ويصعب جبر الضرر ويؤدي لإفلات فعلي من العقاب. 

وأخيراً فجوة الثقة السياسية، حيث تجعل الكلفة الاجتماعية الكبيرة النساء يترددن في الظهور العلني وممارسة حقوقهن في ولوج الحياة السياسية، وهو ما يفسّر تراجع المشاركة السياسية للنساء؛ إذ لم تتجاوز نسبتهن في البرلمان 6% في الاستحقاقات الأخيرة، رغم التدابير والدعم الرسمي الموجّه لتعزيز حضورهن، سواء عبر الأطر التشريعية المحدثة، أو من خلال آلية ‘الثلث الرئاسي’ التي يخصّصها رئيس الجمهورية لضمان تمثيل مختلف أطياف المجتمع.” 

ولتبيان خطورة هذه الظاهرة مغاربياً تؤكد البيانات الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة حول العنف في الفضاء الرقمي، أنّ نسبة النساء اللاتي أبلغن عن التعرض للعنف عبر الإنترنت بلغت 60.3% في ليبيا، و58.1% في المغرب، و46.7% في تونس. وتزداد هذه المخاوف حدة لدى الناشطات والفاعلات في الشأن العام، إذ أبلغت 70% من المدافعات عن حقوق الإنسان عن عدم شعورهن بالأمان في الفضاء الرقمي، فيما تشير الأرقام إلى أنّ العنف ليس حادثاً عابراً، بل سلوك متكرر تطال أضراره 44% من الضحايا لأكثر من مرة.

واقع التعاطي الإعلامي مع الحضور النسائي في الفضاء الرقمي 

هذه المعطيات الإقليمية حول خطورة الظاهرة تفتح الباب لفهم البيئة التي تُنتج هذا العنف؛ حيث يلعب التعاطي الإعلامي والمنصات الرقمية دوراً محوريا في تضخيم هذه الممارسات أو الحد منها. 

في هذا الصدد ترصد الصحفية والناشطة النسوية ماجدة زوين في شهادتها لمنصّة “هنّ” ميل العديد من المنصات والمؤسسات الإعلامية الوطنية نحو تبني مقاربة “الإثارة”؛ حيث تُمنح الأولوية للمحتوى الأكثر قدرة على حشد التفاعل على حساب المضمون السياسي الجاد، وذلك عبر اقتطاع زلاّت اللسان، أو التقاط لحظات عفوية، أو التركيز على المظهر واللباس لتحويلها إلى عناوين مستفزة ومقاطع قصيرة سريعة الانتشار.

تكشف زوين من واقع تجربتها الميدانية في غرف التحرير قائلة: “إنّ الصحفية أو الصحفي قد يُعدّ تغطية موضوعية، لكن رؤساء التحرير أو المسؤولين عن النشر هم من يعيدون تشكيل المادة وتوجيهها لتصبح محتوى جاذباً للتفاعل، مما يجعل المنتج المعروض للمشاهد مختلفاً تماماً عما جمَعه الصحفي”. وتؤكد أنّ هذا الأسلوب يُرسّخ الصور النمطية التي تُقيّم السياسيات بناءً على الشكل لا الكفاءة والبرامج، ممّا يُقزم حضورهنّ ويُحوّله إلى مادة للترفيه والسخرية لجلب “اللايكات”، تماماً كما حدث مؤخراً مع النائبة عن ولاية ميلة زهية بن قارة وغيرها ممن واجهن هذا التنميط المُفرغ للفعل السياسي من محتواه.

وامتداداً لهذا التنميط الإعلامي، تنتقل زوين لتفكيك أثر التعليقات أسفل الأخبار والفيديوهات السياسية، مؤكّدة أنّها تحولت إلى بيئة مشحونة بالتنمر والشتائم تلعب دوراً خطيراً في تشكيل رأي عام سلبي ضد مشاركة النساء في السياسة. فتقول: “عند الاطلاع على المحتوى، يتّجه المتابعون والمتابعات تلقائياً التعليقات لاستكشاف مزاج الجمهور، وهنا تتكفل تلك الردود العدائية التي يقف خلفها جزء كبير منها ذباب إلكتروني وهويات مستعارة بخلق انطباع زائف بأنّ كراهية النساء ورفض تواجدهن السياسي هو موقف اجتماعي حتمي وواسع الانتشار”.

 وتُضيف أنّ “هذا الانطباع يدفع المتابعات والمتابعين المقتنعين بضرورة المشاركة النسائية إلى التردد في الدفاع عن السياسيات خشية الهجوم، كما يصنع مناخاً ردعياً يُحجب نساءً أخريات عن خوض العمل السياسي أو الظهور الإعلامي، خاصة مع تدخل خوارزميات المنصات الرقمية التي تمنح المحتوى المثير للجدل انتشاراً أكبر، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج خطاب الكراهية وضخّه إلى السطح مع كل استحقاق سياسي.”

أمام هذه البيئة المشحونة، تطرح زوين استراتيجيات متعدّدة لمواجهة هذا الاستهداف وإدارة الظهور الإعلامي لنساء الفضاء العام، قائلة: “تأتي في مقدمة هذه المقاربات استراتيجية الصلابة الرقمية والتركيز على الرسالة؛ ولنا في النموذج الذي قدمته النائبة زهية بن قارة خير مثال، حيث اعتمدت سياسة التواصل المباشر ومواصلة نشر نشاطها دون الالتفات لخطاب الكراهية، مما مكّنها من التدرج من رئاسة البلدية إلى إدارة الثانوية وصولاً إلى قبة البرلمان. 

وتتكامل هذه الصلابة الذاتية مع الاعتماد على أدوات الحماية والقانون عبر تفعيل آليات الإبلاغ أو إيداع شكاوى قضائية، فضلاً عن أهمية بناء شبكات من الحلفاء الإعلاميين لصناعة محتوى مضاد وموضوعي يُغطي على الحملات العدائية ويُعيد توجيه النقاش نحو القضايا المبدئية والكفاءة”.

تختتم زوين قراءتها بالتأكيد على الفجوة الحاصلة بين الواقع الحالي والمأمول، قائلة: “يُظهر الواقع أنّ غالبية وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية لا تضبط المساحات الرقمية بل تُعتبر شريكاً فعّالاً في تضخيم العنف الرقمي لتحقيق التفاعل. وإنّ الخروج من هذه الدورة المفرغة يتطلب التزاماً مهنياً بحذف التعليقات المسيئة، والامتناع التام عن عناوين الإثارة والتشهير (من قبيل: ‘شاهد قبل الحذف’ أو ‘انظر ماذا حدث’)، إلى جانب تدريب الصحفيين والصحفيات على التغطيات الحساسة للنوع الاجتماعي، والتعاطي مع السياسيات باعتبارهن فاعلات أساسيات يُناقشن بناءً على أفكارهن وبرامجهن، بعيداً عن التشهير بحيواتهن الخاصّة أو مظهرهن”.

تجمع كافّة المصادر التي استشارتها منصّة “هنَّ” على أنّ تنامي العنف الرقمي ضدّ السياسيات هو أداة ضبط اجتماعي وعنف رمزي يُمارَس لتجريد النساء من شرعيتهن السياسية. هذا الواقع هو نتاج تقاطعٍ بين موروث مجتمعي يُقدّم النوع الاجتماعي على الكفاءة، وثغرات إجرائية تتطلب حماية قانونية أكثر استجابة، إلى جانب خوارزميات رقمية وممارسات إعلامية تلهث خلف التفاعل وتسليع الحضور النسائي عبر عناوين واقتطاعات مضلّلة قد تدفع السياسيات نحو الرقابة الذاتية أو الانسحاب من الساحة.

وأمام هذا التحدي، تبقى المواجهة مرهونة بصلابة النساء وتفعيل أطر الحماية وبناء التحالفات، توازياً مع تطوير المنظومة القانونية وتعزيز التزام إعلامي أخلاقي يحمي المساحات الرقمية؛ ضماناً لمشاركة سياسية فاعلة ومتساوية، إمّا من خلف الشاشات أو في الواقع على حدٍّ سواء. 

اقرأ أيضا

  • الانتخابات التشريعية بالجزائر: الأضعف في تاريخ البلاد بتراجع الحضور النسائي 

    أثارت النتائج الأوليّة للانتخابات التشريعية السابعة في تاريخ الجزائر منذ استقلالها، عاصفة من الجدل المتواصل والسجال السياسي والحقوقي، الذي لم يهدأ بعد رغم ترويج السلطة لنجاح العملية الانتخابية.  تأتي هذه العملية لتكشف عن تحولات جذرية في المشهد السياسي والجزائري بشكل عام،  وعن جدليّة العلاقة بين المواطِنة والمواطن الجزائري بالمنظومة الحاكمة؛ خاصّة بعد تسجيل نسبة الإقبال…

    أميمة عدواني|

  • “اتحاد المغرب العربي”.. الحلم الموؤد

    منذ سنة 1994، العام الذي شهد انعقاد آخر قمة مغاربية بتونس، جمد "اتحاد المغرب العربي"، الذي بقي جثةً هامدة، إلى سنة 2005، حيث كانت هناك مساعي لإعادة إطلاق الاندماج الإقليمي، غير أن العقيد الراحل معمر القذافي، الذي كان آنذاك يرأس الاتحاد؛ قام بنسف قمة كانت مرتقبة في ماي 2005 لإعادة اطلاق الاندماج الاقتصادي. وأسس "اتحاد…

    Hounna | هنّ|

  • على ضوء الانتخابات الرئاسية.. أية مكانة للمرأة الموريتانية في سياسة البلد؟

    الانتخابات في موريتانيا لن تحدد القيادة السياسية للبلاد فحسب، بل سيكون لها أيضا القدرة على التأثير بشكل كبير على الاتجاه المستقبلي للتنمية الديمقراطية، والاستقرار الإقليمي، والإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، بما في ذلك النساء وتأثرهن شبه الغائب في الجمهورية الإسلامية الموريتانية. ففي موريتانيا، يتنافس ستة مرشحين ضد الرئيس المنتهية صلاحياته محمد ولد الشيخ الغزواني، أهمهم زعيم مكافحة…

    نور عبدالدائم|

  • قيود مجتمعية وقانونية تحد من المشاركة السياسية للمرأة الليبية

    لا تزال المرأة الليبية تعاني من القيود القانونية ومن الضغوط الاجتماعية والثقافية التي تحد من مشاركتها في تدبير الشأن العام، فقد أتيحت فرص قليلة للمرأة للوصول إلى القيادة السياسية وصناعة القرار. وكانت السياسة عموما في عهد القذافي "مجالا حكرا على الرجال"، وعملت عائلات عديدة على إحباط مشاركة بناتهن في الحياة السياسية بمبرر حماية "شرفهن" حتى…

    Hounna | هنّ|