العنف الجنسي سلاح حرب صامت في ليبيا.. الناجيات بين الخوف والصمت

بينما كانت العاصمة الليبية طرابلس تعيش على وقع اشتباكات دامية بين الميليشيات، هزّت جريمة اختطاف وقتل الطفلة رؤيا الرأي العام الليبي. مأساة رؤيا، التي طُويت من دون محاسبة، ليست إلا حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات، على رأسها العنف الجنسي، الذي بات يُستخدم كسلاح حرب صامت لإذلال الخصوم والسيطرة على المدنيين، وسط صمت مخيف وتجاهل ممنهج.

العنف الجنسي كسلاح للهيمنة

تشير تقارير حقوقية محلية ودولية إلى أن العنف الجنسي في ليبيا يُمارس بشكل متزايد ضمن سياق النزاع المسلح، لا كجريمة فردية، بل كأداة منظمة للإذلال وبسط الهيمنة.

تقول خلود حمد، الأخصائية النفسية العاملة مع إحدى منظمات الإغاثة لمنصة “هنَّ”: “ما نراه اليوم ليس جرائم معزولة. هي ممنهجة، ومتكررة، وتجد أرضًا خصبة بسبب غياب الردع، وانهيار مؤسسات الدولة”.

وتضيف أن البيئة الاجتماعية تُضاعف الأزمة. “فحتى لو رغبت الناجية في تقديم بلاغ، غالبًا ما تحتاج إلى دعم عائلي، وفي كثير من الحالات، يكون الجاني من داخل الأسرة أو من أصحاب النفوذ” مما يجعل الإبلاغ مستحيلًا.

الناجية تحت الاتهام

لا تقتصر المعاناة على الجريمة نفسها، بل تمتد إلى وصمة اجتماعية قاتلة، حيث تؤكد خلود على أن “المجتمع يُحمّل الناجية مسؤولية ما حدث، ويشكك في سلوكها، ويُلقي اللوم على ملابسها أو خروجها من المنزل. هذا يؤدي إلى عزلتها، بل أحيانًا إلى طردها من الأسرة أو إجبارها على الزواج من الجاني”. 

وترى أن هذه الثقافة تكرّس الصمت، ليس فقط بين النساء، بل أيضًا بين الذكور الذين قد يتعرضون لانتهاكات جنسية دون أن يجرؤوا على التبليغ، خوفًا من العار وفقدان صورتهم كـ”رجال”.

الآثار النفسية: جراح لا تندمل

تعتذر خلود أن الأثر النفسي لهذه الجرائم قد يكون مدمّرًا وطويل الأمد فـ”الكثير من الناجيات يُصبن باضطراب ما بعد الصدمة، اكتئاب حاد، قلق دائم، وقد يظهر لديهن اضطرابات نفسية كامنة بسبب الصدمة”.

وتُشير إلى أن المجتمع نفسه “يساهم في تعميق هذه الجراح، لأن السكوت المجتمعي وعدم تقديم الدعم يُشبه تكرار الجريمة مرات ومرات”.

غياب العدالة وإفلات الجناة

النظام القضائي الليبي يعاني من الشلل والانقسام السياسي، مما يجعل ساحة العدالة شبه مغلقة أمام قضايا العنف الجنسي.

“القانون يشترط أدلة مادية دقيقة يصعب توفرها في مثل هذه الجرائم. كما أن كثيرًا من الأهل يختارون الصمت حفاظًا على “السمعة”، ما يسمح للجناة بتكرار جرائمهم”، توضح خلود لهذه المنصة.

وترى أن الجناة، خاصة من ذوي السلطة أو السلاح، يتمتعون بـ”حصانة فعلية، حيث لا أحد يجرؤ على تقديم شكاوى ضدهم”.

جهود محدودة وحلول ضرورية

في ظل الفوضى المسلحة بليبيا، تُستخدم أجساد النساء والفتيات كساحات معركة لا تُوثق ولا تُحاكم، وتترك النساء لمآسيهنَ دون دعم، ورغم جهود بعض المنظمات الدولية، مثل اليونيسف، لتقديم الدعم النفسي والتوعوي، تبقى هذه المبادرات محدودة التأثير.

وتشدد خلود على ضرورة تدخل حقيقي عبر، “إنشاء منصات سرية للإبلاغ عن العنف، توثيق الجرائم عبر كاميرات وأدلة مادية، منح الاختصاصيين النفسيين صلاحيات قانونية لكتابة تقارير تُستخدم في المحاكم، تدريب الشرطة والقضاة على التعامل مع هذه القضايا، وإنشاء مراكز دعم شاملة تقدم خدمات نفسية، قانونية، واجتماعية للناجيات”.

الصمت شريك الجريمة

في بلد يشهد تفككًا أمنيًا وقضائيًا عميقًا، تتحول أجساد النساء إلى ميادين حرب بلا ضجيج، فـ”كل دقيقة تمر دون محاسبة، هي دعوة مفتوحة للجريمة القادمة، لا بد من كسر الصمت، لأن النجاة لا تكتمل إلا بالعدالة”، تختم خلود حديثها لـ”هنَّ”. 

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • قابلاتُ الصحراء.. ملائكةُ رحمةٍ يمشين على الرمال في ظروفٍ لا ترحم

    في موريتانيا وفي مخيمات اللاجئين الصحراويين، لا تتوقف معركة خفض وفيات الأمهات عند بناء المراكز الصحية أو توفير الأدوية، بل تبدأ من تغيير أفكار راسخة حول تعليم الفتيات، الزواج المبكر، وحق النساء في الرعاية الصحية، وفي قلب هذه المعركة تقف القابلات، وهنّ يقدن تغييرًا اجتماعيًا لا يقل أهمية عن عملهن داخل غرف الولادة، نساء لا…

    Hounna | هنّ|

  • “الحوريات”: بين نجاح كمال داود وصوت سعادة عربان المسلوب

    تحمل باقة من الورد، هادئة وعيناها غارقتان بالدموع. لم تستطع النطق بكلمة واحدة عندما طلبتُ منها تصريحًا حول والدتها، وزيرة الصحة الراحلة زهية شنتوف منتوري، خلال تكريم أقيم في مايو الماضي على شرفها بعد وفاتها عام 2022. شعرتُ بالاستغراب، لكنه تبدد تمامًا عندما سمعت صوتها. بصعوبة بالغة تمكنتُ من فك جملها لفهم ما تقول. فضّلت…

    ماجدة زوين|

  • حوار| بعد قرار الأطباء العودة للاحتجاج.. سلمى ذُكار: “فقدنا الثقة والتعامل معنا واجب وليس تفضلاً”

    في الفترة الماضية، ومنذ أربعة أشهر، خاض الأطباء الشبان في تونس سلسلة من التحركات الاحتجاجية المكثفة، شارك فيها أكثر من 12 ألف طبيب شاب، وتوّجت بتوقيع اتفاق مع وزارة الصحة في يوليو الماضي، وُعدوا بموجبه بمكاسب مهمة كتحسين الأجور وظروف التكوين ومنح الاستمرار.  ومؤخرًا أعلنت "المنظمة التونسية للأطباء الشبان" عن جولة ثانية، "الروندة الثانية" من…

    أميمة عدواني|

  • “لا أستطيع أن أكون نفسي هنا”.. مجتمع الميم-عين: حياةٌ تحت وطأة الرفض المجتمعي 

    عبر نافذة بيتها، يبدو العالم بالنسبة إلى صولا (اسم مستعار) كأنه يسير بسرعة لا تستطيع اللحاق بها؛ مدينة تتحرك، وجوه تعبر، وأصوات تتداخل في الشارع العام، أما هي، فتبقى في مسافة دقيقة بين الداخل والخارج، بين ما تراه في المرآة وما تشعر به في أعماقها. ولدت صولا، البالغة من العمر 35 سنة، وهي شابة عابرة…

    عفراء علوي محمدي|