العمل المنزلي مجهود لا يرى، ولا يقاس ولا يعترف به أبدا، تتكبده النساء المغربيات يوميا دون توقف، تم التطبيع معه سيرا على منوال ما عاشته الأمهات والجدات، ليستمر هذا النسق جيلا بعد جيل، رغم ما ينطوي عليه من ضغط وإرهاق مستمرين قد يرقيا في كثير من الحالات إلى عنف صامت يتخلل الحياة اليومية.
تمر الأيام والسنوات والشهور، وعلى النساء أن يتحملن ويصبرن، في دوامة من المسؤوليات المتراكمة التي لا تنتهي. هو عبء يومي يلتهم جزءا كبيرا من الوقت والجهد، ويجعل الحياة مرهقة ومضنية، دون وجود فترات حقيقية للراحة.
“اللي كنديرو اليوم كنعاودو غدا”، هكذا تصف هبة، 28 سنة، المقيمة بمدينة الصخيرات، تجربة يومية مثقلة بالإرهاق بين عملها كمحاسبة في شركة تأمين ومسؤولياتها المنزلية التي تتحملها بمفردها، دون أدنى عون من طرف الزوج.
تعتبر هبة وضعها بأنه “لا يحتمل”، في ظل شعور دائم بالضغط الجسدي والنفسي الناتج عن تداخل واجبات العمل خارج البيت، مع مهام الرعاية والتنظيف وتدبير شؤون الأطفال داخل المنزل، دون أي تقاسم فعلي للأعباء مع الزوج.
توضح هبة، في حديثها إلى منصة “هنَّ”، أنها تغادر عملها اليومي منهكة، بعد ساعات طويلة من الجهد الذهني والبدني، لتجد نفسها أمام مسؤوليات منزلية متراكمة، حيث تبدأ بإعداد وجبة العشاء، وتنظيف البيت، لتنتهي بالعناية بالأطفال، وتلبية احتياجاتهم من نظافة ودراسة، قبل إعدادهم للنوم، والبدء مجددا في إعداد طعام الغد، في غياب أي مساعدة.
وتضيف هبة أن تكرار هذا النسق بشكل يومي جعلها تشعر وكأنها عالقة في دائرة مغلقة من العمل المستمر دون خلاص، فتحس ما مرة برغبة حقيقية في الهرب، “هذه الحياة التي أعيشها اليوم ليست كما كنت أحلم به أبدا”، توضح لهذه المنصة.
كما تشير إلى أن هذا الوضع “ينعكس على قدرتي على التوازن بين حياتي المهنية والأسرية، خاصة مع متطلبات وظيفتي الجديدة التي تحتاج تركيزا كبيرا، فالعبء المركب الذي أتحمله بات يثقل كاهلي يوما بعد يوم وبشكل متزايد، ليجعلني أعيش حالة من الإرهاق المستمر وفقدان الإحساس بالراحة، لكنني أحتاج إلى العمل من أجل استقلاليتي المادية، وهذا أمر محمود وأساسي لحفظ كرامتي، متسائلةً “فماذا عن العمل المنزلي الذي أقوم به بمفردي؟ وماذا سأجني منه غير التعب وآلام الظهر؟”.
عمل مضني بلا اعتراف ولا كرامة
زينب، 23 سنة، من مدينة المحمدية، طالبة بشعبة اللغة الإنجليزية، تعيش تفاصيل يومية بين الدراسة ومسؤوليات البيت، في أسرة تتكون من ثلاثة إخوة ذكور، ووالدة تعاني من مرض باركنسون، ما يجعلها تتحمل جزءا كبيرا من أعباء المهام المنزلية.
فسواء كانت النساء متزوجات أو عازبات، فإن عبء العمل المنزلي يظل حاضرا في حياتهن اليومية بشكل ثابت، يتجاوز اختلاف الوضعيات الاجتماعية أو المسارات الفردية، ليفرض كواقع يومي مرتبط بالانتظارات التقليدية داخل الأسرة، حيث تتوزع المسؤوليات بشكل غير متكافئ، وتجد الكثير من النساء أنفسهن في مواجهة مستمرة مع مهام لا تنتهي، بين الدراسة أو العمل من جهة، وتدبير شؤون البيت من جهة أخرى.
تقول زينب في هذا الصدد لمنصة “هنَّ” إن وجودها كابنة وحيدة بين الإخوة الذكور يجعلها تجد نفسها في قلب المسؤوليات اليومية داخل البيت، من الطبخ والتنظيف وترتيب الملابس ومسح الغبار، إلى متابعة احتياجات الأسرة، في ظل تراجع قدرة والدتها الصحية على القيام بهذه المهام.
“ما تعاني منه أمي اليوم مرده العمل المنزلي المضني والمتواصل لسنوات طويلة، الشيء الذي أنهك صحتها بشكل كبير، وأدى إلى تدهور حالتها الجسدية والذهنية، فأصيبت بالخرف في سن مبكرة، بعدما أصبحت عاجزة عن القيام بالعديد من الأمور الحياتية العادية، لكنني الوحيدة التي أدفع الثمن اليوم، لكوني فتاة، بينما إخوتي وأبي لا يهتمون أبدا بالموضوع”، توضح زينب.
وخلال شهر رمضان الماضي، تضاعفت هذه الأعباء، حيث تصف زينب أيامها بأنها “كانت محكومة بإيقاع سريع بين إعداد وجبات متعددة لتلبية رغبات أفراد الأسرة، ثم الانتقال إلى تنظيف المطبخ وغسل الأواني بعد الإفطار، في مشهد يومي يتكرر بكثافة مرهقة”، يتركها أحيانا تعاني من آلام حادة في الظهر.
وتضيف زينب أن “كثرة الطلبات وتنوع الأطباق خلال هذا الشهر كانت تزيد من حجم المسؤولية، مقابل شعور بغياب المساعدة الفعلية من الإخوة، الذين وإن شارك بعضهم أحيانا في إعداد طبق بسيط، إلا أن أثر ذلك يظل محدودا أمام الفوضى التي تترك خلفهم”، وهو ما كان يضعها أمام مهمة إعادة ترتيب وتنظيف كل شيء من جديد.
لأني أنثى.. أنا من يدفع الثمن
شيماء، 35 سنة، من مدينة الدار البيضاء، ربة بيت متزوجة، تعيش يومها بين تفاصيل الأعمال المنزلية ومتطلبات الأسرة، تقول إنها لا تشتغل خارج البيت، حيث تعتمد على مصروف شهري يمنحه لها زوجها لا يتجاوز 2000 درهم، تحاول من خلاله تدبير احتياجات المنزل، وسط ارتفاع تكاليف المعيشة وكثرة الالتزامات اليومية.
ورغم ضيق الإمكانيات، تؤكد شيماء على أنها تسعى باستمرار إلى أن تكون “زوجة مثالية”، تهتم بالبيت والطعام والنظافة وكل التفاصيل الصغيرة التي تجعل البيت مستقرا.
لكن أكثر ما يؤلمها، بحسب تعبيرها، ليس التعب الجسدي فقط، بل شعورها بأن مجهودها غير مرئي، خاصة أمام الانتقادات المتكررة من والدة زوجها وشقيقاته، اللواتي يزرن المنزل مرة أو مرتين كل أسبوع، حيث توضح إن ملاحظاتهنَّ لا تتوقف، سواء بشأن الطعام أو الترتيب أو طريقة تدبيرها لشؤون البيت، وكأن ما تقوم به لا يكفي أبدا.
وتضيف شيماء أن وضعها الصحي يجعل الأمور أكثر صعوبة، إذ سبق أن خضعت لعملية استئصال الغدة الدرقية، كما تعاني من مشاكل في القولون العصبي، ما يجعلها بحاجة دائمة إلى الراحة وتخفيف الضغط، غير أن واقعها اليومي لا يمنحها تلك المساحة.
“حتى أثناء شعوري بالإرهاق، أواصل الوقوف في المطبخ وإنجاز الأعمال المنزلية خوفاً من التقصير أو التعرض للانتقاد”، تؤكد شيماء.
وتستحضر شيماء موقفا ما زال عالقا في ذاكرتها، حين لم ينضج الدجاج بشكل جيد في إحدى الوجبات، لتجد نفسها أمام سيل من الملاحظات القاسية والجارحة من طرف والدة زوجها، في لحظة شعرت فيها أن خطأ صغيرا كان كافيا لمحو كل ما تبذله من جهد يومي.
ورغم ذلك، لا تخفي شيماء رغبتها البسيطة في أن تجد بعض التقدير والتفهم، وأن ينظر إليها كامرأة تبذل ما يفوق طاقتها، وتحاول الاستمرار رغم المرض والإرهاق والضغط النفسي المتراكم داخل بيت تعتبره مسؤوليتها الأولى، لكن هل يحفظ القانون المغربي هذا الجهد؟ بالطبع لا.
محكمة النقض: الخدمة المنزلية لا تكتسي قيمة مادية في تنمية أموال الأسرة
كانت محكمة النقض قد أكدت، في قرار الصادر بتاريخ 6 دجنبر 2016، أن الخدمة المنزلية التي تقوم بها الزوجة لا يمكن اعتبارها عملا من أعمال “الكد والسعاية”، وهو اتجاه فقهي يقضي بالتعويض عن أعباء البيت، كما لا تشكل مساهمة مادية في تنمية أموال الأسرة خلال فترة الزواج.
وجاء في حيثيات القرار أن “الطاعنة لم تدل بما يثبت بشكل مقبول أنها ساهمت فعليا في تنمية الذمة المالية للأسرة أو في الرفع من أصولها خلال قيام العلاقة الزوجية”، وهو ما دفع المحكمة إلى رفض طلبها المتعلق بالمطالبة بنصيب في العقار المخلف عن الهالك باعتبار مجهوداتها داخل البيت.
واعتبرت المحكمة أن “ما قامت به المعنية من أعمال منزلية وتدبير لشؤون الأسرة يدخل ضمن الالتزامات العادية للزوجة، وفق ما تنص عليه المادة 51 من مدونة الأسرة، ولا يمكن في حد ذاته أن يرتب حقا في المشاركة في الأموال المكتسبة أثناء الزواج أو المطالبة بنسبة منها”.
وأوضحت المحكمة، في تعليلها، أن “نظام الذمة المالية المستقلة بين الزوجين كما تقرره المادة 49 من مدونة الأسرة يظل هو الأصل، ولا يمكن تجاوزه إلا بإثبات مساهمة مادية فعلية ومباشرة في تنمية الأموال المشتركة، وهو ما لم يتوفر في نازلة الحال”.
وبناء على ذلك، خلصت محكمة النقض إلى أن القرار المطعون فيه كان معللا تعليلا كافيا ومبنيا على تطبيق سليم للقانون، لتقضي برفض الطلب وتحميل الطاعنة الصائر.
وما يستشف من هذا القرار أن القضاء المغربي يرسخ مبدأ التمييز بين المساهمة المادية المباشرة في تكوين الثروة الأسرية، وبين الجهد غير المأجور المرتبط بالأعمال المنزلية، مع اعتبار هذا الأخير جزءا من الالتزامات العادية داخل العلاقة الزوجية كما حددتها مدونة الأسرة.
كما يعكس القرار، من جهة أخرى، استمرار الجدل القانوني والاجتماعي حول قيمة العمل المنزلي غير المرئي، وحدود الاعتراف به كإسهام فعلي في بناء الذمة المالية للأسرة، في مقابل توجه قضائي يربط الاستحقاق المالي بوجود دليل مادي ملموس على المساهمة في الإنتاج أو الاستثمار داخل الحياة الزوجية.
نبيلة جلال: العمل المنزلي غير محتسب قانونيا ويكرس حيفا ضد النساء في قسمة الثروة الأسرية
في تعليقها على هذا القرار، الذي لا تراه حكما معزولا بقدر ما تعتبره امتدادا لاجتهاد قضائي مستقر، ترى نبيلة جلال، المحامية والناشطة الحقوقية، أن “المحكمة كرست من خلاله الفصل بين الجهد المنزلي غير المؤدى عنه وبين المساهمة المادية المباشرة في تنمية أموال الأسرة، وهو ما يعكس استمرار اعتماد معيار القيمة المالية كمرجعية أساسية في تقييم الإسهام داخل العلاقة الزوجية، رغم الجدل المتزايد حول ضرورة الاعتراف بالعمل المنزلي كعنصر غير مرئي لكنه مؤثر في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للأسرة”.
واعتبرت أن “المادة 51 من مدونة الأسرة، التي استند إليها القرار، تنص بشكل واضح على مبدأ الرعاية المشتركة للأسرة والحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين، بما يشمل المساكنة الشرعية، والتشاور في تدبير شؤون الأسرة، وتربية الأبناء، والرعاية المتبادلة”.
كما أوضحت أن “المادة 49 من مدونة الأسرة، المتعلقة باقتسام الممتلكات، بدورها لا تعترف عمليا سوى بالمساهمة المادية المباشرة في تراكم ثروة الأسرة، في حين يتم إقصاء المساهمة المعنوية وأعمال الرعاية المنزلية من أي تقييم مالي أو قانوني”.
وأضافت أن “المحاكم، عند النظر في دعاوى اقتسام الممتلكات، تعتمد أساسا على الإثبات المادي للمساهمة المالية، ما يجعل آلاف النساء يخرجن ‘خاليات الوفاض’ رغم سنوات طويلة من العمل داخل البيت”.
واعتبرت المحامية والناشطة الحقوقية في حديثها لـ”هنَّ”، أن “هذه الأعمال تشكل مجهودا يوميا مرهقا ومضنيا يستغرق ساعات طويلة من اليوم دون أي مقابل مادي أو اعتراف قانوني”، مؤكدة على أن النساء يشتغلن داخل البيت “دون عطل أو رخص أو حماية اجتماعية، ومع ذلك يبقى عملهن غير محتسب ضمن المساهمة في بناء الثروة الأسرية”.
وأبرزت جلال أن هذا الوضع يشكل “حيفا قانونيا واجتماعيا” ضد النساء، لأن العمل المنزلي، رغم كونه غير مؤدى عنه، يساهم بشكل مباشر في استقرار الأسرة وتمكين الزوج من العمل وتراكم الثروة، مشيرة إلى أن “غياب الاعتراف بهذا الجهد يتناقض مع مبادئ العدالة والإنصاف”.
كما دعت إلى ضرورة إدخال تعديلات واضحة ضمن الإصلاحات المرتقبة لمدونة الأسرة، بما يضمن الاعتراف القانوني بقيمة العمل المنزلي واحتسابه ضمن المساهمة في تكوين الثروة الأسرية.
وترى جلال أن “أي قراءة قانونية تحمل المرأة وحدها مسؤولية الأعمال المنزلية تتعارض مع روح المدونة نفسها”، مشددة على أن “بعض القرارات القضائية، حتى وإن صدرت عن محكمة النقض، تبقى متأثرة أحيانا بالثقافة المجتمعية السائدة أكثر من استنادها إلى فلسفة المساواة والعدالة التي جاء بها القانون”.
كما أفادت أن “عدم الاعتراف القانوني بالمجهود الذي تبذله النساء داخل الأسرة يمثل قرارا مجحفا وغير منصف، ويتعارض مع التزامات المغرب الدولية، خصوصا اتفاقية اتفاقية سيداو، إلى جانب تعارضه مع مبادئ العدالة الاجتماعية والإنصاف”،
وعدت المتحدثة إلى مراجعة شاملة تضمن حماية الحقوق الاقتصادية للنساء والاعتراف بقيمة العمل المنزلي داخل المجتمع والقانون.
من جهة أخرى، اعتبرت أن “الاعتقاد السائد بكون العمل المنزلي يدخل ضمن الواجبات الحصرية للمرأة داخل الأسرة؛ هو تصور واهم لا يستند لا على القانون ولا على الشرع، ومدونة الأسرة المغربية لا تتضمن أي مقتضى قانوني يلزم المرأة بتحمل أعمال الرعاية والأشغال المنزلية بشكل صريح”.
وأوضحت أن “المادة الرابعة من مدونة الأسرة تعرف الزواج باعتباره؛ ميثاق ترابط وتماسك؛ يقوم على الرعاية المشتركة بين الزوجين، وهو ما يعني أن مسؤولية تدبير شؤون الأسرة وتربية الأبناء وتقاسم الأعباء اليومية يجب أن تكون مسؤولية متبادلة وليست ملقاة على عاتق المرأة وحدها”.
وأضافت أن “الإشكال الحقيقي لا يرتبط بالنص القانوني بقدر ما يرتبط بالتمثلات الاجتماعية والثقافة السائدة داخل المجتمع، حيث ساهمت الأعراف وقنوات التنشئة الاجتماعية في ترسيخ وعي جماعي يعتبر المرأة مسؤولة بشكل تلقائي عن الطبخ والتنظيف وتربية الأطفال ورعاية الأسرة، بل وحتى تحمل أعباء المناسبات الاجتماعية والعناية بوالدي الزوج أو أفراد أسرته في حالات المرض أو التقدم في السن”.
وفي هذا السياق، شددت المتحدثة على أن “النقاش الدائر حاليا بالمغرب حول تثمين العمل المنزلي وتسعيره أصبح ضرورة ملحة”، خاصة في ظل ما وصفته بـ”الظلم الكبير” الذي تتعرض له نساء يقضين عقودا من حياتهن في خدمة الأسرة ثم يجدن أنفسهن، بعد الطلاق، خارج أي حماية اقتصادية أو حق في اقتسام الممتلكات.
خديجة الرياضي: العمل المنزلي استغلال غير مرئي يعد شكلا من أشكال اللامساواة بين الجنسين
بدورها، قالت خديجة الرياضي، الناشطة الحقوقية بالجمعية المغربية لحقوق النساء، إن “موضوع العمل المنزلي الذي تتحمله النساء داخل البيوت بشكل مجمل يشكل أحد أبرز أشكال الاستغلال غير المرئي داخل المجتمع، والأمر لا يتعلق بالنساء العاملات كأجيرات داخل البيوت، بل بالعمل اليومي الذي تقوم به النساء داخل أسرهن دون أي مقابل مادي أو اعتراف اقتصادي أو اجتماعي بقيمته”.
وأكدت على أن “هذا العمل يظل خارج الحسابات الاقتصادية الرسمية رغم حجمه الكبير وأثره المباشر في استمرار الحياة اليومية وفي إعادة إنتاج داخل المجتمع”.
وأوضحت الرياضي أن “المجتمع المغربي، مقارنة بعدد من المجتمعات الأخرى، يُسجل مستويات ضعيفة في ما يتعلق بمساهمة الرجال في الأعمال المنزلية، مقابل تحمل النساء للعبءِ الأكبر من المهام اليومية المرتبطة بالتنظيف والطبخ والعناية بالأطفال ورعاية المسنين والمرضى”.
واعتبرت أن “هذا الوضع ليس مجرد سلوك فردي داخل الأسر، بل هو نتيجة تقسيم نمطي للأدوار بين النساء والرجال؛ متجذر في البنية الاجتماعية والثقافية”، مشيرةً إلى أن “هذا التقسيم يجعل من العمل المنزلي وظيفة مفروضة على النساء بشكل تلقائي، وكأنها جزء طبيعي من هويتهن الاجتماعية”.
وتابعت: “هذا التصور السائد يكرس فكرة أن المرأة مطالبة بالقيام بهذه الأدوار وإتقانها وقبولها دون نقاش، إلى درجة أن المرأة التي لا تقوم بها أو ترفضها تتعرض لنظرة دونية داخل المجتمع، وقد تُواجه بالنبذ أو التقييم السلبي لوجودها الاجتماعي، وكأنها لا تقوم بدورها كامرأة، وفق الصورة النمطية المفروضة”.
واعتبرت الناشطة الحقوقية الحائزة على جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان لسنة 2013، أن “هذا التصور ينتج عنه شكل من العنف الرمزي والاجتماعي الذي يضغط على النساء لإعادة إنتاج نفس الأدوار”.
وأضافت أن “هذا النظام الاجتماعي يقوم على ثنائية واضحة بين الرجال والنساء، حيث يُسند إلى الرجال المجال العام المرتبط بالقرار السياسي والعمل خارج البيت والإنتاج الاقتصادي، بينما تُسند إلى النساء مهام ‘إعادة الإنتاج الاجتماعي’؛ أي كل ما يتعلق بالإنجاب والرعاية وتربية الأطفال والعناية اليومية بالأسر، من طبخ وتنظيف ورعايةٍ صحية وعاطفية، وهي وظائف أساسية لضمان استمرار قوة العمل في المجتمع”.
وأشارت إلى أن هذه المهام رغم أهميتها الكبيرة، “لا تُعتبر عملًا اقتصاديًا معترفًا به، بل تُقدم كواجب طبيعي مفروض على النساء”، على حد وصفها.
وأكدت على أن “هذا العمل غير المؤدى عنه يساهم فعليًا في إنتاج القوة العاملة التي يشتغل بها الرجال خارج البيت، حيث يتم إعدادهم ورعايتهم وتوفير شروط حياتهم اليومية ليتمكنوا من العمل وبيع قوة عملهم في سوق الشغل، في حين تتحمل النساء، بمفردهن، هذا العبء داخل البيت دون مقابل”. معتبرة أن هذا الوضع يُشكل “استغلالا اقتصاديا غير مباشر لكنه عميق، لأنه يعتمد على عمل غير مرئي وغير محسوب ضمن الدورة الاقتصادية الرسمية”.
وأوضحت أن “هذا النوع من التقسيم لا يقتصر على المجال الحضري فقط، بل يمتد بشكل أكبر في الوسط القروي، حيث تتحمل النساء أعباء إضافية تتمثل في العمل داخل الضيعات العائلية إلى جانب الأعمال المنزلية، وغالبا دون أجر، في إطار ما يسمى بالمساعدة العائلية”.
وأضافت أن هذا يضاعف من حجم الاستغلال الذي تتعرض له النساء، لأنهن يجمعن بين عملين أو أكثر دون أي اعتراف مادي أو قانوني بقيمة ما يقمن به.
وفي تحليلها لبنية هذا الوضع، شددت على أن النظام “البطريركي” يشكل الأساس الثقافي والاجتماعي الذي يبرر هذا التقسيم، حيث “يتم تقديمه كأمر طبيعي قائم على اختلاف أدوار النساء والرجال، ويتم ترسيخه في الذهنيات عبر الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية”.
“هذا النظام يقوم على فكرة التراتبية بين الجنسين، بحيث يُنظر إلى الرجال على أنهم أعلى قيمة اجتماعية، بينما تُختزل النساء في أدوار الخدمة والرعاية”، تشير الرياضي.
وأضافت أن “هذا النظام لا يعمل بمعزل عن النظام الرأسمالي، بل يتقاطع معه ويستفيد منه، حيث يسمح للرأسمالية بتقليص تكاليفها الاجتماعية من خلال نقل جزء كبير من أعباء الرعاية والخدمات الاجتماعية إلى النساء داخل البيت بشكل مجاني”.
وأوضحت أن “هذا يجعل الدولة وأرباب العمل في موقع المستفيد، لأن العديد من الخدمات التي يجب أن تكون مؤسساتية، مثل رعاية الأطفال أو رعاية المسنين، يتم توفيرها داخل الأسرة دون أي تكلفة مالية”.
واعتبرت أن “التواطؤ بين النظامين يؤدي إلى تطبيع هذا الوضع، بحيث يُقدم كأنه أمر طبيعي وبديهي مرتبط بطبيعة النساء، وليس كعلاقة اجتماعية واقتصادية قابلة للتغيير”.
“هذا التطبيع يؤدي إلى إخفاء حجم الاستغلال الذي تتعرض له النساء، ويجعل العمل المنزلي غير مرئي وغير خاضع لأي تقييم اقتصادي أو اجتماعي”، توضح الرياضي لـ”هنَّ”.
وفي ما يتعلق بانعكاسات هذا الوضع على حياة النساء، ترى الرياضي أن “المرأة تصبح مثقلة بساعات عمل طويلة ومزدوجة، حيث تبدأ يومها مبكرا داخل البيت قبل الخروج إلى العمل الخارجي، ثم تعود في المساء لتستأنف نفس المهام المنزلية، ما يجعلها في حالة ضغط دائم وإرهاق مستمر، ويحد من قدرتها على المشاركة الكاملة في الحياة العامة والسياسية والثقافية”.
وخلصت إلى أن “تجاوز هذا الوضع لا يمكن أن يتم بشكل فردي، بل يتطلب تغييرا عميقا في البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، عبر الاعتراف بقيمة العمل المنزلي، وإعادة توزيعه بشكل عادل بين النساء والرجال، إلى جانب تطوير سياسات اجتماعية عمومية تقلص العبء على النساء، مثل خدمات الرعاية ودور الحضانة والبنيات الاجتماعية المساندة، كما أن استمرار الوضع الحالي يعكس استمرار هيمنة منطق غير عادل في توزيع الأدوار داخل المجتمع”.



















