تستيقظ ليلى، عند الساعة السادسة صباحا، على معدة خاوية وبملابس أسرعت بارتدائها، لتنطلق في رحلة بحث مضنية عن الماء، في ظل أزمة يعاني منها الجميع ولكنها تعمق معاناة النساء.
ليلى، ربة منزل وأمّ لطفلين وتتكفل أيضا برعاية والدة زوجها المسنّة، تقول لمنصة “هنَّ”: “منذ بداية الأزمة، تحول البحث عن الماء إلى روتين يومي إضافي يُثقل كاهلي إلى جانب مهامي المنزلية المتراكمة”.
بعد رحلة تقصٍّ مطولة إلى “المغازة” (المحلات الكبرى) التي ستوفر المياه اليوم، تنضم ليلى إلى طابور متراص وطويل تحت أشعة الشمس غشت/ أوت الحارقة في باردو، غرب العاصمة التونسية، أمام إحدى المغازات، مستعينة بمظلة الحلفة علّها تقيها وهج الحرّ.
وما إن تصل شاحنة التزويد، حتى يتلاشى النظام، يتقطع الطابور ويبدأ التدافع، عندها تبدأ ليلى بجسدها الأنثوي النحيل أن تحجز لنفسها مساحة صغيرة تضمن لها الظفر بنصيبها من الماء المعدني لهذا اليوم.
تستحضر ليلى تلك اللحظات وتقول لـ”هنَّ”: “تسبب لي التدافع الشديد في رضوض وكدمات زرقاء في جسدي.. لحظة فتح أبواب المغازة ووصول الشاحنة المحملة بالمياه، يتدافع الجميع نحوها، لا أحد يفكر في الآخر، فالجميع يلهث وراء الماء ولا يريد أن يعود خائبا.”
وتضيف: “هناك العديد من النساء والفتيات اللاتي أراهنّ يصارعن للوصول، لكن الغلبة للرجال بفضل بنيتهم الجسدية القوية، بينما نخرج نحن في أحسن الأحوال بطرد مياه أو بقارورتي ماء”.

أسباب أزمة الماء في تونس!
منذ شهر غشت/ أوت الماضي، وتونس تعيش على وقع أزمة غير مسبوقة بدءا من ارتفاع درجات الحرارة القياسية، مرورا بالانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، وصولا إلى انقطاع الماء المعدني من السوق، ثم انقطاعات مياه الصنابير في البيوت لساعات وأحيانا لأيام.
وحسب المرصد التونسي للمياه: “تواجه البلاد ندرة مائية تاريخية، يغذيها اليوم فشل الحوكمة السياسات العمومية المرتبطة بالتصرف في الماء”.
من جهته، يرى الخبير في المياه والأستاذ بمركز البحوث والتكنولوجيا للمياه، حمزة الفيل في حديثة لمنصة “هنَّ” أن “أزمة المياه في تونس هي أزمة قديمة متجددة، تعود جذورها إلى عزوف المواطنين والمواطنات عن استخدام مياه الحنفية واللجوء إلى البدائل، نتيجة تذبذب جودتها وتأرجحها من فترة إلى أخرى بين الصلاحية وعدم الصلاحية للشرب”.
وحسب الخبير: “أدى هذا التحول إلى ارتفاع في إقبال المستهلكين والمستهلكات على المياه المعلّبة بنسبة تراوحت بين 30 بالمائة و50 بالمائة، مما شكل ضغطا عجزت معه شركات التعبئة عن الاستجابة لهذا الطلب المتزايد”.
وتزامنت هذه الأزمة مع تراجع معدلات استخراج المياه من الآبار الجوفية، نتيجة فترات الجفاف المتواصلة التي شهدتها البلاد مؤخرا.
أزمة الماء غير محايدة جندريا
تُشير العديد من التقارير إلى أنّ أزمة الماء والتغيرات المناخية لا تصيب أفراد المجتمع بشكل متساو بل تتخذ طابعا تمييزيا جندريا فتجد النساء أنفسهن في واجهة هذه التداعيات، إذ تقع على عاتقهنَّ مسؤوليات إضافية، إلى جانب أدوار الرعاية والأعمال المنزلية غير مدفوعة الأجر مما يسنزفهنّ بدنيا ونفسيا.
فالنّساء لا تتولى تدبر الماء فقط بل هنّ أكثر عرضة للجفاف وتأثرا بفقدانه، إذ تستحق النساء الماء أكثر مقارنة بالرجال، كحاجتهنَّ الملحة إلى الاغتسال والنظافة الشخصية خاصة خلال فترة الحيض، كذلك الحوامل، والمرضعات والمسنات المرضى في حاجة إلى شرب كميات كافية من الماء. واختلال هذه الكميات يجعلهنَّ عرضة لمخاطر صحية متنوعة كالجفاف، والأمراض.
وفي هذا السياق، تقول الباحثة في علم الإجتماع نجاة عرعاري لمنصة “هنَّ”: “أزمة الماء غير محايدة جندريا لأنها مرتبطة بأدوار الرعاية غير مدفوعة الأجر كالتنظيف، والطبخ وغيرها وبالتالي تكون المرأة حسب التقسيم الجندري للأدوار بين الجنسين، تجد نفسها المسؤولة الأولى عن التدبر في الماء والتصرف فيه”.
وهو فعلا ما تؤكده شهادات تمكنت منصة “هنّ” من تجميعها لنساء، تحدثن عن الضغط النفسي والبدني الذي تسببت فيه أزمة الماء هذا الصيف، سواء عند انقطاعه من الحنفية أو فقداننه من السوق، وقالت هاته النساء أنهنَّ يضطررن إلى عدم النوم والانتظار إلى وقتٍ متأخر في الليل، حتى عودة الماء لتجميعه وتخزينه في أوان وقوارير، أو يدفعنَ لقطع مسافات طويلة لإقتائه.
في ذات السياق، كشف تقرير صادر عن اليونيسيف ومنظمة الصحة العالمية أنّ “النساء والفتيات يقمن برحلات مطولة لجلب الماء، مما يتسبب في خسارة فرص التعليم والعمل وأوقات الفراغ. كما أنهن يواجهن خطر التعرض لإصابات جسدية ومخاطر أخرى في الطريق”.

العاملات الفلاحيات في واجهة الأزمة
تمتد أزمة المياه في تونس لتلقي بظلالها على العاملات الفلاحيات، وذلك نظرا لطبيعة عملهنّ المباشر في الأرض، فهنّ شاهدات على التغيرات المناخية، وأزمة شح المياه. حيث تستهدف الأزمة النّساء في صحتهنّ، ومورد رزقهنّ، فشح المياه يؤدي إلى تراجع المساحات الزراعية وبالتالي إلى تقليص أيام العمل والأجور، مما يضعف دخلهنّ المادي الزهيد أصلا ويعمق الفقر داخل الأوساط الريفية لدى الفئات الأكثر هشاشة.
كما تجد العاملات الفلاحيات والمزارعات أنفسهنَّ في مواجهة مع التغيرات المناخية والظواهر المتطرفة كمواجات الحرّ المتواصلة، إذ يعتبرنَ الأكثر عرضة لضربات الشمس، والتعرض للمبيدات التي يتسخدمها الفلاح بهدف التقليل من أثار الجفاف والتأقلم مع المناخ. إضافة إلى تزايد حاجتهن للماء سواء كان للشرب والاغتسال والتنظيف.
بلغ عدد العاملات في القطاع الفلاحي بتونس أكثر من 600 ألف عاملة سنة 2025 إذ يمثلن أكثر من 80 بالمائة من اليد العاملة في القطاع الفلاحي، حسب جمعية أصوات نساء. ورغم أهمية هذا الثقل من حيث العدد، تجد العاملات الفلاحات والمزارعات أنفسهنّ في واجهة التغيرات المناخية إضافة إلى جملة من التحديات المركبة بدءا من هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي وصولا إلى النقل غير الآمن أو كما يطلق عليه “شاحنات الموت”.
من جهتها تُوضّح الخبيرة في الإنسانيات البيئية والمفاوِضة في مجال التغيرات المناخية، الدكتورة رواء الكافي لمنصة “هنَّ” أن “تونس باتت من بين أبرز الدول الأكثر تأثرا بالتغيرات المناخية، إذ تشهد في السنوات الأخيرة تقلبات حادة تتراوح بين الجفاف والفيضانات، إضافة إلى اضطراب وتداخل الفصول، ثم إن تضافر عاملي الارتفاع القياسي للحرارة والرطوبة يُضاعف من مخاطر الكوارث البيئية”.
وتضيف الكافي: “إن موجات الحرّ القياسية التي سجّلناها هذا العام تعود بالأساس إلى الارتفاع غير المسبوق في درجات حرارة مياه البحر الأبيض المتوسط والمحيطات والتي تلعب دورا محوريا في حفظ التوازن المناخي، أدى الاختلال في حرارتها إلى ظواهر مناخية متطرفة، كما تجسد مؤخرا في ظاهرة (النينيو)”.
وتُردف موضحة أن “ما نعيشه اليوم في تونس من موجات حرّ متواصلة بلا انقطاع بين النهار والليل وهو ما يُعرف علمياً بـ”الليالي الاستوائية”، يُعد مؤشرا ينبئ بمواسم خريفية أكثر عنفا وتقلبات جوية حادة في المستقبل وهو يجعلنا نتساءل عن استعدادات الدولة لهذه المتغيرات”.
النّساء هنّ الحل
حول التبعات النفسية والاجتماعية على النساء، تُشدد الكافي على أنه رغم الضغوط النفسية العالية والهشاشة التي تضع الأزمة النساءَ فيها كحلقة أضعف، إلا أنهنّ في المقابل “يُشكّلن نواة الصمود المناخي وخط الدفاع الأول”.
وتتابع الكافي أنّ “النساء يتتمتعنَ بقدرات وحلول عملية أثبتت نجاعتها في التكيف مع الشح المائي والجفاف، والتي تتمثل في الاعتماد على طرق تقليدية مورثة عن الأجيال السابقة؛ كإعادة استخدام المياه، واعتماد طرق سقي مقتصدة، وصولا إلى الممارسات التقليدية لإعداد وتخزين الطعام مثل «العولة»، المتمثلة في تخزين القمح والشعير والكسكسي وتجفيف الطماطم وإعداد الهريسة وزيت الزيتون بكميات تفي الاستخدام لأوقات طويلة في حال كان العام المقبل جافا أو أقل انتاجًا”.
وترى الكافي أنه “لم يعد مقبولا التعاطي مع النساء كضحية فقط، بل يجب إدماجهنَّ كفاعل رئيسي في الحل، والاستفادة من خبراتهنَّ وتثمين ممارساتهنَّ عند صياغة السياسات العمومية وبلورة الاستراتيجيات الوطنية المتعلقة بالمناخ.
وهكذا تبدو أزمة الماء في تونس غير محايدة جندريا، إذ تتفاوت حدتها حسب الجنس، والظروف والمكان والإمكانيات أيضا، لتكون الأشد ثقلا وتأثيرات لدى الفئات الأكثر هشاشة كالنساء، والمرضى، المزارعات في المناطق الريفية، في ظل ضبابية سياسية وغياب سياسات عمومية مستدامة، مما يعمق حدة الأزمة ويُعطل أسباب التكيف المناخي لتترك هاته النساء في مواجهة الجفاف بأنفسهن.


















