في سبتة، عشرات الشابات والقاصرات وجدن أنفسهن، بعد عبور الحدود في ظروف بالغة الهشاشة؛ هنا اضطرت مئات منهنَّ إلى النوم في الشوارع والغابات وملاعب الأحياء، في انتظار أن تتولى السلطات تحديد هوياتهنَّ، بينما تتزايد المخاطر التي تواجه النساء والفتيات، من الاعتداءات الجنسية والاستغلال إلى احتمال الوقوع في أيدي شبكات الاتجار بالبشر، فيما يتحدث عاملون وعاملات في القطاع الصحي عن حالات اغتصاب طالت قاصرات، وتطالب منظمات غير حكومية بتوفير أماكن آمنة وصحية لهنّ.
في هذا الروبورتاج، ترصد “هنَّ” كيف تخاطر نساء مغربيات وغير مغربيات؛ بينهُنَّ أمهاتٌ رفقة أطفالهنَّ الصغار، بل وحتى نساء حوامل؛ بحيواتهنَّ في البحر، هربًا من غياب أي أفق للمستقبل في بلدهنَّ، كما توثق المنصة كيف يحاول متطوعون ومتطوّعات وسكان محليون تقديم المساعدة الأساسية، غير أنهم يحذرون من أن نقص الموارد بات يفاقم التوتر ويزيد من هشاشة أوضاع الوافدين.
وسط المدينة: عودة الهدوء
في وسط سبتة، تبدو الحياة وكأنّها تعود تدريجيًا إلى طبيعتها؛ حيث أعادت المقاهي والمطاعم فتح أبوابها، واستأنفت المتاجر استقبال زبائنها، وعادت شرفات المقاهي إلى إيقاعها المعتاد. لكن ما إن تبتعد بضعة كيلومترات حتى تجد مدينة أخرى مختلفة تمامًا. ففي الأطراف، وفي أحياء مثل حي سيدي مبارك، روساليس (ROSALES) والأمير (El Príncipe)، تبدو الصورة أقرب إلى مكان أنهكته موجة الوصول الجماعي للمهاجرين والمهاجرات.
في هذا التناقض بين هدوء وسط المدينة وفوضى أطرافها، هناك من يدفع الثمن أكثر من غيره؛ إنهنّ النساء المغربيات، البالغات والقاصرات، اللواتي عبرن سباحة، واللاتي أيضًا ما زلنَ عالقات في هذا الجيب. وضعهنَّ هو الأكثر هشاشة في هذه الأزمة؛ فكثيرات ينمن في الشوارع، أو في المناطق الحرجية، أو يختبئن في أي زاوية من زوايا المدينة، من دون أن يتم تحديد هوياتهنَّ، وخارج أي شبكة للحماية؛ وهذه الحالة من الاختفاء عن الأنظار هي تحديدًا ما يجعلهنَّ أكثر عرضة للخطر.
ومنذ موجة الدخول الجماعي في 30 يوليوز، أُبلغ عن عشرات الحالات لنساء تعرضن للاستغلال أو الاعتداءات الجنسية، كثيرات منهن قاصرات.
“حاول الاعتداء على القاصر”
حوّلت صباح حامد، وهي سبتية، منزلها إلى مطعم اجتماعي مفتوح، وفي حديثها لمنصة “هنَّ”، تروي ما حدث لإحدى النساء المغربيات اللواتي تقدم لهنَّ المساعدة. تقول صباح وهي تدمع من هول واقع النساء: “عرض رجل في البداية إيواءهنَّ في منزله”، لكن المساعدة التي بدت في ظاهرها إنسانية كانت تخفي نية أخرى؛ إذ تروي: “الرجل حاول الاعتداء على القاصر، وعندما واجهته والدتها، ضربها وطردهما من المنزل”.
ليست هذه الحالة معزولة، فرجاء، وهي امرأة من حي الأمير، تصف مشهدًا ظل عالقًا في ذاكرتها، كان ذلك في الثالثة فجرًا ذات ليلة، حيث أيقظتها الصرخات العالية، “كان عدد من الرجال يعتدون على طفلة”، تقول رجاء، وتضيف بدارجة ممزوجة بالإسبانية: “خرجت مسرعة من المنزل وبدأت أصرخ في وجه هؤلاء الأوغاد”.
تدق المنظمات العاملة ميدانيًا ناقوس الخطر منذ أيام، وتحذّر منظمة “سيڤ ذي تشيلدرن” (Save the Children) ومنظمات غير حكومية أخرى،من العديد من المخاطر الكبيرة التي تواجهها الفتيات والمراهقات المهاجرات في سبتة، ولا سيما الاعتداءات الجنسية والاتجار بالبشر والاستغلال، خصوصًا اللواتي بقين خارج منظومة الحماية.
تكمن المشكلة الأساسية في ازدواجيتها فهي كما تقول صباح لهذه المنصة: “ليس المطلوب فقط توفير الرعاية لهنَّ، بل العثور عليهنَّ أولًا”.
“في أزمة بهذا الحجم، يمكن أن تصبح الفتيات والمراهقات غير مرئيات بشكل خاص، لا يكفي أن نطعم الذين وصلوا؛ نحتاج إلى معرفة من هم، وأين يوجدون، وما احتياجاتهم، نساعد بما نستطيع ولكن الله غالب، هذا جهدنا”، تضيف الحاجة صباح. وتوضح أنّ “المراهقة التي تبقى وحدها وخارج منظومة الحماية قد تكون في وضع بالغ الهشاشة أمام العنف، أو الاغتصاب أو الاستغلال أو الاتجار بالبشر”.
الاغتصابات.. الوجه الأكثر قسوة للأزمة
لم تقتصر تداعيات موجة الدخول الجماعي إلى سبتة على الاكتظاظ وأوضاع الإيواء الهشة، بل امتدت إلى مخاطر أمنية وإنسانية طالت النساء والفتيات، وحسب مصادر في الحرس المدني، فقد جرى منذ نهاية يوليوز “توثيق 15 حالة اغتصاب في مناطق مختلفة من سبتة”.
وكانت أحدث الحالات، بحسب المصدر نفسه، مساء الجمعة في شارع لشبونة، حيث حاول ثلاثة أشخاص، إخوة أشقاء، الاعتداء جنسيًا على طفلة تبلغ 10 سنوات. تأتي هذه الوقائع في سياق أوسع من هشاشة أوضاع النساء والقاصرات اللواتي بقين خارج منظومة الحماية، خصوصًا في الشوارع والمناطق المفتوحة والتجمعات العشوائية، ما يجعلهنَّ أكثر عرضة للاعتداء والاستغلال والاتجار بالبشر.
وفي شهادتها لـ”هنَّ”، قالت الطبيبة سوزانا أسكاسو أنّها عاينت بنفسها أربع حالات اغتصاب خلال الأزمة، بينها ثلاث نساء مغربيات وسيدة من دول جنوب الصحراء، مؤكّدة أنّ هذه الحالات “لا تمثل بالضرورة حصيلة جميع الاعتداءات التي وقعت في المدينة”.
“مشهد حرب”: شهادة طبيبة من قلب أزمة سبتة
كانت سوزانا أسكاسو تؤدي نوبتها الصباحية المعتادة في مستشفى سبتة الجامعي، حين بدأ قسم الطوارئ يستقبل أعدادًا غير مسبوقة من المرضى، لم يكن أحد قد أخبر الطواقم الطبية بما يحدث على بعد كيلومترات، عند حاجز “تاراخال”، وحدها صفارات سيارات الإسعاف المتلاحقة كانت تكشف حجم ما يجري.
وصل المهاجرون والمهاجرات تباعًا، بعضهم يعاني من انخفاض حاد في حرارة الجسم، وآخرون من حالات غرق وكسور وجروح بالغة، حاول الأطباء تنظيم عمليات فرز سريعة للحالات، رغم أنهم لم يتلقوا أي تعليمات مسبقة ولم يكن لديهم الوقت للاستعداد. تقول أسكاسو إنهم اضطروا إلى “التصرف على الفور”.
في عيادتها الخاصّة، الواقعة وسط المدينة، تسرد الدكتورة لمنصة “هنَّ”، ما لم تستطع نسيانه من يومها، حيث كانت الإصابات كثيرة ومتنوعة؛ جروح خلفتها الأسلاك الحدودية، وأخرى سببتها الصخور البحرية، إضافة إلى خلع في الكتف وكسور معقدة، عالجت الطبيبة، خلال تلك الساعات، ثماني حالات خلع في الكتف وحدها، تصف المشهد بأنّه كان “فوضويًا وحزينًا”.
لكن المشهد الأكثر قسوة لم يكُن داخل غرفة الطوارئ، بل عند لحظة الخروج، فبعد خياطة الجروح وتثبيت الكسور، كان على الطبيبات والأطباء أن يمنحوا المرضى والمريضات إذنًا بالمغادرة، غير أن السؤال ظلّ معلقًا: إلى أين؟
تقول أسكاسو:”من الصعب جدًا أن تعالج مريضًا بهذه الإصابات ثم تقول له اذهب إلى منزلك، أي منزل؟ إلى أي شارع؟ أين سيأكل؟ ومن سيعتني به؟ ومن سيعالج جروحه؟”
كان كثيرون يعودون إلى الشارع، لأنّ المستشفى لا يملك مكانًا لإبقائهم، ومراكز الإيواء لا تستوعب الأعداد المتزايدة، ومن بين الصور التي ظلت عالقة في ذاكرة الطبيبة طفل في الثانية عشرة من عمره، وصل وحيدًا إلى قسم الطوارئ، يحمل جرحًا عميقًا في جسده احتاج إلى خياطة دقيقة.
أمسك الطفل بيدها، وظل يردّد كلمة “خالتي”، قبل أن يطلب منها ألّا تتركه يعود إلى الشارع، “لا تطردوني من المستشفى. أنا خائف”، قال الطفل وفق شهادة الطبيبة.
لم يكُن أمامها سوى إخباره بأنّ المستشفى لا يستطيع إبقاءه، وتقول أسكاسو إنّ تلك اللحظة “كانت من الأسباب التي جعلتني أبكي بعد انتهاء نوبتي التي امتدت 24 ساعة”، وتشير إلى أنّها وعدد من زملائها، لم يكن الإرهاق وحده هو ما أنهكهم، بل حجم المشاهد التي عاشوها خلال الساعات الطويلة. ومع مرور الأيام، لم تتراجع الأزمة، بل تحوّلت إلى حالة مستمرة.
لكن أكثر ما يثير قلق أسكاسو هو ما يتعلّق بالأطفال والنساء؛ إذ تتحدث الطبيبة عن فتيات مهاجرات في الرابعة عشرة من العمر تعرضن للاغتصاب، بعدما وجدن أنفسهنَّ في الشارع لأنّ مراكز إيواء القاصرين والقاصرات لم تعد قادرة على استيعابهنَّ.
عن عدد الاغتصابات تقول الطبيبة لـ”هنَّ”: “لا أستطيع أن أقول إلاّ ما عاينته، كانوا أربعة حالات، ثلاث نساء مغربيات من أعمار مختلفة، وسيدة من دول جنوب الصحراء، تم الاغتصاب من أمام ومن دُبرٍ”.
لا تتوقّف المخاوف عند حدود الإصابات والأمراض المزمنة؛ فهناك، بحسب الطبيبة، أمراض لا يمكن اكتشافها بسهولة داخل قسم الطوارئ، بينها السل والتهاب الكبد، ما يثير مخاوف بشأن تداعيات صحية أوسع. وتوضح أنّ هذه الاغتصابات لها مخاطر صحية “لا يمكن السيطرة عليها، وآثارها قد لا تظهر إلا في المستقبل”.
بالنسبة إلى أسكاسو، ما حدث في حدود “تاراخال”، ليس أزمة هجرة عابرة، حيث تستعيد مشهد ذلك اليوم وتقول: “لقد عشت حروبًا كثيرة، في عدة دول كطبيبة متطوّعة، وكانت تلك مشاهد من حربٍ أخرى”. ومع ذلك، ثمّة واقعة واحدة تعتبرها الطبيبة من عزائها القليلة، لم تصل إلى المستشفى جثث الذين قضوا خلال موجة العبور الجماعي.
لكنّها اضطرت، في الأيام التالية، إلى مواساة أسرة فقدت طفلة في العاشرة من عمرها، كانت في رحلة عائلية إلى المغرب، وتعاني مرضًا مزمنًا يتطلب جهاز أكسجين دائمًا، تعطل الجهاز ونفد الأكسجين، فاضطرت الأسرة إلى التوجه من الفنيدق نحو سبتة، قبل أن تفارق الطفلة الحياة.
في نهاية شهادتها، تطلق أسكاسو نداءً: “لا أحد يساعدنا… لا أحد يعطينا توجيهات، ولا أحد يخبرنا إلى متى سيستمر هذا الوضع”.
وداد.. حين تضيق البلاد!
قررت وداد مغادرة المغرب، رغم إدراكها أن وصولها إلى إسبانيا لن يكون سهلًا، كانت أسرتها تعاني من صعوبات اقتصادية، وكانت قد بدأت العمل في أحد المطاعم، غير أن دخلها لم يكن كافيًا لتلبية احتياجات الأسرة.
في ملجأ حي الأمير، حيث إلتقتها “هنَّ”، تقول وداد أن والدتها هي المعيلة للأسرة، فيما يعتمد والدها على رعاية أفراد العائلة، وتضيف أنها تلعب كرة القدم، وتحلم بأن تجد في إسبانيا فرصة تتيح لها بناء مستقبلها.
تروي الشابة، ذات الـ17 ربيعًا، وهي تستعيد الظروف التي كانت تعيش فيها: “كان الوضع في المغرب صعبًا أصلًا”، وبالنسبة إليها، كان عبور الحدود فرصة لمحاولة تغيير حياتها: “أريد مستقبلًا أفضل”، وهي كلمة ترددها كثيرات وكثيرون، كأن البلاد ضاقت بهم وبأحلاهم.
تتواصل وداد مع والدتها كلما سنحت لها الفرصة، فهي الشخص الوحيد الذي تتحدث إليه، وعندما سُئلت عن موقف والدتها من قرار الهجرة، ابتسمت وقالت إن “كل ما تريده ماما هو أن أحافظ على نفسي وأن أكون بخير”.
وتؤكد وداد على أن نيتها هي البقاء في إسبانيا: “لا أفكر في العودة إلى المغرب، كما فعلت العديد من الفتيات الأخريات”، أما أملها الأكبر في الوقت الراهن، فيتمثل في تسوية وضعها القانوني في إسبانيا.
رحلة حلم: من السنغال إلى سبتة!
كانت صورة فاطمة فال، السنغالية، وهي تصل منهكة إلى سبتة سباحة، من بين الصور التي انتشرت في وسائل الإعلام خلال موجة العبور الجماعي. وصلت فاطمة برفقة شقيقها، قبل أن تستقر معه ومع مهاجرات ومهاجرين آخرين من جنسيتها في شاطئ «ترامبولين»، الذي تحول إلى مخيم مفتوح للمهاجرين والمهاجرات واللاجئين واللاجئات؛ أكواخ من القصب والكرتون تؤوي من لم يجدوا مكانًا آخر، وهناك، التقتها “هنَّ”.
بعد وصولها إلى سبتة، تمكّنت فاطمة من إيجاد مكان في مركز لإيواء المهاجرين والمهاجرات تابع لوزارة الهجرة، يقع في الغابة المطلّة على الشاطئ، لكنها تعود إلى الشاطئ كلما سُمح لها بالخروج، لإعداد الطعام لشقيقها والجلوس معه. تقول فاطمة لـ”هنَّ”: “الأوضاع السياسية والاقتصادية في السنغال دفعتني إلى الهجرة”، دخلت المغرب عبر موريتانيا، قبل أن تبدأ رحلة شاقة نحو الشمال، مضيفة: “مشيت على قدمي من الثامنة صباحًا إلى الثامنة مساءً، من طنجة إلى سبتة”.
تستعيد الأيام الأولى بعد الوصول قائلة: “في الأيام الأولى كان الوضع مثل المخيم؛ لا أكل، لا شيء. لكنّني الآن بخير في المركز. أنزل إلى الشاطئ لأعد الطعام لأخي ولنتحدث مع العائلة”. لكن الطريق إلى سبتة ترك وراءه آثارًا أخرى، إذ تروي فاطمة: “لقد تعذّبنا في المغرب، بلد عنصري، وضربونا”.
ثم تستعيد لحظة العبور سباحة، وهي اللحظة التي تقول إنّها لن تنساها: “أثناء السباحة إلى سبتة رأيت مشهدًا مرعبًا؛ غرقى في البحر، وعائلات مع أطفالها تحاول الوصول”. ورغم كل ما عاشته، ما تزال فاطمة متمسّكة بفكرة العبور إلى ضفة أخرى؛ تخطّط للعمل في تصفيف الشعر والعناية بأظافر النساء، وهي تحرّك ضفائرها متحدثة عن مهنة تريد أن تجعل منها بداية لحياة جديدة، لكن المصير المجهول في سبتة يحُول دون ذلك.
أرقام ناقصة.. ونساء خارج الإحصاء
تُساعد الأرقام على فهم حجم التحدي، حيث قدرت وزيرة شؤون الطفولة أنّ عدد القاصرات والقاصرين المسجلين في سبتة بـ1342 قاصرًا، فيما ترفع تقديرات المنظمات الحقوقية العدد إلى عدة آلاف من الأطفال والمراهقين الذين يُعتقد أنهم وصلوا إلى المدينة، وما يزال كثير منهم مجهولي المكان.
أمّا منظومة حماية القاصرين في المدينة، التي لا تتوفر في الظروف العادية إلا على نحو مائة مكان، فتواجه ضغطًا استثنائيًا، إذ تستقبل مراكز الإيواء والموارد التي جرى تخصيصها نحو ألف قاصر.
عدد النساء مازال مجهولا، ولكن وفق إحصائيات جمعية “لونا بلانكا”، المعتمدة على وجبات الطعام التي تقدّم للمهاجرين والمهاجرات، فإنّ عدد النساء: “300 في حي سيدي مبارك، 300 في حي الأمير، 250 في فيرّوكارِّيل، 200 في روساليس، 30 في مقر الجمعية، 60 في الحي الصناعي”.
“يبلغ مجموع النساء والفتيات اللواتي تصل إليهن وجباتنا 1140 امرأة وفتاة، من أصل 2700 وجبة نوزّعها يوميًا، لكن هناك أخريات في الغابات، وفي منازل الأسر، وأماكن أخرى من المدينة”، تقول المتحدثة باسم الجمعية لـ”هنَّ”.
لكن بينما تتواصل محاولات التنسيق بين الإدارات، تستمر الحياة في الأحياء؛ نساء مثل صباح، ومتطوّعات أخريات في حي سيدي مبارك؛ على رأسهم والدة وشقيقة رئيس جمعية الحي، عبد الله مصطفى، وعدّة من نساء الحي؛ يُقمن، في الشوارع وبإمكانات محدودة للغاية، بما لم تتمكّن المنظومة بعد من ضمانه؛ إطعام الوافدين والوافدات، وإطلاق التنبيهات، وتوفير الحماية، إنهنَّ الجدار الأخير في مواجهة من يستغلّون حالة انعدام الحماية.
هذا، وبينما عادت الحياة الطبيعية إلى وسط سبتة، لكنّها بالنسبة إلى كثير من النساء اللواتي ما زلن عالقات في أطرافها، لم تعُد بعد، ولم ينته الخطر عند الوصول إلى سبتة، التي تحوّلت إلى مدينة درامية بامتياز.
المنظّمات في قلب الأزمة
يتم توزيع الطعام في مستودعات “تاراخال” عند الساعة الثالثة بعد الظهر، من خلال أعضاء ومتطوّعين ومتطوّعات في جمعية “القمر الأبيض” (Luna Blanca)، وهي جمعية محلية يتواجد مقرها جنب مسجد “سيدي مبارك” بسبتة.
كان مئات الأطفال والفتيات والشبان والرجال والنساء ينتظرون للحصول على علبة من الطعام الساخن، توضّح المتحدثة باسم جمعية “لونا بلانكا”، حليمة أحمد، أنّ “المنظمة تنخرط حاليًا في عمل إنساني مكثف”. تتعاون الجمعية مع عدد من الأماكن التي جرى تجهيزها في أحياء متعدّدة؛ وكلّها أحياء هامشية تُقيم فيها الغالبية المسلمة؛ حيث جرى إنشاء أماكن آمنة مخصّصة، خصوصًا للنساء والفتيات.
تؤكد جمعية “لونا بلانكا” أنّها تُدير في المتوسط أكثر من 2700 وجبة يوميًا، إلى جانب تقديم المساعدة لنحو ثلاثين أسرة سبتية فقيرة بشكل مباشر من مقراتها. وتوضّح حليمة، المتحدثة باسم الجمعية في تصريحها لـ”هنَّ”، أنّ “60 بالمائة من الوجبات هي للنساء المهاجرات اللواتي دخلن سبتة مؤخرًا”.
في كل يوم تقدّم وجبة ساخنة لكل فرد، وعندما تسمح الموارد المتاحة، يُستكمل التوزيع بالفواكه واللبن والخبز. أمّا عندما لا يكون من الممكن توفير هذه المواد، فيُقدَّم الطبق الرئيسي على أي حال. في مستودعات “تاراخال”، حيث يتركز عدد كبير من الأشخاص، تواجه الجمعية صعوبة إضافية تتمثل في الحجم الهائل للطلب.
تروي حليمة أحمد أنّه “يكفي أن يبدأ عدد قليل من الأشخاص في طلب الطعام، حتى يتشكّل خلال ثوانٍ حشد كبير”. وتلخّص المتحدثة الوضع قائلة: “إنّهم يطلبون منك الطعام، ولا يطلبون منك شيئًا آخر”، موضّحةً بأسف بأنّ إحدى أصعب اللحظات تحدث تحديدًا “أتألم عندما ينفد الطعام بينما ما يزال هناك أشخاص ينتظرون دورهم”.
تُقرُّ المتحدثة باسم “لونا بلانكا” بأنّ الوضع يؤثّر أيضًا في الحالة النفسية للعاملين والعاملات في الميدان. وتقول: “نحن أيضًا نمر بظروف صعبة نفسيًا”، مشيرة إلى أنّ الوضع يطبعه التوتر، وقبل كل شيء، حالة من عدم اليقين، كما أنّ احتمال استمرار الوضع لأسابيع يزيد من قلق الأشخاص الذين يقدّمون المساعدة على الأرض.
المساعدة تختلف!
يتجاوز عمل “لونا بلانكا” بكثير مجرد تقديم طبق من الطعام، فالجمعية تقوم أيضًا بتضميد الجروح، ومرافقة الأشخاص إلى الطبيب، وتوفير أماكن للاستحمام والملابس، وتقديم الدعم النفسي والإرشاد. ويتمثّل جزء مهم من هذا العمل ببساطة في الجلوس والتحدّث مع الأشخاص الذين ما زالوا في سبتة؛ فكثير منهم يسألون عما يمكنهم فعله أو ما الذي يُنصحون به في مواجهة وضع لا يفهمونه، وفي حالات كثيرة يختلف تمامًا عن التوقعات التي كانت لديهم عند وصولهم، فـ”لا أحد يعرف ماذا سيفعلون معهم”، تقول حليمة.
تُؤكّد حليمة أنّ الأشخاص الموجودين هناك لا يحملون جميعًا القصة نفسها، وتضرب مثالًا بامرأة يعاني ابنها من مرض، ويُعتقد أنّها وصلت إلى سبتة بحثًا عن حل طبي لم تتمكن من العثور عليه في المغرب. وبالإضافة إلى مستودعات “تاراخال” تقدّم الجمعية المساعدة أيضًا في عدد من التجمعات العشوائية للمهاجرين والمهاجرات؛ ويغلب على بعضها وجود النساء والقاصرين الذين يبحثون عن مكان يشعرون فيه بالأمان.
كما تدين أحمد استغلال بعض الأشخاص لحاجة الوافدين الجدد، من خلال فرض مبالغ مالية مرتفعة مقابل أماكن للنوم أو مقابل بعض المواد الأساسية. أجبرت الأزمة الجمعيات على مضاعفة جهودها، في وقت تظل فيه الموارد محدودة، فيما يتعيّن عليها في الوقت نفسه مواصلة تقديم الدعم للأسر الأكثر احتياجًا في سبتة.
تواصل “لونا بلانكا” التزامها بتوفير الطعام والمساعدة طالما كان ذلك ضروريًا، ولكن المشهد الذي يتكرّر كل يوم بسيط، لكنّه ليس مريحًا؛ حيث يصطف النساء والأطفال والشباب للحصول على طبق ساخن، ومتطوّعات ومتطوّعون يحاولون تنظيم عملية التوزيع، وطلب يتجاوز أحيانًا القدرة المتاحة.
محنة ما بعد الوصول
في أطراف المدينة، حيث تنام بعض النساء في الغابات أو الشوارع، وحيث يتحوّل طبق ساخن إلى فعل إنقاذ يومي، تحاول الجمعيات والمتطوّعون والمتطوّعات سدّ فراغ أكبر من إمكاناتهم؛ حيث بدأت منظمات مثل “Border Resistance” في جمع التبرّعات والغذاء والدواء وغيره، ولكن ما يجري أقوى من قدرات المتطوعين، إذ يقول عبد الله مصطفى لـ”هنَّ”: “هذا عمل الدولة وليس عملنا، نحن منهكون، واجبنا الأول هو حماية هؤلاء النساء”.
ويوضّح عبد الله لـ”هنَّ”: “ناهيك عن أنّ هناك أطفالًا لم يغادروا المكان منذ 18 يومًا، كثير منهم مصابون بالتوحد أو بمتلازمة داون، لا ندري ما بهم! حقيقةً لقد أنهكنا التعب، وإذا لم ينقد الوضع، فسننهار تمامًا”.
“نحن، سُكّان الأحياء الهامشية بلغنا أقصى حدود قدرتنا على التحمّل، بينما نرى أن الحكومة لا تتحرّك! وهذا يسهم في جعل الوضع أكثر توترًا يومًا بعد يوم، ونحن الآن معلّقون بخيط رفيع؛ فتهميش هذه الأحياء مستمر حتى في ظل وضع كهذا، وللأسف، فإنّ العجز الحكومي على وشك أن يتسبّب في أضرار لا يمكن إصلاحها لمدينتنا التي نحبها”، يخلص عبد الله مصطفى.
على الأرض وفي الواقع، تبدو سبتة، في هذه الأيام، مدينتين في آن واحد؛ مدينة استعادت هدوءها في المركز، وأخرى تختبئ في هوامشها، حيث ما زال آلاف المهاجرين والمهاجرات ينتظرون أن تُحدَّد هوياتهم، وأن يجدوا مكانًا آمنًا، وأن تبدأ حياتهم من جديد.
لكن بالنسبة إلى النساء اللواتي يعشن خارج منظومة الحماية، ما يزال الوصول هو الجزء الأسهل من الحكاية، أمّا المحنة الحقيقية، فقد بدأت بعده!














