العاملة المغربية زهرة.. قضية تفضح نظامًا بلا رحمة ولا كرامة 

زهرة بَهلَوي، امرأة مغربية، عاملة زراعية؛ مساهمة في نظام الضمان الاجتماعي الإسباني، مريضة بالسرطان، وأُعيدت إلى المغرب دون أن تتلقى أي علاج، دون إجازة طبية، دون فتح ملف لعجز مؤقت، دون أي تعويض مُعترف به، ودون أي ضمان.

اليوم، في بلدها، لا تزال زهرة بلا رعاية صحية، بلا متابعة طبية، بلا أي حقوق مفعّلة. والأسوأ من ذلك: أنها لا تحصل حتى على رعاية تلطيفية، رغم أنها مصابة بسرطان من الدرجة الرابعة (المرحلة IVB)، مع توصية طبية واضحة بالحصول على علاج تلطيفي لتخفيف الألم.

في أي مرحلة من هذه القصة يمكن لأحدهم أن يرى شيئًا من الكرامة؟

بدلًا من تحمّل المسؤولية أو فتح تحقيق، فضّلت عدة مؤسسات الاعتماد على الرواية التي صاغها الجهاز التابع لأرباب العمل. 

ووفقًا لبرنامج “PRELSI” (برنامج المسؤولية الأخلاقية والعمالية والاجتماعية) الذي أنشأته وتتحكم به مؤسسة “إنترفريسا” – اللوبي الاقتصادي لتجار الفراولة؛ فإن زهرة هي من طلبت العودة إلى المغرب، وهي من تخلّت طواعية عن حقوقها.

وقد اعتبرت مندوبية الحكومة في هويلفا أن هذا التفسير كافٍ، واتبعت النهج ذاته مؤسسات عامة أخرى. لم يطلب أحد دليلاً. لم يُجرِ أحد تحقيقًا. لم يتحرّك أحد.

لكننا في مجلة “La Mar de Onuba”، نعلم أكثر من ذلك؛ فعشية الترحيل، أبلغتنا “جمعية النساء المهاجرات” (AMIA) بالقضية؛ زهرة كانت خائفة، كانت تعلم أنهم يريدون ترحيلها دون علاج. 

كانت تريد البقاء في إسبانيا، وكانت تطلب المساعدة لمنع ما سيحدث، وبعد ساعات قليلة، أُجبرت على مغادرة المزرعة التي كانت تقيم فيها، وتم ترحيلها إلى المغرب.

لم تكن عودة طوعية، كان طردًا دون ضمانات! 

برنامج “PRELSI” ليس هيئة مستقلة، بل هو جهاز أنشأه لوبي الفواكه الحمراء للتحكّم، وإسكات، وتحجيم، وشلّ أي محاولة للمساءلة. يتم تمويله من المال العام، لكنه يعمل بمنطق شركات القطاع الخاص. 

هو من يقرّر من يُنقل إلى المستشفى ومن يُحمّل في الحافلة، طاقمه يمكن التعرف عليه، تحديد موقعه، وترتيبه الهرمي، فنو من يقوم بدور “الفلتر” دون أي رقابة مؤسسية فعلية.

كان “PRELSI” هو من قرّر ترحيل زهرة، هو من دبّر العملية، وهو من نسج الرواية التي تتبناها الآن جهات كان ينبغي عليها أن تضمن حقوقها.

وفي الأثناء، لم تفعل الدولة شيئًا؛ لم تُفعّل حقوقها الصحية، لم تُسجّل إجازتها المرضية، لم تُخطر مفتشية الشغل، لم تُجهّز لها أي تعويض مستحق، لم تُخطر مؤسسة الضمان الاجتماعي، لم تحمِ أطفالها، ولم تضمن أن تعيش زهرة أيامها الأخيرة بكرامة طبية، تتلقى خلالها الرعاية، وتخفيف الألم، والمرافقة النفسية والطبية.

زهرة بَهلَوي لديها تشخيص طبي خطير؛ تملك تقارير موقعة من أطباء في النظام الصحي العمومي الإسباني، لديها وصفة علاجية من طبيب مختص في الأورام. ولديها أكثر من 180 يومًا من الاشتراكات خلال السنوات الخمس الأخيرة. باختصار: لديها حقوق.

لها الحق في البقاء، في العلاج، في الحصول على تعويض، في ألا تُطرد! ولها الحق، أيضًا، إن تُوفيت، أن يحصل أطفالها على معاش الأيتام. لكن شخصًا ما قرر العكس.

هذا ليس خطأً، إنه نظام؛ نظامٌ يتيح حدوث ذلك، نظام يُفوّض إدارة الهشاشة إلى هيكل غامض يتبع أرباب العمل. نظام يُحوّل الحقوق إلى استمارة يمكن إجبار شخص لا يفهمها على التوقيع عليها. نظام يعتبر أي “تنازل” رسمي أمرًا مقبولًا، ما دام مختومًا من اللوبي المناسب.

هذه ليست قصة ضحية، بل دليل على نموذج يسمح ويُشرعن هذا النوع من الانتهاكات، وهي قضية أيضًا تحمل سؤالًا لا يزال دون إجابة: هل ستتركون زهرة تموت بلا كرامة؟

بيريكو إِيتشيباريا

صحفي إسباني مؤسس مجلة “La Mar de Onuba”

اقرأ أيضا

  • “يمنعن من أن يكن نساءً”.. أساليب “إهانة وإذلال” السجينات في تونس

    رغبة المعتقلة سنية الدهماني، المعلقة الإعلامية التونسية، في الحضور أمام المحكمة وهي تنتعل حذاءً بدل الخفين جوبه بالرفض، كما منعت من مغادرة السجن دون ارتداء اللحاف التقليدي المعروف بـ"السفساري"، حيث أصر أعوان السجون على إخضاعها لتفتيشٍ معمق لجسدها، شمل المناطق الحساسة منه، وبسبب ما استغرقه كل ذلك من زمن، تم إعلامها في النهاية، أنها تأخرت…

    ريم بلقاسم|

    03.09.2024

  • صوت نسائي في معركة الحقوق.. سعاد براهمة رئيسةً للجمعية المغربية لحقوق الإنسان

    في لحظة فارقة ضمن المسار الحقوقي المغربي، انتُخبت المحامية والحقوقية سعاد براهمة على رأس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، خلفًا للحقوقي عزيز غالي، في ختام أشغال المؤتمر الوطني الرابع عشر للجمعية الذي انعقد بمدينة بوزنيقة من 23 إلى 25 ماي 2025. وأسفر اجتماع اللجنة الإدارية عن انتخاب مكتب مركزي مكوّن من 23 عضوًا، من بينهم 8…

    Hounna | هنّ|

    15.06.2025

  • “هِمَمْ”: الصحافية لبنى الفلاح تواجه مضايقات ممنهجة 

    تواجه الصحافية المغربية لبنى الفلاح، مديرة جريدة "الحياة اليومية"، سلسلة من المضايقات والتضييقات المهنية والقضائية، في سياق تبنيها لقضايا المعتقلين السياسيين في المغرب.  ووفقًا لـ"الهيئة المغربية لمساندة المعتقلين السياسيين" (هِمَمْ)، فقد تعرضت الفلاح لعقوبات تأديبية، وتهديدات من جهات رسمية، وحملات تشهير، بالإضافة إلى محاكمتها بسبب مقال لم تنشره، ما يثير مخاوف متزايدة بشأن حرية الصحافة…

    Hounna | هنّ|

    03.02.2025

  • روبورتاج| تعليم أبناء المهاجرين في موريتانيا.. حق مكتسب أم حسنةٌ إنسانية؟ 

    مدرسة صغيرة في شمال موريتانيا، تقوم بتقديم دروس مجانية لمئات الأطفال من عشرين دولة إفريقية وصلت عائلاتهم إلى نقطة مدينة نواذيبو الساحلية، والشهيرة بانطلاق قوارب الهجرة إلى أوروبا، تحديدًا جزر الكناري الإسبانية. تتلو مريم دروس الجمع والطرح كما لو كانت ابتهالا دينيا، بينما يشير ثيوفيل ميرلين، مدرس الرياضيات، بمسطرة إلى السبورة، فيما يندفع الأطفال مع…

    ليلى محمد|

    15.07.2024

  • الفيديوهات

  • “لم نتوصل بالدعم”..نساء الحوز يكشفن الوجه الآخر لإهمال ضحايا الزلزال

    يبدو أن بلدة مولاي إبراهيم بإقليم الحوز، جنوب مدينة مراكش، لن تتعافى قريبا من تبعات الزلزال الذي بعثر سبل العيش هناك، خاصة أن أغلب سكان البلدة كانوا يعيشون على نشاط السياحة الداخلية التي يجلبها ضريح مولاي إبراهيم، فالتجارة والإيواء وخدمات أخرى توفرها الساكنة، خاصة نسائها، توقفت اليوم بشكل كلي، ولا أمل يلوح في الأفق لعودة…

  • محاكمة عسكرية للمعارضة التونسية شيماء عيسى

    لم تغلق المحكمة العسكرية بعد، ملف محاكمة شيماء عيسى، المعارضة التونسية والقيادية في جبهة الخلاص الوطني، فقد تم تأجيل جلسة، محاكمتها إلى 10 أكتوبر، القادم.

  • ختان البنات موروث ملطخ بالدم

    تنتشر ظاهرة ختان الإناث بصورة كبيرة في عموم مناطق موريتانيا، إذ تحتل البلاد المرتبة الثامنة عالمياً. ويعتبر ختان البنات موروثاً وتقليداً في المجتمع الموريتاني ويهدف إلى المحافظة على عذرية البنات و"تهذيب شهوتهن" الجنسية، وفقا للمدافعين عنه بينما تشجب فئات اجتماعة أخرى في البلاد هذه الظاهرة.

  • فاطنة بنت الحسين.. أسطورة العيطة وأيقونة الفن الشعبي في المغرب

    ولدت فاطنة بنت الحسين في منتصف الثلاثينات بمنطقة سيدي بنور، التابعة لدكالة، من عائلة قروية محافظة رفضت ولوجها مجال الغناء، نظرا للسمعة السيئة التي كانت ملتصقة بـ"الشيخة" وقتها. انتقلت فاطنة إلى مدينة اليوسفية، وهناك انضمت إلى فرقة "الشيخ المحجوب"، وزوجته "الشيخة العبدية"، لتحصد شهرة واسعة وصل مداها إلى مدينة آسفي، معقل "العيطة الحصباوية"، وبعدها مدينة…

  • ناسجات الحياة.. نساء بالحوز ينسجن الزرابي بين أنقاض الزلزال

    بالقرب من مركز جماعة أسني بإقليم الحوز، اجتمعت أربع نسوة بدوار "أسلدا" ينسجن الزرابي، بحثا عن مورد رزق، في كوخ من القصب ومغطى بالبلاستيك وورق التعليب، بعد أن دمر الزلزال المكان الذي كن يشتغلن فيه، والذي كان مقرًا لـ"جمعية الدوار"، قبل أن يحوله الزلزال إلى أطلال. في البداية، تحديدًا قبل ثلاثة سنوات من جائحة "كورونا"؛…