في موريتانيا، لا تنتهي جرائم العنف ضد النساء عند وقوعها، بل تتجاوز ذلك مترجمة فصولا من معاناة أخرى أشد قسوة، حين يُستبدل القانون بالوساطة، وتُختزل العدالة في جلسات صلح عائلية، ففي قضايا العنف ضد النساء والأطفال؛ لا يكون الصمت في كثير من الأحيان خيارًا حرًا، بل نتيجة حتمية لضغط اجتماعي خانق، وثقافة تقليدية ترى فيما يعرف بـ“الستر” حلاً جذريا، حتى لو كان ذلك على حساب دماء الضحايا وكرامتهنّ الجسدية والنفسية.
طفولة ضائعة
مريم، فتاة قاصر لا تتجاوز الـ16 من عمرها، ولم تستوعب بعد لماذا طلبوا منها أن تسكت، لكنها تدرك جيداً حجم الأذى الذي لحق بجسدها ونفسيتها، في شهادتها لـ“هنَّ”، تسرد مريم مأساتها بمرارة قائلة: “اعتدى عليّ زوج أمي، وحين أخبرتها بما حدث، قامت بضربي وأمرتني بالسكوت. بدلاً من أن تأخذ بيدي لتسترد لي حقي، فضلت الصمت”.
وتتابع الحديث والدموع على خدها: “قالت أمي إنه فرد من العائلة ومن المستحيل أن يفعل هذا، واتهمتني بأنني أنا من قمت بهذا الفعل مع شخص آخر، ليجمع أهلي بعد ذلك أنه يجب أن تنتهي هذه القصة فوراً كي لا نقع في الفضيحة وقاموا بالصلح، كنت جالسة أنظر إليه بكل عجز صامتةً تماماً، حيث كان الكلام للكبار فقط. في الوقت الذي أنكر فيه الجاني قيامه بالاعتداء علي، كان يطالب بالصفح عنه، وسط جو من الضحك والمصافحاتِ العائلية، لينتهي الموضوع بالنسبة لهم في جلسة صلة رحم وتوطيد أواصر القربى.. لكنه لم ينتهِ بداخلي مطلقا”.
“دخلت في أزمة نفسية حادة وكان الجميع يصفونني بالجنون، مازال الخوف يرافقني ولم أعد حتى أثق بأمي ولا أقرب الناس لي”، تقول مريم.
مريم ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من آلاف القصص التي يُفرض فيها الصلح، حتى لو وصل الأمر إلى إزهاق الأرواح، فخديجة تروي قصة شقيقتها الراحلة بكثير من الحرقة والذهول: “أختي دهسها زوجها السابق بالسيارة بعد أن طلقها بحجة الغيرة عليها، والمفارقة الصادمة أنه استفاد من الصلح وتم العفو عنه”.
“القصة بدأت حين كان زوج أختي سريع الانفعالات يضربها بشدة مما اضطرها للخلع وحينَ ظنت أن معاناتها أنتهت دهسها بالسيارة، كان ذلك في 2019، وحدث الصلح لكنني لم أتخطى ذلك الموقف، مازلت أتذكر كل شيء وملامح أختي وكيف أصبح حرا بعد أن قتلها”.
خلل بنيوي
من الناحية القانونية، يرى الخبراء أن هذه الممارسات تكشف عن خلل بنيوي في التعاطي مع الجنايات الخطيرة، حيث يوضح المحامي الحسين بلال
أن “بعض المعتدين ينجون من العقاب نتيجة اللجوء إلى الصلح بين الأطراف، وهو ما يكشف عن ثغراتٍ واضحة في القانون الجنائي الموريتاني”.
ويوضح: “هذا الصلح يُسقط في كثير من الحالات الحقّ الخاص للضحية، فلا يبقى سوى الحق العام الذي تمارسه الدولة حسب تكييفها، وهو ما قد يفتح الباب أمام استفادة الجاني من ظروفٍ تخفف عنه العقوبة أو العفو عنه ليخرج بكل حرية”.
ويؤكد على أن “هذه الوضعية تُعدّ من أخطر مكامن الخلل، إذ يُحرم الطرف المدني من حقوقه الكاملة، بينما يُكرّس الصلح كآلية تُستغل أحيانًا على حساب العدالة. وتنتشر ثقافة الصلح في المجتمع حتى في القضايا الخطيرة، مثل القتل والاغتصاب، هذه الجرائم لها آثار جسيمة على الأفراد والمجتمع ويجب على المجتمع تحكيم القانون فيها حتى ينال المعتدي جزاءه، ردع مرتكبيها وضمان عدم إفلاتهم من العقاب”.
ويوضح المتحدث أن “الضغط الأسري يلعب دوراً كبيرا في إسكات النساء عن حقوقهنّ حتى لو كن ضحايا جرائم بالغة تتدخل الأسرة وتقوم بسحب الشكاية بطرق اجتماعية لا علاقة للقانون بها، لكن حين تصل القضية القضاء حتى لو تم سحب شكاية لا يسقط الحق العام خصوصاً حين تكون قاصر”.
ويشدد على أن “القانون لا يتساهل مع العنف ضد أي الشخص لكن لعنف يختلف حسب الشخص الفاعل، والمشكل ليس القانون بل في العادات الاجتماعية، والصلح بين الأطراف قبل أن تصل القضية إلى مرحلة التقاضي”.
القبليّة تحكم بدل القانون
من جانبه، يصف الناشط في المجتمع المدني، عمر دحمد، حل النزاعات خارج أروقة القضاء بأنه “كارثة حقيقية على الضحية وسلب كامل لجميع حقوقها”، ويلاحظ دحمد أن هذه الممارسات تنتشر بكثرة في حالات الاعتداء الجنسي، ولا سيما ضد الأطفال.
“أغلب من يتنازلون تحت ضغط التدخلات المجتمعية هم أشخاص لايعرفون حقوقهم بل محتاجون اقتصاديا وتابعون قبليا وأغلب من يتدخل هم نافذون قبليون أو أشخاص لديهم قدرة اقتصادية ووعي اكثر من الضحايا وذويهم. ولأن المجتمع يعتبر ظاهرة الاغتصاب عار يتسجيبون للصلح بسرعة لطي الملف”، يوضح دحمد.
ويعتبر أن “حل النزاعات خارج القضاء كارثة على الضحية وسلب لجميع حقوقها، الصلح دون القضاء لا يضمن للضحية أي حق ومن الممكن أن يمارس عليها المجتمع نظرة ازدراء واحتقار بل يعتبرها البعض شريك له”.
ويشير إلى أن “الأضرار هي نفسية واجتماعية بشكل كبير، خاصة إذا كانت الضحية حامل ووضعت جنينها ستعيش بوصمة عار وسيعيش طفلها بنفس النظرة حتى وسط أسرتها”.
“كنت شاهدا على العديد من الحالات سأذكر منها قضية طفلة عمرها 15 سنة اغتصبت وتعرضت للحمل، وضعت جنينها أسرتها فضلت الصلح لكن حين تنظر إليها تتحدث بألم بخجل وهي تحمل جنينها على ظهرها تتألم لأنها طفلة ضعيفة نحيفة مجبرة على أن تربي طفلا مثلها”، يتذكر الناشط.
ويضيف أن “هذه الأسرة تخلت عن القضية لأنها تعتبر وصولها للقضاء أمر مخجل، وأن عليها التكتم لكنها نسيت أن الآثار باقية وأنها أكبر وأصعب وأمرّ من التكتم وإعطاء الجاني فرصة أخرى للنيل من ضحايا آخرين، فبمجرد أن يتم الصلح يصبح الجاني حرًّا وتبقى الضحية مطاردة من المجتمع، لا أحد سيتذكر، ولكن الضحية سيشار إليها في كافة المحيط، وستتعرض للوصم والتعيير والتهميش، وسيذكر الناس أن أهلها قبضوا الثمن وهذا في حد ذاته عقاب للضحية، التي ستعيش بتلك الآثار النفسية والجسدية طيلة حياتها”.
هذا، وتكشف هذه الشهادات والآراء القانونية والحقوقية أن الصلح في قضايا العنف ضد النساء والأطفال في موريتانيا ليس مجرد وسيلة لحل النزاعات، بل يتحول في كثير من الحالات إلى آلية تُفضي إلى إفلات الجناة من العقاب، تحت وطأة الضغوط الأسرية والقبلية والخوف من الوصم الاجتماعي.
وبينما تستعيد الأسر هدوءها الظاهري بإغلاق الملفات، تبقى الضحايا وحدهنَّ يحملنَ آثار الجريمة النفسية والجسدية لسنوات، في ظل عدالة منقوصة وثقافة تضع “الستر” فوق الحق، وتمنح المعتدي فرصة جديدة، فيما تُترك الضحية لتواجه المجتمع وندوبها بمفردها.



















